الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» كتاب مجربات ابن سينا الروحانية للتحميل
الجمعة أكتوبر 28, 2016 11:28 pm من طرف شمعون2

»  تحميل كتاب شمس المعارف , كتاب السحر الأسود , بحجم 32 ميجا تحميل
الجمعة أكتوبر 28, 2016 11:21 pm من طرف شمعون2

» كتاب الجواهر اللماعة في استحضار ملوك الجن في الوقت و الساعه للتحميل
السبت أكتوبر 22, 2016 2:09 pm من طرف شمعون2

» كتاب كيف تنشأ مشروعا تجاريا.pdf للتحميل المباشر
السبت أكتوبر 15, 2016 12:04 pm من طرف muntaser

» منهج الصف الاول الثانوى كاملا لجميع المواد الترم الاول والثانى
الأربعاء أكتوبر 05, 2016 8:34 pm من طرف هيثم مجد ابوطاحون

» خبر مؤسف
الأحد أكتوبر 02, 2016 1:35 am من طرف ربيع محمد

» كل عام وانتم بخير
الأحد أكتوبر 02, 2016 1:32 am من طرف ربيع محمد

» طمنى على مصر ياعم عبد العال ( السلطان العاشق
الأحد أغسطس 21, 2016 12:06 am من طرف مصطفى درش

» شرح التسجيل و الربح من موقع كليك سينس
السبت أغسطس 20, 2016 12:09 pm من طرف الماضى الجميل

» اشيك واجمل كراسى للشاليه والحدائق من مافكو تريد
السبت يوليو 16, 2016 2:54 pm من طرف mafcotrade

أفضل 10 أعضاء في هذا الأسبوع
body onbeforeprint="onbeforeprint()" onafterprint="onafterprint()"onselectstart="return false" oncontextmenu="return false">

شاطر | 
 

 كتاب مبارك وزمانه من المنصة الى الميدان للقراءة المباشرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عماد الصغير
راكب درجه فاخره
راكب درجه فاخره


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 765
نقاط : 1232
تاريخ التسجيل : 26/10/2009

مُساهمةموضوع: كتاب مبارك وزمانه من المنصة الى الميدان للقراءة المباشرة   الثلاثاء يناير 17, 2012 12:13 pm

نتابع معكم هنا على صفحات المنتدى كتاب الكاتب الكبير محمد
حسنين هيكل الجديد مبارك وزمانه .. من المنصة إلى الميدان وننقله عن الشروق


لغز رجل حكم مصر ثلاثين سنة .. آلاف الصور .. والحقيقة ضائعة

محمد حسنين هيكل يكتب: مبارك وزمانه .. من المنصة إلى الميدان (الحلقة الأولي)

ملاحظة:



لم ألزم نفسى طوال هذه الصفحات بأوصاف للرئيس «حسنى مبارك» من نوع ما يرد
على الألسنة والأقلام منذ أزيح عن قمة السلطة، وإنما استعملت الإشارات
العادية طالما أن الرجل لم يُحاكَم، ولم يُحْكَم عليه.



ومع أن «مبارك» وصل إلى قاعة محكمة ــ ممددا على سرير طبى دخل به إلى
زنزانة حديدية ــ فإن التهم التى وُجهَت إليه لم تكن هى التهم التى يلزم
توجيهها، بل لعلها الأخيرة فيما يمكن أن يوجَّه إلى رئيس دولة ثار شعبه
عليه، وأسقط حكمه وأزاحه.



والمنطق فى محاكمة أى رئيس دولة أن تكون محاكمته على التصرفات التى أخل
فيها بالتزامه الوطنى والسياسى والأخلاقى، وأساء بها إلى شعبه، فتلك هى
التهم التى أدت للثورة عليه.



●●●



أى أن محاكمة رئيس الدولة ــ أى رئيس وأى دولة ــ يجب أن تكون سياسية تثبت
عليه ــ أو تنفى عنه ــ مسئولية الإخلال بعهده ووعده وشرعيته، مما استوجب
الثورة عليه، أما بدون ذلك فإن اختصار التهم فى التصدى للمظاهرات ــ قلب
للأوضاع يستعجل الخاتمة قبل المقدمة، والنتائج قبل الأسباب، ذلك أنه إذا لم
يظهر خروج «مبارك» على العهد والوعد والشرعية، إذن فقد كان تصديه
للمظاهرات ممارسة لسلطته فى استعمال الوسائل الكفيلة بحفظ الأمن العام
للناس، والمحافظة على النظام العام للدولة، وعليه يصبح التجاوز فى إصدار
الأوامر أو تنفيذها ــ رغبة فى حسم سريع، ربما تغفره ضرورات أكبر منه، أو
فى أسوأ الأحوال تزيدا فى استعمال السلطة قد تتشفع له مشروعية مقاصده!!



وكذلك فإنه بعد المحاكمة السياسية ــ وليس قبلها ــ يتسع المجال للمحاكمة الجنائية، ومعها القيد والقفص!!



●●●



بمعنى أن المحاكمة السياسية هى الأساس الضرورى للمحاكمة الجنائية لرئيس
الدولة، لأنها التصديق القانونى على موجبات الثورة ضده، وحينئذ يصبح أمره
بإطلاق النار على المتظاهرين جريمة يكون تكييفها القانونى إصراره على
استمرار عدوانه على الحق العام، وإصراره على استمرار خرقه المستبد لعهده
الدستورى مع الأمة!!



ومن هذا المنطق فإننى لم أستعمل فى الإشارة إلى «مبارك» أوصافا مثل
«المخلوع»، أو «المطرود»، أو حتى «السابق»، وإنما استعملت على طول سياق هذه
الصفحات ما هو عادى من الإشارات.



وعلى أى حال فإنه من حق من يشاء ــ إذا شاء ــ أن ينزع إشارات استعملتها
بمنطق ما قدمت، وأن يضع بدلها «المخلوع» و«المطرود» أو«السابق»!!



أردت بهذه الملاحظة أن أطرح مبكرا «وجهة نظر» ولا أكثر، وحتى لا يأخذ علىَّ أحد «تهمة أدب يتزيد»، أو «تمسك بأصول» أسقطتها الدواعى!!



●●●






مقدمة :



بدأت التفكير فى هذه الصفحات باعتبارها مقدمة لكتاب تصورت أن أجمع داخل
غلافه مجمل علاقتى بالرئيس «حسنى مبارك»، وقد كانت علاقة محدودة وفاترة،
وفى كثير من الأحيان مشدودة ومتوترة، وربما كان أكثر ما فيها ــ طولا وعرضا
ــ لقاء واحد تواصل لست ساعات كاملة، ما بين الثامنة صباحا إلى الثانية
بعد الظهر يوم السبت 5 ديسمبر 1981 ــ أى بعد شهرين من بداية رئاسته ــ
وأما الباقى فكان لقاءات عابرة، وأحاديث معظمها على التليفون، وكلها دون
استثناء بمبادرة طيبة منه. لكن الواقع أن الحوار بيننا لم ينقطع، وكان صعبا
أن ينقطع بطبائع الأمور طالما ظل الرجل مسيطرا على مصر، وظللت من جانبى
مهتما بالشأن الجارى فيها، وعليه فقد كتبت وتحدثت عن سياساته وتصرفاته، كما
أنه من جانبه رد بالتصريح أو بالتلميح، وبلسانه أو بلسان من اختار للتعبير
عنه أو تطوع دون وكالة.



وقد تراكم من ذلك كثير مكتوب مطبوع، أو مرئى مسموع، وفكرت أن أجعله سجلا
وافيا ــ بقدر الإمكان ــ لحوارات وطن فى زمن، ولعلاقة صحفى مع حاكم ومع
سلطة فى الوطن وفى الزمن!!



لكنى رُحت أسأل نفسى عن الهدف من جمع هذا السجل، ثم ما هو النفع العام بعد جمعه؟!!



ــ وبداية فقد ورد على بالى أن تسجيل ما جرى فى حد ذاته قد يكون وسيلة إلى
فهم مرحلة من التاريخ المصرى المعاصر ما زالت تعيش فينا، وما زلنا نعيش
فيها!!



ــ ثم ورد على بالى أن كثيرا من قضايا ما جرى ما زالت مطروحة للحوار، وبالتالى فالتسجيل سند للوصل والاستمرار.



ــ ثم ورد على بالى أن بعض الملامح والإشارات فى سياق ذلك الحوار ربما تكون
مفيدة فى التعرف أكثر على لغز رجل حكم مصر، وأمسك بالقمة فيها ثلاثين سنة
لم يتزحزح، وتغيرت فيها الدنيا، وظل هو حيث هو، لا يتأثر.



وذلك لابد له من فحص ودرس!!



●●●



وتركت خواطرى تطل على كل النواحى، ثم اكتشفت أن الاتجاهات تتفرع وتتمدد ــ
لكن الطرق لا تصل إلى غاية يمكن اعتبارها نقطة تصل بالسؤال إلى جواب.



وعُدت إلى ملفاتى وأوراقى، ومذكراتى وذكرياتى، وبرغم آثار كثيرة وجدتها،
ومشاهد عادت إلىَّ بأجوائها وتفاصيلها، فقد طالعنى من وسط الزحام سؤال آخر
يصعب تفاديه ــ مجمله:



ــ ماذا أعرف حقيقة وأكيدا عن هذا الرجل الذى لقيته قليلا، واشتبكت معه ــ ومع نظامه ــ طويلا؟!!



والأهم من ذلك:



ــ ماذا يعرف غيرى حقيقة وأكيدا عن الرجل، وقد رأيت ــ ورأوا ــ صورا له من
مواقع وزوايا بلا عدد، لكنها جميعا لم تكن كافية لتؤكد لنا اقتناعا
بالرجل، ولا حتى انطباعا يسهل الاطمئنان إليه والتعرف عليه، أو الثقة فى
قراره.



بل لعل الصور وقد زادت على الحد، ضاعفت من حيرة الحائرين، أو على الأقل
أرهقتهم، وأضعفت قدرة معظمهم على اختيار أقربها صدقا فى التعبير عنه، وفى
تقييم شخصيته، وبالتالى فى الاطمئنان لفعله؟!!



وإذا أخذنا الصورة الأولى للرجل كما شاعت أول ظهوره، وهى تشبهه بـ «البقرة
الضاحكة» La vache qui rit ــ إذن فكيف استطاعت «بقرة ضاحكة» أن تحكم مصر
ثلاثين سنة؟!!



وإذا أخذنا الصورة الأكثر بهاء، والتى قدمت الرجل إلى الساحة المصرية
والعربية بعد حرب أكتوبر باعتباره قائدا لما أطلق عليه وصف «الضربة الجوية»
ــ إذن فكيف تنازلت «الأسطورة» إلى تلك الصورة التى رأيناها فى المشهد
الأخير له على الساحة، بظهوره ممددا على سرير طبى وراء جدران قفص فى محكمة
جنايات مصرية، مبالغا فى إظهار ضعفه، يرخى جفنه بالوهن، ثم يعود إلى فتحه
مرة ثانية يختلس نظرة بطرف عين إلى ما يجرى من حوله، ناسيا ــ أنه حتى
الوهن له كبرياء من نوع ما، لأن إنسانية الإنسان ملك له فى جميع أحواله،
واحترامه لهذه الإنسانية حق لا تستطيع سلطة أن تنزعه منه ــ إلا إذا تنازل
عنه بالهوان، والوهن مختلف عن الهوان!!



وإذا أخذنا صورة الرجل كما حاول بنفسه وصف عصره، زاعما أنه زمن الإنجاز
الأعظم فى التاريخ المصرى منذ «محمد على» ــ إذن فكيف يمكن تفسير الأحوال
التى ترك مصر عليها، وهى أحوال تفريط وانفراط للموارد والرجال، وتجريف كامل
للثقافة والفكر، حتى إنه حين أراد أن ينفى عزمه على توريث حكمه لابنه، رد
بحدة على أحد سائليه وهو أمير سعودى تواصل معه من قديم، قائلا بالنص
تقريبا:



ــ «يا راجل حرام عليك»، ماذا أورِّث ابنى ــ أورثه «خرابة»؟!!



ولم يسأله سامعه متى وكيف تحولت مصر إلى «خرابة» حسب وصفه!!



وهل تولى حكمها وهى على هذا الحال، وإذا كان ذلك فماذا فعل لإعادة تعميرها
طوال ثلاثين سنة، وهذه فترة تزيد مرتين عما أخذته بلاد مثل الصين والهند
والملايو لكى تنهض وتتقدم!!



ثم إذا كان قد حقق ما لم يستطعه غيره منذ عصر «محمد على» ــ إذن فأين ذهب
هذا الإنجاز؟!! ــ وكيف تحول ــ تحت نظامه إلى «خرابة»؟!! ــ ثم لماذا كان
هذا الجهد كله من أجل توريث «خرابة»، خصوصا أن الإلحاح عليه كان حقل
الألغام الذى تفجر فى وسطه نظام «الأب» حطاما وركاما، ما زال يتساقط حتى
هذه اللحظة بعد قرابة سنة من بداية تصدعه وتهاويه!!



وكيف؟!! ــ وكيف؟!! ــ وكيف؟!!



وهنا فإن التساؤل لا يعود عن الصور، وإنما ينتقل إلى البحث عن الرجل ذاته!!



●●●



وعلى امتداد هذه الصفحات فقد حاولت البحث عن الرجل ذاته قبل النظر فى ألبوم
صوره، وعُدت إلى ملفاتى وأوراقى، ومذكراتى وذكرياتى عن «حسنى مبارك»، ثم
وقع بمحض مصادفة أننى لمحت قصاصة من صحيفة لا أعرف الآن بالتحديد ما دعانى
إلى الاحتفاظ بها ثلاثين سنة، لكنى حين نزعتها من حيث كانت وسط المحفوظات
ــ رُحت أقرؤها وأعيد قراءتها ــ متفكرا!!



وكانت القصاصة مقالا منشورا فى جريدة «الواشنطن بوست» فى يوم 7 أكتوبر
1981، وفى بداية المقال جملة توقفت عندها، وفى الغالب بنفس الشعور الذى
جعلنى أحتفظ بها قبل ثلاثين سنة!!



والجملة تبدأ بنقل «أن الأخبار من القاهرة بعد اغتيال الرئيس «السادات»
تشير إلى أن الرجل الذى سوف يخلفه على رئاسة مصر هو نائبه «حسنى مبارك» ــ
ثم تجىء جملة تقول بالنص: «إنه حتى هؤلاء الذين يُقال إنهم يعرفون «مبارك»
هم فى الحقيقة لا يعرفون عنه شيئا».



والآن بعد ثلاثين سنة وقفت أمام هذه الجملة، وشىء ما فى مكنونها يوحى بأنها
«مفتاح» المقال كله، لأننا بالفعل أمام رجل رأيناه كل يوم وكل ساعة،
وسمعناه صباح مساء، واستعرضنا الملايين من صوره على امتداد ثلاثين سنة،
لكننا لم نكن نعرفه ولا نزال!!



●●●



وكان سؤالى التالى لنفسى:



ــ إذا لم تكن للرجل صورة معتمدة تؤدى إلى تصور معقول عنه، فكيف أتفرغ
شهورا لجمع ونشر ما سمعت منه مباشرة خلال مرات قليلة تقابلنا فيها، أو ما
قلته له بطريق غير مباشر ــ أى بالحوار والكتابة والحديث ثلاثين سنة؟!



وترددت، لكننى بإلحاح أن تلك ثلاثين سنة بأكملها من حياة وطن، وهى نفسها
ثلاثين سنة من المتغيرات والتحولات فى الإقليم وفى العالم، قادنا فيها رجل
لا نعرفه إلى مصائر لا نعرفها ــ فإن زمان هذا الرجل يصعب تجاوزه أو القفز
عليه مهما كانت الأسباب، مع أن هناك أسبابا عديدة أبرزها أن التاريخ لم
ينته بعد كما كتب بعض المتفائلين من الفلاسفة الجُدد»!!



ثم كان أن توصلت إلى صيغة توفيق بين هذه الاعتبارات:



من ناحية تصورت أن أحاول فى مقدمة مستفيضة لهذا الكتاب، أن أترك ما تحويه
ملفاتى وأوراقى، ومذكراتى وذكرياتى ــ تنقل بعض الخطوط والألوان عن «حسنى
مبارك» ــ معترفا مقدما ومسبقا أن هذه المقدمة مهما استفاضت ليست كافية
لإظهار لوحة تستوفى شروط المدرسة الكلاسيكية لفن الرسم، لكنها ــ كذلك خطر
لى ــ قد تستطيع مقاربة شروط مدرسة الرسم التعبيرى.



بمعنى أنها قد تكون صورة لا تحاول تقليد مدرسة «ليوناردو دافنشى» أو «مايكل
أنجلو» وحيا موصولا بالطبيعة، وإنما تحاول تقليد مدرسة «رينوار» و«مانيه»
ــ تلمس موضوعها بمؤثرات أجوائه الإنسانية، وتشير إلى الطبع والشخصية مما
يبلغه الحس ولا يطوله البصر!!



●●●



وراودنى على نحو ما أن الجميع ــ ربما ــ أخطأوا فى تصوير الرجل.



لجأوا إلى الكاميرا تلتقط الصورة ومضا بالضوء، بينما كان يجب أن يلجأوا إلى
الفرشاة واللون رسما بالزيت، ثم إنهم كرروا الخطأ حين اختاروا المدرسة
الكلاسيكية فى الفن، بينما كان يجب أن يلجأوا للمدرسة التأثيرية!!



وأظن أن ذلك ما حاولت بلمسات ألوان على مساحة ورق، تنزل عليها فرشاة زيت
تشبعت به خفيفة وكثيفة، تومئ بالظل أو بالفراغ، وتوحى بأكثر مما تصيح،
وتعبر بقدر ما هو مستطاع فى زمن لم يعد فيه متسع لرقة «رينوار»، أو خيال
«مانيه».



●●●



ولقد ساءلت نفسى كثيرا عن السبب الذى دعا الجميع إلى هذا التقصير فى البحث
عن الرجل ذاته، وكيف تراكم التقصير فى التعرف عليه ثلاثين سنة؟!!



وكان التفسير متعدد الأسباب وكلها منطقية، لكنها تاهت فى الزحام:



ــ بعض الناس تلقفوه حين وجدوه، ولم يتوقفوا أمام شخصيته وهى تقفز من
المنصة إلى الرئاسة، فقد أخذهم هول ما وقع على المنصة، وتمسكوا بمن بقى
بعده!!



ــ وبعضهم أخذه الظاهر من الرئيس الجديد واستخف بما رأى، واعتبره وضعا مؤقتا لعبور أزمة، وبالتالى فالإطالة فى تحليله إضاعة للوقت!!



ــ وبعضهم شدته الوقائع التى ظهر الرجل طرفا فى معمعانها، واستطاعت الصورة
العامة للأحداث الكبرى التى دهمت المنطقة أن تستوعب دوره ضمن الأدوار، ومع
قيمة مصر فإن الجالس على قمتها التحف برايتها، وساعده الطامعون فى إرث
الدور المصرى على تحويل هذه الراية إلى برقع يستر ملامح متغيرة للسياسة
المصرية!!



ــ وبعضهم خصوصا من أجيال الشباب نشأوا وشبوا ولم يعرفوا رئيسا غيره، وبالتالى فإن أجيالا تعوَّدت عليه، وتأقلمت بالتطبيع على وجوده.



ــ وبعضهم رغبة فى راحة البال تجاهل السؤال عن الرجل، واستعاض عنه بقبول
جواب معبأ يصنعه إعلام يأتمر بالغلبة ــ غلبة السلطة ــ أو غلبة الثروة فى
مصر، وكان لسوء الحظ إعلاما فقد تأثيره، وإن بقى هديره!!



ولعل.. ولعل.. وكلها علامات استفهام تحار فيها الظنون، لكن الواقع قبل وبعد أى شىء أن الرجل بقى على القمة فى مصر ثلاثين سنة!!



وأستأذن أن أؤكد وبوضوح أن هذه الصفحات وإن طالت عما توقعت ــ ليست قصة
حياة، ولا هى سيرة رجل، وإنما هى لمحات قصرتها على ما رأيت بنفسى أو عرفت،
وذلك هو عذرى ــ واعتذارى ــ عن استعمال صيغة المتكلم فى بعض الفصول، وعذرى
ــ واعتذارى أيضا ــ عن استعمال ألفاظ وعبارات بالعامية نقلتها كما سمعتها
طلبا لدقة التعبير.



وهنا أضيف أننى لم أسعَ إلى لقاء أحد ممن عملوا مع «مبارك» عن قُرب أو عايشوه، فتلك مهمة غيرى إذا حاول كتابة سيرته أو تتبَّع دوره.



ولقد راعنى ــ وأظنه راعَ غيرى ــ أن كثيرين من هؤلاء الذين عملوا معه
ومباشرة، كانوا أوائل من انقلبوا عليه، والمعنى هنا أن الرجل لم يرتبط
بعلاقات إنسانية عميقة مع محيطه، ولا تواصل بولاءات متبادلة أو حميمة مع
الذين اقتربوا منه وخالطوه، وإنما كانت علاقاته بهذا المحيط ــ على الأرجح
ــ خدوشا على السطح لا يتبقى منها غير ندوب على الجلد تشحب وتزول بعد أيام
أو أسابيع لا أكثر!!



وتلك ظاهرة لافتة كذلك!!






●●●



ذلك هو الجزء الأول من هذا الكتاب!!



بقى الجزء الثانى، وذلك هو الجزء الأكبر فى الكتاب، وهو يشمل ما جمعت مما
كتبت على الصفحات أو قلت على الشاشات، وكله مرتبط بقضايا العصر عرضا
وتحليلا ــ شرحا وتفصيلا، وظنى أنه وقد امتد على مساحة ثلاثين سنة، قد يعوض
بالكلمات بعض ما لم تستطع أن تستوفيه الألوان!!



وأملى ــ ربما ــ أن شيئا فى هذا كله قد يرسل شعاعا يكشف ولو لمحة من تلك
الفجوة المجهولة التى أشارت إليها جريدة «واشنطن بوست» منذ اليوم الأول
لعصر «مبارك»، حين قالت «إن الذين يظنون أنهم يعرفون الرجل هم فى الواقع لا
يعرفون عنه شيئا»!!



وذلك ــ مع الأسف صحيح ــ فلقد فاجأت هؤلاء العارفين بدايته، وفاجأتهم نهايته!!



●●●



يتبقى أن هناك سؤالا لابد أن يصل إلى آذان الجميع: كيف استطاع هذا الرجل أن
يجلس على رئاسة مصر ثلاثين سنة؟! ــ ثم كيف استطاع شعب مصر أن يصبر ثلاثين
سنة؟!!



وبالنسبة لـ:«كيف» الأولى فالجواب على سؤالها: أنه حظه طالما استطاع البقاء!!



وأما «كيف» الثانية فجواب سؤالها: أنها مسئولية الشعب المصرى كله لأنه هو
الآخر استطاع ــ استطاع بالصبر والصمت ــ وإظهار السأم والملل أحيانا ــ
حتى جاءت ثورة 25 يناير 2011، وعندما لم يعد الصبر قادرا، ولا الصمت ممكنا،
ولا الملل كافيا!!





فى الحلقة القادمة :
كيف تم اختيار (حسنى مبارك) نائباً للرئيس .. ولماذا؟! .. كل الأسباب كانت سياسية .. وليس فيها سبب عسكرى واحد!!
المصدر منتديات مترو
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عماد الصغير
راكب درجه فاخره
راكب درجه فاخره


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 765
نقاط : 1232
تاريخ التسجيل : 26/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مبارك وزمانه من المنصة الى الميدان للقراءة المباشرة   الثلاثاء يناير 17, 2012 12:21 pm

مبارك وزمانه مـن المنصة إلى الميدان (الحلقة الثانية) .. كيف تم اختيار (حسني مبارك) نائباً للرئيس .. ولماذا؟

محمد حسنين هيكل

بدأت متابعتى للرئيس «حسنى مبارك» ــ من بعيد
بالمسافة، من قريب بالاهتمام ــ عندما ظهر على الساحة العامة لأول مرة
قائدا لسلاح الطيران المصرى فى الظروف الصعبة التى تعاقبت بعد أحداث يونيو
سنة 1967، ولم يخطر ببالى وقتها ــ لحظة واحدة ــ أن هذا الرجل سوف يحكم
مصر ثلاثين سنة، ويفكر فى توريث حكمها بعده لابنه.




وعندما أصبح «مبارك» رئيسا بعد اغتيال الرئيس «أنور السادات» فى أكتوبر
1981، فقد رحت حتى ونحن لانزال بعد فى سجن «طرة» (ضمن اعتقالات سبتمبر
الشهيرة سنة 1981)، اذكِّر نفسى وغيرى بالمثل الفرنسى الشائع، الذى استخدمه
الكاتب الفرنسى الشهير «أندريه موروا» عنوانا لإحدى رواياته، وهو أن «غير
المتوقع يحدث دائما!!».



●●●



وللأمانة فقد سمعت الفريق «محمد فوزى» (وزير الدفاع) يقدم لـ«مبارك» عند
«جمال عبدالناصر» عندما رشحه له رئيسا للأركان فى سلاح الطيران أثناء حرب
الاستنزاف، وكانت شهادة الفريق «محمد فوزى» تزكيه لما رُشح له، ثم كان أن
أصبح الرجل بعد أن اختاره الرئيس «السادات» قائدا للسلاح ــ موضع اهتمام
عام وواسع، لأن سلاح الطيران وقتها كان يجتاز عملية إعادة تنظيم مرهقة،
وكانت هذه العملية تجرى بالتوافق مع قيام السلاح بدوره فى حرب الاستنزاف،
وخلالها ــ تعاقب على قيادة الطيران خمسة من القادة هم: «صدقى محمود»
و«مدكور أبوالعز»، و«مصطفى الحناوى»، و«على بغدادى»، ولم يستطع أيا من
هؤلاء القادة إكمال مدته الطبيعية، وبالتالى فإن مجىء كل واحد منهم إلى
قيادة الطيران كان حالة فوران لا يهدأ وسط أجواء مشحونة داخل واحد من أهم
الأسلحة، فى لحظة من أشد اللحظات احتياجا إلى فعله!!



●●●



وكان أول ما التقيت بـ«مبارك» ــ لقاء مصادفات عابرة، فقد كنت على موعد
مع وزير الحربية وهو وقتها الفريق «محمد أحمد صادق» ــ وعندما دخلت مكتبه
مارا بغرفة ياوره ــ كان بعض القادة فى انتظار لقاء «الوزير»، وكان بينهم
«مبارك»، وأتذكره جالسا وفى يده حقيبة أوراق لم يتركها من يده، حين قام
وسلم وقدَّم نفسه، وبالطبع فإننى صافحته باحترام، قائلا له فى عبارة مجاملة
مما يرد على أول لقاء: «إن دوره من أهم الأدوار فى المرحلة المقبلة،
و«البلد كله» ينتظر أداءه» ــ ورد هو: «إن شاء الله نكون عند حُسن ظن
الجميع»، ودُعيت إلى مكتب الفريق «صادق»، ودخلت، وكانت مصادفة لقائى
بـ«مبارك» ــ قبلها بثوانٍ ــ حاضرة فى ذهنى بالضرورة مع زيادة الاهتمام
بالطيران وقائده، وبدأت فسألت الفريق «صادق» عن «مبارك» وهل يقدر؟!، وكان
رده «أنه الضابط الأكثر استعدادا فى سلاح الطيران الآن بعد كل ما توالى على
قيادة السلاح من تقلبات»، ولا أعرف لماذا أبديت بعض التساؤلات التى خطرت
لى من متابعتى لـ«مبارك»، منذ ظهر على الساحة العامة، وكان مؤدى ما قلته
يتصل بسؤال من فوق السطح (كما يقولون): كيف بقى الرجل قرب القمة فى السلاح
خلال كل الصراعات والمتغيرات التى لحقت بقيادة سلاحه ــ وكيف استطاع أن يظل
محتفظا بموقعه مع أربعة من القادة قبله، وكل واحد منهم أجرى من التغييرات
والتنقلات ما أجرى؟!!



زدت على هذه الملاحظة إضافة قلت فيها: أننى سمعت «حكايات» عن دوره فى
حوادث جزيرة «آبا» قبل سنتين (وهى تمرد المهدية على نظام الرئيس السودانى
«جعفر نميرى»، ونشوب صراع مسلح بين الفريقين سنة 1970)، وطبقا لـ«الحكايات»
ومعها بعض الإشارات ــ فإن «مبارك» ذهب إلى السودان فى صحبة نائب الرئيس
«أنور السادات»، لبحث ما يمكن أن تقوم به مصر لتهدئة موقف متفجر جنوب وادى
النيل، ولتعزيز موقف «جعفر نميرى» فى تلك الظروف العربية الحرجة، وكانت أول
توصية من بعثة «أنور السادات» وقتها هى الاستجابة لطلب الرئيس السودانى،
بأن تقوم الطائرات المصرية المتمركزة أيامها فى السودان بضرب مواقع المهدية
فى جزيرة «آبا» لمنع خروج قواتها إلى مجرى النيل، والوصول إلى العاصمة
«المثلثة»، ودارت مناقشات فى القاهرة لدراسة توصية بعثة «السادات» فى
«الخرطوم»، وكان القرار بعد بحث معمق ألا تشترك أية طائرات مصرية فى ضرب أى
موقع، و«أنه لا يمكن لسلاح مصرى أن يسفك دما سودانيا مهما كانت الظروف».



ثم حدث بعدها بأيام أن اغتيل زعيم المهدية السيد «الهادى المهدى». وراجت
حكايات عن شحنة متفجرة وُضعت داخل سلة من ثمار المانجو وصلت إليه، وقيل ــ
ضمن ما قيل عن عملية الاغتيال ــ أن اللواء «حسنى مبارك» (وهو الرجل
الثانى فى بعثة «الخرطوم» مع «السادات») ــ لم يكن بعيدا عن خباياها، بل إن
بعض وسائل الإعلام السودانية وقتها ــ وبعدها حين أصبح «مبارك» رئيسا ــ
اتهمته مباشرة بأنه كان اليد الخفية التى دبرت لقتل الإمام «الهادى
المهدى».



وأشرت إلى ذلك كله بسرعة من اهتمام بالطيران وقتها وأحواله، وكان رد
الفريق «صادق»: أنه سمع مثلما سمعت، لكنه لا يعرف أكثر. وأضاف «صادق»: «إذا
كان «مبارك» قد دخل فى هذا الموضوع، فلابد أن الإلحاح والتدبير الأصلى كان
من جانب «نميرى»، ثم إنه لابد أن «أنور السادات» كان يعلم» ــ ثم أضاف
«صادق»: «بأن أول مزايا «مبارك» أنه مطيع لرؤسائه، ينفذ ما يطلبون، ولا
يعترض على أمر لهم»، وانتقل الحديث بيننا إلى موضوع ما جئت من أجله
لزيارته.



●●●



وكانت المرة الثانية التى قابلت فيها «مبارك» فى تلك الفترة أثناء معارك
أكتوبر 1973 ــ وكانت هى الأخرى لقاء مصادفات عابر، فقد ذهبت إلى المركز
رقم 10 (وهو مركز القيادة العامة للمعركة)، وكنت هناك على موعد مع القائد
العام الفريق «أحمد إسماعيل»، وكنا فى اليوم الخامس للحرب (12 أكتوبر)،
وكان اللواء «مبارك» (قائد سلاح الطيران) هناك، وأقبل نحوى بخطى حثيثة،
وعلى ملامحه اهتمام لافت، يسألنى:



«كيف عرف الأهرام بتفاصيل المعركة التى جرت فوق قاعدة «المنصورة» ــ
وكان هو موجودا فى القاعدة، وقابل طيارا إسرائيليا أسقطت طائرته، وجىء
بالطيار الأسير لمقابلة قائد الطيران المصرى، ودار بينهما حوار، قال فيه
«مبارك» للطيار الأسير: إنه تابع سربه أثناء الاشتباك، ولاحظ أخطاء وقع
فيها، وسأله ماذا جرى لكم؟! ــ كنا نتصور الطيارين الإسرائيليين أكفأ، فهل
تغيرتم؟!! ــ ورد الطيار الإسرائيلى قائلا: «لم نتغير يا سيدى، ولكن أنتم
تغيرتم».



وسألنى «مبارك» ــ وهو يمشى معى فى الممر المؤدى إلى مكتب الفريق «أحمد إسماعيل»، بإلحاح:



«كيف عرفنا بهذه الحكاية؟! ــ مع أن المعركة جرت فى المساء أمس الأول،
وهو نقل تفاصيلها على التليفون للرئيس «السادات» أمس، ثم قرأها كاملة فى
«الأهرام»، وهو لم يحك إلا للرئيس وحده، فكيف «عرفنا» إذن؟!! ــ وقلت:
«سيادة اللواء، أليست المسألة واضحة؟ ــ عرفنا من الرئيس نفسه»، ورد هو
ودرجة الدهشة عنده تزيد:



ــ من الرئيس نفسه؟ كما نقلتها له بالحرف؟! ــ ثم أبدى ملاحظة قال فيها: «ياه.. ده أنتم ناس جامدين قوى!!».



وكنا قد وصلنا إلى مكتب «أحمد إسماعيل»، الذى ترك قاعة إدارة العمليات،
وجاء إلى مكتبه قريبا منها يلقانى، ودخلنا إلى المكتب، وتركنا قائد الطيران
ولا يزال يبدى دهشته من سرعة الاتصالات بين الرئيس وبين «الأهرام»!!



وربما كان علىَّ أن أستغرب أكثر منه من هذا الاتصال المباشر بين قائد
الطيران وبين رئيس الجمهورية عن غير طريق القائد العام، لكنى وقتها لم
أستغرب، فقد تصورتها لهفة الرئيس على الاتصال المباشر بقواده دون مراعاة
لتسلسل القيادة!!



●●●



ومرت على هذه الأحاديث عدة سنوات، وقع فيها ما وقع وضمنه ذلك الصدام
العنيف فى مايو 1971 ــ بين الرئيس «السادات» وبين ما سُمى وقتها بـ«مراكز
القوى»، وفى أعقاب ذلك الصراع حدث إن الرئيس «السادات» ترك لى مجموعة أوراق
كانت فى مكتب السيد «سامى شرف» (مدير مكتب الرئيس للمعلومات)، وكان
الدكتور «أشرف مروان» الرجل الذى خلف «سامى شرف» فى مكتب المعلومات قد
حملها إليه، وقال لى الرئيس «السادات» يومها وهو يشير إلى حقيبة أوراق
أمامه «خذها ــ أنت تحب «الورق القديم»، وعندك الصبر لتقرأه، أما أنا فلا
صبر عندى عليه!!».



وبالفعل أخذت الحقيبة ــ لكنى لم أفحص محتوياتها إلا بعد أن تركت
«الأهرام»، وتوافرت لى الفرصة كى أبحث وأراجع، خصوصا وقد بدأت فى إعداد
كتاب جديد أقدمه للنشر الدولى فى «لندن» و«نيويورك»، وهو «الطريق إلى
رمضان» The Road to Ramadan، ومع الغوص فى الأوراق ــ كانت الآثار الغارقة
هناك!!



كان السيد «سامى شرف» (سكرتير الرئيس للمعلومات، ثم وزير الدولة لشئون
رئاسة الجمهورية مع «عبدالناصر» ثم مع «السادات») قد جرى فى أسلوب عمله على
أن يسجل بخط يده ما يسمع على التليفون، من أى مسئول فى الدولة، حتى لا
يضيع من تفاصيله شىء عندما يعرضه على الرئيس، إذا كان فيه ما يتطلب العرض،
وفى بعض المرات فإن «سامى شرف» كان يبعث بأصول ما كتبه بخط يده فى لحظته ــ
لأهمية ما فيه ــ إلى الرئيس، ثم تعود إليه تلك الأصول وعليها تأشيرة
برأى، أو إشارة برفض أو قبول، وأحيانا بعلامة استفهام أو تعجب.



وداخل أحد الملفات المكدسة فى حقيبة السيد «سامى شرف» وجدت مذكرة مكتوبة بتاريخ أول أبريل سنة 1970 بخطه.



وكانت المذكرة تسجيلا للنقط المهمة فى محادثة تليفونية أجراها السيد
«أنور السادات» (نائب الرئيس الجديد منذ ديسمبر 1969) مع «سامى شرف»
(سكرتير الرئيس للمعلومات)، والمكالمة من العاصمة السودانية حيث كان، ومعه
رئيس أركان حرب الطيران اللواء «حسنى مبارك» لمساعدة الرئيس السودانى «جعفر
النميرى» على مواجهة ذلك التمرد على سلطته بقيادة الإمام «الهادى المهدى»
(زعيم الأنصار) ــ والذى كان متحصنا فى جزيرة «آبا»، يهدد بالخروج منها
والزحف على مجرى النيل إلى الخرطوم.



وكان الرئيس «نميرى» قد طلب ضرب مواقع «المهدى» فى جزيرة «آبا» بالطيران
المصرى، وعندما رُفض طلبه فى القاهرة، لجأ الرئيس السودانى إلى السوفييت،
وبالفعل فإن بعض خبرائهم قادوا ثلاث طائرات «ميج 17»، وحلَّقوا بها فوق
جزيرة «آبا» فى مظاهرة تخويف حققت الهدف دون قصف، فقد شعر «المهدى» بقلق
أنصاره فى الجزيرة، ومن أن يكون ظهور الطيران عملية استكشاف يعقبها سقوط
القنابل، وهرول للخروج من «آبا» متجها إلى «كسلا» فى الشرق (وفى الغالب
بقصد الوصول إلى أثيوبيا) ــ ثم حدث أن المخابرات السودانية استطاعت تحديد
موقع «المهدى»، وهنا جرت محاولة اغتياله بسلة ملغومة وسط «هدية» من ثمار
المانجو أُرسلت إليه ــ وفى تلك الظروف ثارت شكوك بأن «حسنى مبارك» كان
اليد الخفية التى دبرت إرسال الهدية الملغومة، وظهرت أصداء لهذه الشكوك فى
الصحف الموالية لـ«المهدى» فى «الخرطوم»!، وتلقى الوفد المصرى ــ وفيه
«السادات» و«مبارك» ــ أمرا من القاهرة بمغادرة «الخرطوم»، والعودة فورا
إلى القاهرة.



وبالنسبة لى فقد تابعت بعثة «الخرطوم» ومهمتها، وأبديت رأيى برفض طلب
«نميرى» أن يشترك الطيران المصرى فى ضرب جزيرة «آبا»، وكان إبدائى لرأيى
رسميا، ثم ضاع الموضوع من شواغلى وسط الزحام، لأننى وقتها كنت متحملا بمنصب
وزير الإعلام ــ إلى جانب تكليفى بوزارة الخارجية ــ وبمسئولية مباشرة عن
التغطية السياسية والدبلوماسية والإعلامية لعملية كانت خطيرة وحيوية فى ذلك
الوقت، وهى تحريك حائط الصواريخ المشهور إلى الجبهة، بكل ما يتطلبه وما
يستدعيه ذلك من جهد، سواء فى المراكز الدبلوماسية للسياسة الدولية، أو فى
دوائر الإعلام الواسع وبالذات مع وزارة الخارجية الأمريكية، ووزيرها فى ذلك
الوقت «ويليام روجرز» (وكنت أعرفه من قبل لأنه كان عضوا فى مجلس إدارة
جريدة «الواشنطن بوست») والآن فإنه المسئول الأول عن مبادرة تحمل اسمه
(مبادرة «روجرز») لوقف إطلاق النار تسعين يوما (تتيح فرصة للسفير «جونار
يارنج» ممثل الأمين العام للأمم المتحدة كى يتوصل إلى حل على أساس قرار
مجلس الأمن 242).



وعندما سمحت لى الظروف فيما بعد أن أتفرغ للكتابة وللنشر، وتوفرت على
دراسة ملفاتى وما تحتويه ــ إذا بى وجها لوجه أمام السر كاملا كما أسلفت!!



●●●



ووسط ملفات مكدسة بالأوراق ظهرت أمامى تلك المذكرة بخط يد السيد «سامى
شرف» كما سجلها أثناء مكالمة بينه وبين نائب الرئيس «أنور السادات» فى
«الخرطوم».



وسياق المذكرة واضح يبين أن «أنور السادات» يحكى على التليفون، و«سامى شرف» يلاحق ما يسمع ويسجله مكتوبا، وإن على عجل!!



والمذكرة على ورقة رسمية لسكرتارية المعلومات فى رئاسة الجمهورية بتاريخ 1 أبريل 1970.



ونصها الحرفى كما يلى:



رئاسة الجمهورية العربية المتحدة



سكرتارية الرئيس للمعلومات



1/4/1970



«خالد عباس» (1) ( ــ كانوا بيفكروا يعملوها إصلاح زراعى).



و«النميرى» كان بيفكر أنه يعملها سجن.



ــ موقف الرئيس معاهم رفع معنوياتهم جدا.



ــ «نميرى» و«خالد» عايزين اجتماع سريع لرؤساء أ.ح (أركان حرب) الثلاثة لوضع خطة كاملة للتأمين، وتنفذ تلقائيا.

ــ فيه 3 ملايين أنصارى فى «السودان».



ــ «الخرطوم» الناس كلها كانت ماسكة العصايا من النصف، ما حدش وقف على
رجليه إلا بعد مكالمة الرئيس، طلع «النميرى» حكى لهم المكالمة، فطلع الحزب
الشيوعى اللى كان برضه ماسك العصايا من الوسط قبل المكالمة.



ــ «مبارك» يحط تقرير عن سبت القنابل اللى بعتناه ــ سبب نجاح العملية ــ نتائجه قوية جدا (2).



ــ الجيش أغلبه عساكر أنصار.



ــ الإمام طلع من يومين بالعربيات على البحر الأحمر، وإحنا قاعدين عند «نميرى» جاء له خبر أن ضابط مسك الإمام (جريحا) فى عربية.



ــ قال بنفكر (أنكم فى) مصر تاخدوه عندكم، قلت له عندى تفويض من الرئيس اللى إنت عايزه أعمله لك كله، إنما ما يخلص وبلاش وجع قلب.



قام كلم «خالد حسن» وقال له خلصوا عليه وخلصت العملية».



●●●



وكذلك بان السر أمامى كاملا كما أملاه «أنور السادات» بالتليفون على
«سامى شرف»، لكن كل سر فى العادة له ذيول ــ فقد حدث بعد انتهاء معارك
أكتوبر وحتى خلال أيامها الأخيرة أن أسبابا للخلاف شابت العلاقات بين
الرئيس السادات وبينى»، وتركت «الأهرام»، وانقطعت لشهور صلاتى به، وعلى أى
حال فقد كان هو مشغولا بعلاقته المستجدة مع «هنرى كيسنجر»، وكنت من جانبى
مشغولا بالتحضير لكتاب جديد عن «العلاقات العربية ــ السوڤيتية» بعنوان
“The Sphinx & The Commissar”، وناشره وقتها مؤسسة «أندريه دويتش» فى
لندن ونيويورك، والحد الأقصى المسموح لى به حتى أقدم النص لا يزيد على تسعة
شهور، وكذلك توقفت كل صلات بيننا، حتى جاء يوم 8 أكتوبر 1974، وإذا
بالرئيس «السادات» يطلبنى بنفسه ويدعونى إلى لقاء معه «الآن» فى بيته (وهو
شبه ملاصق لمكتبى بالجيزة) ــ مقترحا أن أمر عليه، ثم نذهب معا لحديث صريح
ــ عن خلافنا ــ فى استراحة الرئاسة فى «الهرم».



وفى كل الأحوال فإن «حسنى مبارك» لم يكن موجودا على شاشة الرادار فى اهتماماتى السياسية تلك الفترة.



●●●



وليس هذا مجال تفاصيل هذا اللقاء مع الرئيس «السادات» وما بعده، لكن
الاتصالات واللقاءات تكررت بيننا طوال شهور شتاء 1974 وإلى ربيع سنة 1975،
حتى جاء يوم ــ فى شهر مارس من تلك السنة ــ قضينا فيه الصباح بأكمله معا
فى استراحة القناطر ومن الساعة العاشرة إلى الساعة الثالثة بعد الظهر، وكان
«مبارك» موجودا على مجرى الحوار، وليس فقط على شاشة الرادار!!



والذى حدث أن الرئيس «السادات» سألنى فجأة وسط حديثنا الطويل ــ تحت
شجرة «الفيكس» العريقة وسط حديقة الاستراحة فى القناطر ــ بما ملخصه: «أنه
يجد نفسه حائرا بشأن منصب نائب الرئيس فى العهد الجديد بعد أكتوبر».



واستطرد دون أن ينتظر منى ردا: «الحاج «حسين» ــ يقصد السيد «حسين الشافعى» (والذى يشغل بالفعل منصب نائب الرئيس) ــ لم يعد ينفعنى».



ثم أضاف: «بصراحة جيل يوليو لم يعد يصلح، والدور الآن على جيل أكتوبر،
ولابد أن يكون منه ومن قادته ــ اختيارى لنائب الرئيس الجديد!!».



وأضاف الرئيس «السادات» ــ مرة أخرى ــ دون أن ينتظر ردا: «جيل أكتوبر
فيه خمسة من القيادات، أولهم وهو «أحمد إسماعيل» توفى ــ والآن أمامى
«الجمسى» (وكان مديرا للعمليات أثناء الحرب، وأصبح وزير الدفاع بعد «أحمد
إسماعيل») ــ ثم «محمد على فهمى» (قائد الدفاع الجوى) ــ ثم «حسنى مبارك»
(قائد الطيران)، ثم قائد البحرية (هكذا أشار إليه دون اسم)، وهو يقصد
الفريق (فؤاد ذكرى)».





الفريق عبد الغني الجمسي



وأضاف: «لابد أن يكون اختيارى ضمن واحد منهم».



ورددت عليه بعفوية متسائلا: «ولماذا يحشر نفسه فى هذه الدائرة الصغيرة؟
ــ أقصد لماذا يتصور أن جيل أكتوبر هو فقط هؤلاء القادة العسكريون
للمعركة؟!!».



ورد بطريقته حين يريد إظهار الحسم:



«أنت تعرف أن الرئيس فى هذا البلد لخمسين سنة قادمة لابد أن يكون عسكريا ــ وإذا كان كذلك، فقادة الحرب لهم أسبقية على غيرهم».



وقلت والحوار تتسع دائرته:



«إن أكتوبر كانت حرب كل الشعب، ثم إنك قلت لى الآن عن اعتزامك تكليف
وزير الداخلية اللواء «ممدوح سالم» برئاسة الوزارة، وأخشى باختياره أنك
تكون قد «بولست» (عن البوليس) الوزارة، ثم إنك بـ«مبارك» نائبا لك تكون قد
«عسكرت» الرئاسة، وربما يصعب على الناس قبول الأمرين معا فى نفس الوقت».



ورد قائلا: «أنه مندهش لترددى فى إدراك أهمية أن يكون رئيس مصر القادم
عسكريا، ثم سألنى: ألست تعرف أن ذلك كان رأى «المعلم» يقصد «جمال
عبدالناصر» أيضا؟!».



وقلت: «إن الظروف ربما تغيرت، وليس لدىَّ تحيز ضد رئيس عسكرى، لكنه مع
ضابط بوليس فى رئاسة الوزارة، وضابط طيار فى رئاسة الجمهورية ــ فإن صورة
ما بعد الحرب سوف تبدو تركيزا على الضبط والربط لا تبرره الأحوال، وأما
فيما يتعلق برأى «جمال عبدالناصر» فإن مسئوليات الحرب ــ وبالتالى منجزاتها
ــ تغيرت كثيرا عندما التحق شباب المؤهلات بجيش المليون على الجبهة».



وشعرت أنه متمسك برأيه، واقترحت عليه ــ بمنطق حجته:



ــ ليكن ــ لماذا لم تفكر فى «الجمسى» مثلا؟!!



ورد بسرعة:



ــ لا، «الجمسى» لا يصلح للرئاسة ــ «الجمسى» فلاح وهو ليس من نحتاجه فى منصب نائب الرئيس الآن».



وأدركت أن لديه مرشحا، وسألته فيمن يفكر، ورد على الفور على السؤال بسؤال كما كان يفعل أحيانا:



«ما رأيك فى «حسنى مبارك»؟!».



ــ وقلت: «إن اسمه لم يخطر ببالى، وإنما خطر ببالى مع إصراره على عسكرى
من جيل أكتوبر، أن يكون نائبه الجديد إما «الجمسى» (وزير الدفاع الآن والذى
كان مديرا للعمليات) أو «محمد على فهمى» (قائد الدفاع الجوى، وهو السلاح
الذى قام بالدور الأكثر تأثيرا فى المعركة بحائط الصواريخ)، فإذا أراد غير
هؤلاء، فقد يفكر فى واحد من قادة الجيوش».



ورد: «لا، لا أحد من هؤلاء يصلح ــ «مبارك» أحسن منهم، خصوصا فى هذه الظروف!!».



وسألته بالتسلسل المنطقى للحوار: أية ظروف بالتحديد؟!!



وراح يشرح ويستطرد ويقاطع نفسه، ثم يعود إلى سياق ما يتكلم فيه، ثم
يبتعد عنه، وكنت أشعر به كما لو أنه متردد فى الإفصاح الكامل عن فكره، وإن
كانت بعض العبارات قد لفتت نظرى:



ــ قوله مثلا: «أن هناك قيادات فى الجيش لم تفهم بعد سياسته فى «عملية السلام» ومقتضياتها».



ــ وقوله مثلا: «أن هناك عناصر فى الجيش لاتزال مشايعة لـ«مراكز القوى» أو متعاطفة مع «سعد الشاذلى».



ــ وقوله مثلا وهو يستدعى تجربة شاه إيران «محمد رضا بهلوى» الذى وصفه
بأنه «سياسى عُقر»، وهو فى رأيه أوعى سياسى فى المنطقة، بحكم تجربة طويلة
وراءه ــ استفاد كثيرا منها.



وسألنى الرئيس «السادات» هنا: «ألا يلفت نظرك أن الشاه عين زوج شقيقته
«فاطمى» (الجنرال «محمد فاطمى) قائدا للطيران؟! عنده حكمة فى هذا
الاختيار، لأن الطيران يستطيع أن يتدخل بسرعة، وبقوة نيران كثيفة لمواجهة
أى تمرد أو عصيان، أو حتى محاولة انقلاب».



وسألته: «إذا كانت تلك نصيحة من شاه إيران؟!».



وارتفع صوته محتجا يسأل: «هل هو فى حاجة إلى نصيحة يقولها له «الشاه»،
أليس يكفينا أن نرى ما نرى، ونفهم منه ما نفهم، ثم سألنى مباشرة كمن يريد
إفحام محاوره: «جرى لك إيه يا محمد؟!!».



ولفت نظرى قول الرئيس «السادات»:



«إن «مبارك» منوفى (وضحك مقاطعا نفسه: «مثلى»، ثم عاد إلى استكمال
عبارته)، وله فى الطيران مجموعات بين الضباط مسيطرة على السلاح، ثم يضيف:



و«التأمين» قضية مهمة فى المرحلة القادمة بكل ما فيها من تحولات قد لا يستوعبها كل الناس بالسرعة الواجبة».

وسألته:



«لكن «الشاه» عين زوج شقيقته قائدا للطيران، وليس نائبا لرئيس الدولة!!
ــ و«مبارك» فيما أتصور لا خبرة له بشئون الحكم فى سياسة كل يوم، خصوصا ما
يتعلق منها بمطالب الناس ومشكلاتهم، وسألته «ثم لماذا لا تتيح له فرصة
التجربة وزيرا لإحدى وزارات الإنتاج أو الخدمات، حتى يتفهم الرجل أحوال
الإدارة المدنية، وحتى يحتك ــ ولو من باب الإنصاف له ــ بمطالب الناس
وحاجاتهم» ــ وكان رده:



ــ «لا، لو فعلت ما تقترحه، فسوف أحرقه.. الإنجاز السريع فى الوزارات التنفيذية مسألة فى منتهى الصعوبة».



●●●



ومرت فى ذهنى بارقة، فقد تذكرت ذلك التقرير الذى كتبه السيد «سامى شرف»
بخط يده عن مكالمة تليفونية مع نائبه الرئيس «السادات» الذى كان فى الخرطوم
سنة 1970، وضمن المكالمة ما يشيـــر التقرير عن محاولة اغتيال الإمام
«الهادى» بسلة مانجو فى بطنها لغم!!



وقلت للرئيس «السادات» وأنا لا أعرف بالضبط ما أفضى به الآن، وما أحجب مما قرأت فى مذكرة «سامى شرف»:

ــ «ولكن «مبارك» دارت حوله إشاعات فى قضية اغتيال الإمام «الهادى»،
وسوف تعود القضية كلها إلى التداول فى «الخرطوم» فور إعلان تعيينه نائبا
للرئيس».



ورد «السادات» على طريقته حين يريد «الإقناع» بما يتشكك فيه سامعه بأن:
«مشكلتك (يا «محمد») أنك تصدق الإشاعات، ويظهر أن فترة الشهور التى انقطعت
فيها عنى (أى منذ تركت «الأهرام» (فى فبراير 1974)) قد «أبعدتك» عن مصادر
الأخبار الصحيحة».



وقلت بأدب: «إن الأخبار الصحيحة متاحة فى كل مكان لمن يبحث عنها»، وتصور
الرئيس «السادات» أنه بملاحظته ضايقنى، وإذا بابتسامة عريضة تملأ شفتيه
مرة واحدة كما يفعل حين يريد إظهار سماحته، فأضاف بنبرته الودود المشهورة
عنه: «المسألة أنك بغريزة الصحفى يشدك أى خبر مثير!!».



وقلت: «أى خبر مثير؟! ــ أنت بنفسك رويت القصة كلها على التليفون،
و«سامى شرف» سجلها بخطه لعرضها على «جمال عبدالناصر»، وما كتبه «سامى شرف»
عندى فى أوراقى التى تفضلت وأعطيتها بنفسك لى!!».



وبدا لى أنه فوجئ، وأول ما قاله فى التعبير عن مفاجأته «آه» ــ قالها خطفا، بمعنى الدهشة!!



وكان سؤاله التالى بسرعة مستفسرا «وعندك الورقة التى كتبها «سامى»، ثم استطرد بأنه يريدها.. يريد أن يراها!!



وقلت إن الورقة موجودة ولكنها ليست «هنا»، وذكَّرته بأننى استأذنته فى
إخراج بعض أوراقى الخاصة بعيدا عن مصر، خوفا عليها من تربص صراعات السلطة
التى لاحت نُذُرها بعد رحيل «جمال عبدالناصر».



وقلت «أننى سوف أجىء له بها فى أول سفرة إلى أوروبا»، لكنى ذكَّرته
بضرورة أن يتصور أن الأمريكان سجَّلوا مكالمته الأصلية مع «سامى»، وكذلك
السوفييت، وربما أيضا إسرائيل، وإذن فهناك من يعرفون القصة، وربما يحتفظون
بتسجيل كامل لحديثه مع «سامى»، بصرف النظر عن أية «ورقة مكتوبة»!!



وأخذتنا بعد ذلك تطورات الحوادث، فلا الرئيس «السادات» عاد إلى طلب الورقة، ولا أنا عُدت بها معى من سفر!!



●●●



لكن المسألة الأهم بعد هذا الحديث أننى خرجت من استراحة «القناطر» يومها مدركا عدة حقائق:



1ــ أن اختيار «مبارك» لمنصب نائب الرئيس لم يكن اختيارا «بسيطا» ــ بل
مركبا ــ حكمته اعتبارات أخرى، فهو لم يكن اختيارا من بين الرجال الذين
ظهروا فى حرب أكتوبر، على أساس دور متفوق على غيره فيها، وإنما كان اختيار
«مبارك» شيئا آخر إلى جانب أكتوبر يقدمه ويزكيه.



2 ــ أن الرئيس «السادات» اختار رجلا يعرفه من قبل، وقد اختبر قدرته على الفعل، واستوثق منه.



3 ــ أن اختياره للرجل وقع وفى ذهنه قضية حيوية بالنسبة له ولسياساته ــ هى قضية تأمين النظام فى ظروف تحولات حساسة!!



4 ــ أن الرجل من قبل اختياره أظهر استعدادا عنده يجعله مهيأ للمضى
«وراء حدود الواجب» على حد التعبير المشهور فى العسكرية البريطانية Going
beyond the call of duty ــ أى المضى بتنفيذ الواجب حتى بالزيادة عليه بما
ليس منه إذا قضت الأسباب!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) «خالد عباس»: (أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة ونائب رئيس الوزراء).

(2) أى أن «السادات» طلب من «مبارك» أن يضع تقريرا مفصلا عن عملية وضع القنابل فى سلة المانجو.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عماد الصغير
راكب درجه فاخره
راكب درجه فاخره


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 765
نقاط : 1232
تاريخ التسجيل : 26/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مبارك وزمانه من المنصة الى الميدان للقراءة المباشرة   الثلاثاء يناير 17, 2012 12:23 pm

فى الحلقة القادمة:

مفاتيح شخصية مبارك فى تقدير مستشاره الأول منصور حسن: «الأفضل أن ترى بنفسك.. وبعدها فأنا الذى سوف أسمع منك»
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
تيتو
راكب درجه فاخره
راكب درجه فاخره


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 990
نقاط : 1600
تاريخ التسجيل : 03/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مبارك وزمانه من المنصة الى الميدان للقراءة المباشرة   الأحد يناير 22, 2012 12:53 pm

محمد حسنين هيكل
وتدفقت مياه كثيرة بين ضفاف كل الأنهار، حتى جاء
«خريف الغضب» سنة 1981، ووقع اغتيال الرئيس «السادات»، وأصبح نائبه «حسنى
مبارك» مرشحا لخلافته، وتقرر الاستفتاء على رئاسته، وكانت اعتقالات سبتمبر
الشهيرة سنة 1981 قد زجت فى السجن بأعداد من الساسة والنقابيين والكُتَّاب،
وراح المعتقلون فى سجن «ملحق مزرعة طرة» ــ وكنت بينهم ــ يتابعون ما يجرى
خارج أسوار السجن، لكن مصادر المعلومات كانت شحيحة ومتقطعة داخل هذه
الأسوار!!




●●●



وذات يوم فى تلك الفترة جاء إلى سجن «طرة» أحد مشاهير المحامين، وطلب
لقاء ثلاثة من المعتقلين، كلا منهم على انفراد: «فؤاد سراج الدين» (باشا)
ــ و«فتحى رضوان» ــ وكنت الثالث.



وفى غرفة مأمور السجن وقتها، العقيد «محمود الغنام»، التقى المحامى بكل
منا على انفراد، وكان طلبه أن يسلمه المعتقلون السياسيون فى «طرة» بيانا
بتأييدهم لانتخاب «مبارك» رئيسا، والإيحاء فيما يطلب بأن ذلك يسهِّل خروجهم
من السجن، دفعة مقدمة لحسن المقاصد! ــ والمدهش أن الثلاثة ــ وكل منهم مع
الرسول على انفراد ــ أبدوا نفس الرأى بما معناه: أنه لا يليق بسجين الرأى
أن يؤيد مرشحا فى انتخابات الرئاسة، خصوصا إذا كان المرشح هو نفسه نائب
الرئيس الآن، فذلك ليس مشرفا للسجين، وليس مشرفا للمرشح، لأن حرية الاختيار
لا تُمارس من خلف القضبان، كما أن ممارسة الحرية من داخل زنزانة سجن لا
تنفع صاحبها، ولا تنفع المقصود بها، لأنها معرَّضة للظنون والشبهات!!



وتم الاستفتاء، وجرى انتخاب «مبارك»، وتلقيت بعدها بأيام رسالة عنه
نقلها إلىَّ على تليفون مكتب مأمور السجن الدكتور «أسامة الباز» (وهو
المستشار الأول للرئيس الجديد) مؤداها: «أنه تقرر الإفراج عن المعتقلين
السياسيين على دفعات، وأن ذلك سوف يبدأ تنفيذه بعد مرور الأربعين (يوما) من
وفاة الرئيس «السادات»، والرئيس الجديد يرجو أن نتحمل البقاء حيث نحن (فى
طرة) حتى تنقضى الأربعون!!».



●●●



وطلب «أسامة» أن أنقل ما أبلغه لى لمن أرى من رفاق السجن، وحين نقلت
رسالة الليل إلى رفاق السجن فى «فسحة» الصبح، تفاوتت ردود أفعالهم.



كان رأى الأستاذ «فتحى رضوان» مستثارا: «إنها خرافة تقاليد القرية»، و«منطق كبير العائلة» يحكم الرئيس الجديد طبقا لعقلية سلفه!!».



وكان رأى «فؤاد سراج الدين» أكثر واقعية: «إن الرئيس الجديد ربما يخشى
اتهامه بنقض قرارات سلفه، وأن إبلاغنا رسالة طمأنة مقصودة ــ لنا ولغيرنا».



وعلى أى حال قالها «فؤاد سراج الدين» موجها حديثه إلى «فتحى رضوان»:
«لاحظ «أنهم» جميعا فى حالة صدمة، وكلهم فى موقف صعب، ويكفينا ــ الآن ــ
أنهم قرروا الإفراج وأبلغونا به، وهذه إشارة واضحة».



وواصل «فؤاد سراج الدين» وكلامه مازال موجَّها إلى «فتحى رضوان»:



«وافرض أنهم أفرجوا عنا فورا، فماذا سنفعل، سوف يكون علينا أن ننتظر ما
تتطور إليه الأمور، فإذا كان الانتظار، فلماذا لا يكون الانتظار هنا بدل أن
نتوه بعد الخروج فى أحوال مضطربة كنا معزولين عنها ــ خصوصا أننى أتوقع
بعد هذه الرسالة أن تتحسن المعاملة، وأن تنتظم اتصالاتنا بالخارج، عندما
يجيئون لنا بالصحف، ويُصرحون بالزيارات، وأيضا فإن أبواب الزنازين سوف لا
تُغلق علينا طول النهار والليل كما هو حاصل، (باستثناء نصف ساعة للفسحة
يوميا)، وهنا سوف يختلف مناخ السجن عما هو الآن».



واحتج الأستاذ «مصطفى الشوربجى» (المحامى الشهير) قائلا لـ«فؤاد سراج الدين»: «لا يا باشا، لا مساومة على حق الحرية».



وكان رد «فؤاد سراج الدين»: عال.. لا تساوم، ولكن قل ماذا تستطيع أن تفعل؟!!».



وكان استمرار الجدل عقيما، لأن المتنفذين ــ خارج السجن ــ كانت لهم الكلمة العليا فى شأن القابعين وراء أسواره!!





السياسيون المفرج عنهم في لقاء مع الرئيس الجديد .. وسط الصورة مبارك وإلي اليسار فؤاد محيي الدين

والدكتورة نوال السعداوي والدكتور حلمي مراد وفتحي رضاون ومحمد حسنين هيكل وفؤاد سراج الدين



●●●



وحين انقضت الأربعون بدأ الإفراج عنا، وارتأى «مبارك» أن يكون إطلاق
سراحنا بعد لقاء معه فى قصر «العروبة»، وفى الطريق إلى هذا اللقاء عرضت على
أصدقاء المجموعة الأولى من المُفرج عنهم أن يتولى أحدنا الحديث نيابة عنا،
حتى نحافظ خلال اللقاء على إطار الاحترام اللازم للمناسبة ولأنفسنا،
واقترحت أن يكون المتحدث باسمنا «فؤاد سراج الدين» (باشا) لأنه أكبرنا سنا،
وأقدمنا عهدا بممارسة السياسة، ووافق الجميع.



وكان عددنا (أى الدفعة الأولى من السياسيين المُفرج عنهم) ــ حوالى
الخمسة والعشرين، وحملتنا سيارة نقل كبيرة من سجن «طرة» إلى قصر «العروبة»،
مارة على عنبر المستشفى المخصص للمعتقلين بالقصر العينى، حيث كان بعض من
تقرر الإفراج عنهم – تحت العلاج فيه!!



وصافحنا الرئيس الجديد واحدا واحدا، بينما وقف إلى جواره رئيس وزرائه
الدكتور «فؤاد محيى الدين»، وعندما جلسنا حوله للحوار معه لاحظت أن الرئيس
الجديد يبدى اهتماما بمعرفة رأيى، وقد وجَّه إلىّ الخطاب بوصفى «محمد بيه»،
مضيفا: «تفضل» وأشرت إلى «فؤاد سراج الدين» الذى فوَّضناه بالحديث عنا،
وكان ذلك السياسى المخضرم ممتازا فى عرضه وفى شرحه، وأظنه كان موفَّقا فيما
تقتضيه المناسبة، ولكن «مبارك» التفت نحوى يسألنى إذا كنت أريد أن أضيف
شيئا، وشكرته معتبرا أن «فؤاد» (باشا) قال كل ما يريد أينا قوله، (مع أن
ذلك لم يمنع رغبة الكلام لدى آخرين ــ وبالفعل تكلم بعضهم وحدث شىء مما
تمنيت تجنبه، ومما يفعله الساسة أحيانا عند لقاء الحُكَّام، خصوصا إذا خطر
لهم أن يقدموا أنفسهم تعريفا ــ وربما تمهيدا)، ولزمت الصمت مؤثرا
الاستماع!!



ومضت أيام ــ خمسة أيام بالعدد ــ ثم تلقيت مكالمة من مكتب الرئيس يقول
فيها سكرتيره الخاص وقتها (وأظنه السيد «جمال عبد العزيز»): «إن سيادة
الرئيس يدعوك إلى الإفطار معه فى الساعة الثامنة صباح بعد غد، وقد اختار
موعدا مبكرا لأن معلوماته أنك تستيقظ مبكرا، وهو فى ذلك «مثلك» يحب أن يبدأ
النهار من أوله».



أضاف محدثى: «إن «سيادة» الرئيس أمر بإبلاغى أننى المدعو على الإفطار وحدى» (أى أنه ليس هناك آخرون).



وزاد محدثى بسؤال: «إذا كان يستطيع الاتصال بمكتبى ليحصل على رقم سيارتى حتى يسمح لها الأمن بالدخول إلى حرم البيت».







السادات ومبارك ومصطفي خليل ومنصور حسن

●●●



عندما تلقيت دعوة الإفطار مع الرئيس الجديد، كان فى زيارتى (بمصادفة
موفَّقة) صديقان قديمان، وهما الدكتور «أسامة الباز» والأستاذ «منصور حسن»،
وكلاهما يعرف «مبارك» معرفة دقيقة، فـ: «أسامة الباز» أقرب المستشارين
إليه ــ و«منصور حسن» زامله وزير دولة لشئون الرئاسة فى السنة الأخيرة لحكم
«السادات»، وكان «مبارك» نائبا للرئيس، وبين الاثنين (نائب الرئيس ووزير
الدولة لشئون الرئاسة) علاقات ملتبسة كثرت حولها الأقوال والروايات.



وقلت للاثنين:



«يظهر أننى سوف أقابل الرئيس الجديد بعد غد، وهذا رجل لم أره إلا فى
مصادفات على عكس كليكما، فكل منكما عمل معه عن قرب، وتعرف على جوانب
شخصيته». وأضفت: «إننى لا أريد علاقة وثيقة مع رئيس دولة آخر فى مصر، فقد
أخذت نصيبى من هذه العلاقات مع «جمال عبد الناصر» من أول يوم إلى آخر يوم
من دوره السياسى، ونفس الشىء طوال السنوات الأربع الأولى من رئاسة «أنور
السادات» حتى اختلفنا فى إدارته السياسية لحرب أكتوبر، وأنا لم أعد أريد لا
صداقات ولا عداوات مع رئيس دولة جديد فى مصر، وما أريده هو أن أحتفظ بحقى
فى إبداء رأيى، ومن موقع الصحفى والكاتب ــ وليس أقل أو أكثر!!».



والمعنى أننى لا أريد علاقة خاصة، ولا أسعى إلى صدام، وإنما أريد ومن
بعيد علاقات عادية، وهذه فرصة أن أسألكما: «كيف أتعامل مع «صاحبكما» فى هذه
الحدود، خصوصا أننى كما قلت أعرف دواعى التزامه بسياسات لا أعتقد فى
صحتها، ومن ناحية ثانية فإننى أراه أمامى شخصية أعقد بكثير من انطباع عام
لدى الناس أشاع عنه نكتة «البقرة التى تضحك»، بينما هو فى ظنى شخصية أكثر
تعقيدا».



ورد «أسامة الباز» على الفور: «بأننى على صواب فى طرح حكاية «البقرة التى تضحك» جانبا، لأنها بالفعل تبسيط لشخصية مركبة».



(لم أقل لهما أننى لمحت مبكرا بعض الجوانب المخفية فى سجل الرئيس الجديد (أى واقعة «الخرطوم»).



واستطرد «أسامة» قائلا: «إنه يعرفنى جيدا، وقد كان فى هيئة مكتبى عندما
كنت وزيرا للإعلام ووزيرا للخارجية، ثم اختار أن ينتقل معى إلى «الأهرام»
بعد انتهاء مهمة وزارية (محددة المدة والهدف)، ثم ظل معى فى «الأهرام» حتى
تركته بعد الخلاف مع الرئيس «السادات»، فعاد إلى الخارجية مستشارا فى مكتب
وزيرها «إسماعيل فهمى».



واستطرد «أسامة الباز»:



«إننى عملت معك وعملت مع الرئيس «مبارك» أيضا منذ كلفنى الوزير «إسماعيل
فهمى» لأكون مستشارا منتدبا من وزارة الخارجية معه كنائب للرئيس، خصوصا أن
«السادات» راح يكلفه بمهام فى الإقليم وفى اتصالاتنا الخارجية، هكذا فإن
لى معه الآن أكثر من اثنى عشر عاما».



وأضاف «أسامة الباز»:



ــ وإذن فأنا أعرفك (يقصدنى) ــ وأعرفه (يقصد الرئيس الجديد).



ومضى «أسامة»:



ــ أكرر أنه من الصواب أنك استبعدت تماما حكاية «البقرة الضاحكة»!!



ــ وإذا طلبت رأيى بعد ذلك فلدى ــ أولا ــ ملاحظتان فى المنهج:



أولاهما: «لا تتطرق فى الحديث معه إلى أى قضية فكرية أو نظرية، فهو
ببساطة يجد صعوبة فى متابعة ذلك، لأنه أقرب إلى ما هو عملى منه إلى ما هو
فكرى أو نظرى، وإذا جرت معه محاولة للتبسيط بالشرح، فإنه سوف يشرد من
محدثه، ويتوقف عن المتابعة!!».



والثانية: «أننى أعرف أسلوبك فى الحديث، تستطرد فيه أحيانا، ثم تذهب إلى
خاطر يلوح أمامك، ثم تعود إلى سياقك الأصلى بعده. لكن «مبارك» لن يتابعك
فى ذلك، كلِّمه فى موضوع واحد فى المرة الواحدة، ولا تدع الموضوعات تتشعب،
وإلا فسوف تجد نفسك تتكلم بعيدا، وهو «ليس معك»!



وأضاف «أسامة»:



«تذكر أنه سمع كثيرا ــ أكثر مما تتصور ــ عنك من الرئيس «السادات»،
وكثيرا ما سألنى: «كيف كانت صداقتك مع الرئيس «السادات» بهذا القُرب، ثم
كان خلافكما إلى هذا الحد؟!! ــ وذلك موضوع أثار فضوله، خصوصا أنه كان يعرف
عمق صداقتك مع الرئيس «عبد الناصر»، وكانت درجة هذه الصداقة تبهره، وقد
حكى لى أنه تابعك أثناء عملية تحريك حائط الصواريخ إلى الجبهة، عندما كنت
وزيرا، وأنه أحس من كل ما تابعه، أنك تتصرف دون أن تنظر وراءك، وهذا يعنى
أنك تقف على أرضية «جامدة جدا» (وتذكرت أن هذه هى المرة الثانية التى أسمع
فيها نفس الوصف، مرة من «مبارك» مباشرة فى الطريق إلى مكتب «أحمد إسماعيل»
(أثناء حرب أكتوبر 1973)، ومرة جديدة الآن نقلا عنه فى ظروف لم أكن أعرف
بها!!)».



ثم وصل «أسامة» ثانيا إلى ملاحظتين فى الأسلوب إضافيتين: «هو رجل يعرف
«قوة السلطة» حيث تكون، وهذا مفتاح ثالث لشخصيته، ومفتاح آخر قدرته على
الاحتفاظ لنفسه بنواياه.. ولذلك أرجوك ألا تحاول استكشاف فكره، لأنك سوف
تستثير حذره، والحذر غريزة عنده مرتبطة بفهمه لقوة السلطة!!».



والتفَتُّ ناحية «منصور حسن» وكان يتابع الحديث باهتمام وبابتسامة زاد اتساعها عندما جاء الدور عليه أسأله ــ كان رد «منصور حسن»:



«إنه لن يقول لى شيئا، وإنما يؤثر أن يتركنى أكتشف بنفسى».



وأضاف «منصور حسن» :«كل ما سوف تسمعه لن يهيئك لما سوف تراه، والأفضل أن ترى بنفسك، وبعدها فأنا الذى سوف يسمع منك!».







في الحلقة القادمة :



جولة استكشافية واسعة في فكر رجل حكم مصر 30 سنة .. من العلاقات مع أمريكا وروسيا والعرب وإسرائيل – إلي الصحافة والسيجار!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
تيتو
راكب درجه فاخره
راكب درجه فاخره


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 990
نقاط : 1600
تاريخ التسجيل : 03/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مبارك وزمانه من المنصة الى الميدان للقراءة المباشرة   الأحد يناير 22, 2012 12:56 pm

محمد حسنين هيكل
كان اللقاء مع «مبارك» وديا، ولا أستطيع أن أقول
حميما، ولم تكن الحميمية متصورة بعد متابعتى له من بعيد، منذ ظهر أمامى فى
«الخرطوم» ــ ثم نائبا للرئيس فى ظروف تشابكت فيها العلاقات بينى وبين
الرئيس «السادات» ما بين سنة 1974 وسنة 1975، ثم انقطعت فى نفس الظروف التى
أصبح هو فيها نائبا للرئيس، ومسئولا عن الأمن والتأمين، ثم رئيسا للدولة
فى ظروف عاصفة!!




وصباح يوم موعدنا ــ السبت 5 من ديسمبر ــ وصلت إلى بيته فى الموعد
المحدد ــ وعبرت باب البيت من ردهة إلى صالون فى صحبة ضابط برتبة عميد، ولم
أنتظر أكثر من دقيقة فى الصالون، حتى دخل «مبارك» مادا يده ومرحّبا
بابتسامة طيبة وملامح تعكس حيوية شباب وطاقة!!



وقال على الفور وهو ما زال واقفا: «لابد أنك جائع فأنا أعرف أنك تستيقظ مبكرا».



وقلت: «بصراحة ــ سيادة الرئيس ــ إننى أفطرت فعلا، ولكنى سوف أجلس معك
وأنت تتناول إفطارك»، وضحك قائلا: الحقيقة أننى أيضا أكلت شيئا خفيفا، وقلت
له: «إذن فلا داعى لإضاعة وقت على مائدة الإفطار، فلدىَّ الكثير أريد أن
أسمعه منك»، وأبدى موافقته بعد تكرار سؤاله عما إذا كنت لا أريد أن آكل أى
شىء مما جهزوه لنا، وكررت الشكر، وقال: إذن نطلب فنجانين من القهوة ونجلس.



قدم لى الرئيس «حسنى مبارك» دون أن يقصد من ناحية، ودون أن أقصد أيضا ــ
مفتاحا لم أتوقعه من مفاتيح شخصيته، ولسوء الحظ فإن ما قدَّمه لى فات
علىَّ فى وقته، مع أنه استوقفنى فعلَّقت عليه!!



●●●







قلت للرئيس «مبارك» فور أن جلسنا: «إننى فكرت بالأمس أن أطلب مكتبه،
راجيا تغيير موعدنا، لأنى قرأت فى الصحف عن مشاورات يجريها لتعديل وزارى
أعلن عنه، وقد خطر لى أن موعدى معه اليوم قد يُحدث التباسا وخلطا لا ضرورة
له، بين لقاءاته فى إطار التعديل الوزارى، وبين لقاءاته العادية الأخرى
وضمنها موعدى معه، وأول الضحايا فى هذا الخلط والالتباس ــ سوف يكون فريق
الصحفيين الذين يغطون أخبار رئاسة الجمهورية».



ورد «مبارك» وهو يبتسم بومضة شقاوة فى عينيه:



- وماذا يضايقك فى ذلك.. «اتركهم يغلطوا!».



ولم يتضح لى قصده، وسألته، وجاء رده بما لم أفهمه فى البداية حين قال
(يقصد الصحفيين): دول عالم «لَبَطْ»، وأبديت أننى لم أفهم المعنى، واستنكر
بُطء فهمى فقال: «لا تعرف معنى «لَبَطْ» ــ هل أنت «خواجة»؟!، وأكدت له
أننى أبعد ما أكون، وراح يشرح معنى «لَبَطْ»، ثم واصل شرحه: «اتركهم
يغلطوا» حتى يتأكد الناس أنهم لا يعرفون شيئا».



ومرة ثانية لم يتضح لى قصده، ومرة ثانية سألته، ورد، وعلى شفتيه ما بدا
لى «ابتسامة من نوع ما»: «إن الصحفيين يدَّعون أنهم يعرفون كل شىء، وأنهم
«فالحين قوى»، والأفضل أن ينكشفوا أمام الناس على حقيقتهم، وأنهم «هجاصين»
لا يعرفون شيئا».



قلت:



ــ ولكن سيادة الرئيس هذه صحافتك، أقصد «صحافة البلد»، ومن المفيد أن
تحتفظ لها بمصداقيتها، ولا بأس هنا من جهد لإبقاء الصحفيين على صلة
بالأخبار ومصادرها.



ورد بقوله: «الدكتور «فؤاد» (يقصد رئيس وزارته وقتها «فؤاد محيى الدين»)
يقابل الصحفيين باستمرار، ويطلعهم على الحقائق، لكن بلا فائدة، هم «يخبطوا
على مزاجهم» ولا يسألون أحدا!».



وقلت: «إنه ليس هناك صحفى يحترم نفسه تصل إليه أخبار حقيقية ويتردد فى نشرها».



وظل على رأيه: «المسألة أنهم لا ينشرون، إما أن لهم مصالح خاصة، وإما أنهم لا يفهمون».



وأحس أننى لم أقتنع، وتفضَّل بما ظن أنه مجاملة ــ قائلا:



ــ «محمد بيه» أنت تقيس الصحفيين الحاليين بتجربة زمن مضى، ليس هناك
صحفى الآن له علاقة خاصة بالرئيس (وكانت الإشارة واضحة)، وقلت إن «جمال
عبدالناصر» كان متصلا بكثيرين من الصحفيين، ثم إن هذا لا يمنع قيام صداقة
مع أحدهم بالذات، ولكن المهم أن يكون أصبع رئيس الدولة على نبض الرأى العام
طول الوقت».



وانتقل والدهشة عندى تزيد قائلا:



«على فكرة نحن كنا نتصور أنك تجلس على حِجْر الرئيس الرئيس «جمال»، لكنه
ظهر أن الرئيس «جمال» كان هو الذى يجلس على حِجْرك، واستطرد: لم أكن أعرف
أن العلاقة بينكما إلى هذا الحد حتى شرحها لى (أشار إلى اسم الأستاذ «أنيس
منصور)»!!



واستهولت ما سمعت، وبان ذلك على ملامحى، وربما فى نبرة صوتى حين قلت له:



«سيادة الرئيس أرجوك لا تكرر مثل هذا الكلام أمام أحد، ولا حتى أمام
نفسك، أولا لأنه ليس صحيحا، وثانيا لأنه يسىء إلى رجل كان وسوف يظل فى
اعتقادى واعتقاد كثيرين فى مصر وفى الإقليم وفى العالم قائدا ورمزا لمرحلة
«مهمة» فى التاريخ العربى».



أضفت:



«فيما يتعلق بى فقد كان يمكن أن يرضى أوهامى أننى كنت «كل شىء» وقت
«جمال عبد الناصر»، ولكن ذلك غير صحيح، لأن «جمال عبد الناصر» كان هو «جمال
عبد الناصر»، وقد أسعدنى ــ ولا يزال ــ أننى كنت صديقا له وقريبا منه
ومتابعا لدوره وهو يصنع للأمة كلها تاريخا يمثل على الأقل لحظة عز وقوة لها
فى عالمها وعصرها، وأنا أقول ذلك بعيون مفتوحة، مدركا أن تجربة «عبد
الناصر» كانت إنسانية قابلة للخطأ أحيانا كما للصواب، كما أنها ليست
أسطورية معصومة بالقداسة، لأن ذلك غير إنسانى، وهذه هى الحقيقة»!.



وقاطعنى:



ــ «أنا أعرف كم كان الرئيس «جمال» شخصية عظيمة، وما قلته لك كان كلام
(أعاد الإشارة إلى اسم «أنيس منصور»!)، وهو لم يقله لى فقط، وإنما نشره
أيضا، أما أنا فلم أقل من عندى إلا ما قلته أنت فى وصف علاقتك به، من أنك
كنت صديقا له وقريبا منه هذا ما قصدته، وقصدت أنك كنت تعرف كل شىء، بينما
الصحفيون الآن لا يعرفون».



وقلت:



ــ «إن علاقته هو (أى «مبارك») بالصحفيين فى عهده اختياره، وله أن
يوصفها كما يرى، لكنى أتمنى لو استطاع أن يسهِّل على الصحافة أن تعرف أكثر،
لأن تلك مصلحة الجميع، وأولهم هو شخصيا».



وظل على رأيه لم يغيره، وأكثر من ذلك فإن رده علىَّ كان بقوله: «أنه إذا عرف الصحفيون أكثر، فسوف يتلاعبون به».



وقلت فى شبه احتجاج:



ــ «سيادة الرئيس أنت تسىء الظن بإعلامك، وأنا أعرف بعضا من شيوخ المهنة وشبابها، وأثق أنهم لن يتلاعبوا فى أخبار، فضلا عن أسرار».



وشرحت لمحات عن مهنة الصحافة فى مصر وتاريخها ورجالها، ومع أنى أسهبت
إلى حد ما فى الحديث عن تاريخ الصحافة المصرية، فقد أحسست أنه يتابع، وكانت
له عدة أسئلة واستفسارات عن الأشخاص وعن الوقائع.



ثم آثرت أن أنتقل من هذا الموضوع إلى غيره مما يعنينى فى أول لقاء مع
رئيس الدولة الجديد فى مصر، وفى ظروف عاصفة يندر أن يكون لها مثيل ــ هبت
على مصر نارا ودما!!



●●●



وكذلك عُدت بالحديث إلى مدخله الطبيعى، فقلت للرئيس: إننى متشوق إلى سماعه.



ورد قائلا: ولكن أنا أريد أن أسمعك هذه المرة وأن أسألك، وفى المرة
القادمة أنت تسألنى ــ أضاف بتواضع أنه يعتبر نفسه هذه الفترة فى «مهمة
استكشاف»، يتعرف فيها على «الجو» الذى يتعين عليه العمل فيه!»، وأضاف: «أنا
طلبت منك أن تتكلم يوم جئت إلى قصر «العروبة» بعد الإفراج عنكم، ولكنك لم
تتكلم». وقلت: «إننى اعتذرت لأن اتفاقنا قبل المجىء إلى عنده كان أن يتكلم
واحد منا بالنيابة عنا جميعا، وقد اخترنا «فؤاد سراج الدين» لأنه أكبرنا
سنا، وأسبقنا جميعا إلى ممارسة العمل السياسى».



قاطعنى بسؤال: هل عرفت «سراج الدين» وأنتم فى «طرة»؟!! ــ وقلت: إننى
أعرفه من قبل ثورة 1952، وحين كان سكرتيرا عاما لحزب الوفد ووزيرا
للداخلية، وقتها (فى أواخر العشرينيات من عمرى) ــ كنت رئيسا لتحرير «آخر
ساعة»، ومديرا لتحرير «أخبار اليوم»، وعلى علاقة بمعظم الساسة فى مصر، وكان
«فؤاد سراج الدين» من أبرزهم، ولم تتغير علاقتى به أو بهم، بل توثقت مع
مرور الأيام، وحتى بعد ثورة يوليو.



وقاطعنى «مبارك» بسؤال:



هل كان الرئيس «عبد الناصر» يعرف ذلك ويقبل به؟!! ــ قلت له: «جمال عبد
الناصر» كان يحب «مصطفى النحاس» مثلا (رئيس الوفد) ويحترمه، وكان يرى مزايا
كثيرة لـ«فؤاد سراج الدين»، ويعتبره سياسيا ذكيا مجربا، حتى وإن اختلف
معه».



وتوقف «مبارك» للحظة مترددا ثم سأل:



ــ ولكن ألم يحدث أن الرئيس «جمال» اعتقل «النحاس» (باشا)؟!!



وقلت:



ــ بالمعنى الحقيقى لم يعتقله، وإنما أصدر قرارا بتحديد إقامته فى بيته،
وكان ذلك سنة 1955، وفى الظروف الخطرة على الطريق إلى حرب السويس، وكانت
المعلومات وقتها أن الإنجليز يبحثون عن حكومة بديلة لنظام 23 يوليو، وخشى
«جمال عبد الناصر» أن يقوم أحد بتوريط «النحاس» (باشا) فى حديث عن حكومة
بديلة، خصوصا وأن المعلومات وقتها كانت أن المخابرات البريطانية M.I.6
تقترح إما «النحاس» (باشا)، وإما اللواء «محمد نجيب» لرئاسة حكومة يستطيعون
الاتفاق معها، وأظنه أراد حماية «النحاس» (باشا) أكثر مما أراد الإساءة
إليه، وأنا أعرف أن الأسلوب غريب فلا أحد يستطيع حماية رجل يحرص عليه
بتحديد إقامته فى بيته، لكن «جمال عبد الناصر» وفى الكلام معى أشار إلى
هؤلاء الذين ورطوا «النحاس» (باشا) فى حادثة 4 فبراير 1942)، وأتذكر أننى
وقتها استأذنته أن أذهب قبل تطبيق القرار بتحديد إقامة «النحاس» (باشا)
وأشرح له دواعيه، وأن «عبد الناصر» وافق، وذهبت إلى مقابلة «النحاس» (باشا)
بالفعل.



وكنت وما زلت حتى الآن على خلاف مع الأسلوب، رغم تفهمى لدوافعه».



●●●



ــ وقاطعنى «مبارك»:



تريد أن تقول إن الرئيس «عبد الناصر» كان يحب «النحاس»؟!!



واستطرد:



«لا مؤاخذة ــ الرئيس «أنور» قال لى إن «عبد الناصر» لم يكن يحب أحدا».



ــ وابتسمت وقلت: هذا رأى الرئيس «السادات» – بأثر رجعى كما يبدو لى،
لأنه هو من وصفه فى كتاب بأكمله بـ «القلب الكبير الذى يتسع لحب كل الناس
وللإنسانية كافة».



وقاطعنى:



ــ «محمد» بيه ــ أنا أحببت الرئيس «جمال» ــ لا تنسى أننى أسميت أحد أبنائى على اسمه».



وقلت:



ــ وكذلك فعل الرئيس «السادات».



وسألنى: هل أسميت أحدا من أبنائك باسم الرئيس «جمال»؟!!



ــ وأجبت بالنفى، بل اخترت لأبنائى أسماء عربية ــ تقليدية ــ وسهلة: «على» ــ و«أحمد» ــ و«حسن».



ــ وسألنى الرئيس «مبارك»:



«حيرتنى علاقة الرئيسين «أنور» و«جمال» ــ لماذا اختلفا معا ــ أنت كنت
شاهدا على العلاقات بينهما، وكنت قريبا من الاثنين، حتى وقعت الواقعة بينك
وبين الرئيس «أنور».



ــ وقلت:



«فى علاقتى بالاثنين لم أعرف عن خلاف بينهما، ولم يكن هناك لا موضوع
للخلاف ولا مجال لوقوعه، فـ«أنور السادات» كان دائما وراء «جمال عبد
الناصر»، مناصرا، متحمسا، وبعد رحيله 1970، وحتى بعد حرب أكتوبر 1973، وحين
اختلفت معه وابتعدت فإن علاقته بـ«عبد الناصر» كانت كما عهدتها، ثم بدأت
ــ بعد سنة 1974 ــ أسمع ــ من بعيد ــ بالتلميح أولا وبالتصريح ثانيا عن
خلاف كان، وعن مواقف وقع فيها هذا الخلاف «المزعوم» واستفحل، وفى البداية
بدا لى ذلك غير مفهوم، أو حتى غير منطقى!!».



●●●



وتداعى هنا حديث حول العلاقات بين الرئيسين السابقين.



وانتقل الرئيس «مبارك» من هنا إلى خلافى شخصيا مع الرئيس «أنور»، وقال:
كثيرا ما أستغربت، فأنا أعرف أنك وقفت معه «جامد» فى أول ولايته، ثم وقفت
معه «أجمد» فى معركة مراكز القوى ــ مايو ــ وكنا جميعا نعرف أنك موضع
ثقته، وقد رأيت ذلك بنفسى فى القيادة أثناء الحرب ــ وأضاف: «أنه عرف أننى
كاتب التوجه الإستراتيچى الذى صدر للمشير «أحمد إسماعيل» بتحديد أهداف حرب
أكتوبر، وهذا فى رأيه «قمة الثقة»، ولهذا فاجأه خلافى مع الرئيس حول فك
الارتباط، لكنه لم يقرأ ما كتبت عنه ــ هو يعرف أن الخلاف وقع، لكنه لا
يعرف لماذا؟! ثم استدرك ضاحكا:



ــ «لا تزعل يا «محمد» بيه، إذا قلت لك إننى لم أكن أقرأ مقالاتك رغم
«أننى أسمع أن كثيرين يقرأونها»، ولا أخفى عليك أننى كنت أمنع ضباط
(الطيران) من قراءتها».



ــ وقلت بعفوية: «ياه... لعل السبب خير».



ــ قال: «ما كان يحدث أن مقالك «بصراحة» يُنشر فى «الأهرام» يوم الجمعة،
ثم يجىء الضباط يوم السبت وقد قرأوه، وكلهم متحفزون لمناقشته، وكثيرا ما
كانوا «يتخانقون»، وأنا لا أريد فى السلاح «خناقات» ولا سياسة!!».



ــ أضاف: «أما عنى أنا، فقد كنت لا أقرأ مقالاتك لأنى عندما حاولت ــ لم أفهم ماذا تريد أن تقول فى نهاية المقال».



ــ بصراحة (على رأيك ــ أضافها وهو مازال يبتسم ــ «مقالك دائما ينتهى
دون أن «نرسى على بر» ــ ولا نعرف بعده نتيجة Conclusion، قالها
بالإنجليزية).



ــ وقلت: «سيادة الرئيس ــ هناك مدرسة فى الكتابة لا ترى أن
الـConclusion واجب الكاتب، وإنما واجبه: معلومات صحيحة، واجتهادات فى
التحليل واسعة، واختيارات فى المسالك المتاحة للحل مفتوحة، ثم يكون للقارئ
أن يختار ما يقنعه، بمعنى أننى لا أريد أن يكون ما أكتبه «مقفولا» على
نتائج Conclusion «تعلِّبه»، وإنما أفضل أن أترك للقارئ حريته ــ بمعنى أن
تبدأ علاقته بالمقال بعد أن ينتهى من قراءته، وليس حين يهم بقراءته، لأن
هدفى تحريضه على التفكير وهو يقرأ، ورجائى أن يصل بتفكيره إلى حيث يقتنع.
وقال: «يا عم» ما الفائدة إذن أن يقرأ الناس «لكاتب كبير»؟! ــ لابد أن
«يرسيهم على بر». وقلت: أنا أريد للقارئ أن يرسو على «بره هو»، وليس على
«برى أنا»، وعلق بابتسامة مرة أخرى قائلا: «يعنى عاوز تدوخ الناس يا أخى،
قل لهم وريحهم»..



واختصرت قائلا: «على أية حال فهناك مدارس متعددة فى الكتابة!!».



ــ وعاد «مبارك» إلى سؤاله عن العلاقات بين الرئيس «السادات» وبينى ــ فقال:



«الغريب جدا أننى أحسست أن علاقته بك كانت Love - Hate Complex، قالها أيضا بالإنجليزية (عقدة محبة وكراهية فى نفس الوقت).



هو بالحق كان يتحدث كثيرا عنك بالتقدير، لكنه يأخذ عليك أنك تريد أن تفرض عليه رأيك».



قلت مستغربا:



«سيادة الرئيس ــ كيف يمكن لصحفى أن يفرض رأيه على رئيس الدولة؟!!».



رئيس الدولة عنده السلطة كلها ــ وأدواتها تحت يده ــ فكيف أستطيع أنا
أو غيرى ــ من الكُتَّاب والصحفيين ــ أن نفرض شيئا عليه؟! ــ ربما يفرض
عليه قائد جيش لديه سلاح، أو رئيس حزب لديه تنظيم، أو وزير داخلية عنده
بوليس، أما الصحفى فلا يملك غير عرض وجهة نظره ولا أكثر، وهو يضعها أمام
الرأى العام إما أن يأخذ بها أحد أو يعرض عنها، فتلك مسألة أخرى خارج قدرة
أى صحفى!!



ثم قلت: العكس هو الصحيح فيما أظن، فرئيس الدولة هو فى العادة من يريد فرض رأيه على الصحفى، وهنا المشكلة!!



أضفت بوضوح يجعل موقفى واضحا أمامه:



«وفيما يتعلق بموقفى مع الرئيس «السادات»، فإننى لم أقتنع بما اتخذ من
سياسات أثناء أكتوبر وبعدها عندما جاء «هنرى كيسنجر» وأقنع «السادات» وتصرف
الرئيس على أساس أن الولايات المتحدة تملك 99% من أوراق حل أزمة الشرق
الأوسط، وأن «هنرى كيسنجر» هو من يمسك بالقرار السياسى الأمريكى ــ وكان لى
رأى مختلف، وقد تمسكت به وفى ذهنى أن الرئيس الأمريكى بنفسه أو بوزير
خارجيته غير قادر على الفعل لأسباب كثيرة، حتى لو أراد، وفى الأوضاع
الحالية فإن الإدارة الأمريكية فى شلل بسبب ورطة الرئيس فى فضيحة
«ووترچيت».



واستطردت:



«ومن جانبى فلم أستطع غير التحفظ على هذه السياسة الجديدة، وقد عبَّرت
عن أفكارى فى أكثر من عشر مقالات ضايقت الرئيس «السادات»، واعتبر أننى
بكتابتها أعرقل توجهاته، ومن هنا كان ضيقه.



وفى هذا الموضع من الحديث قلت للرئيس إن ذلك الخلاف قصة طويلة، ولا أريد
أن أضيع وقته فيها، لكنه طلب أن يسمع، واستدعى أحد سكرتيريه وأمره بتأجيل
موعد كان لديه فى الساعة العاشرة والنصف.



في الحلقة القادمة:

رسائل قصدت توجيهها إلي مبارك دون (خطب وعظية) ! ... أسامة
الباز: (لا تتعب نفسك .. لن ينشئ وزارة لشئون الرئاسة .. ولن يعينني وزيراً
لها) !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خالد محمود
راكب درجه اولى
راكب درجه اولى


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 565
نقاط : 956
تاريخ التسجيل : 18/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مبارك وزمانه من المنصة الى الميدان للقراءة المباشرة   الأحد يناير 29, 2012 12:25 pm

كان الرئيس «مبارك» كما بدا لى وقد طالت جلستنا حتى تلك اللحظة
أكثر من ساعتين ــ متشوقا على نحو ما ليسمع، وعندما طلب تأجيل موعد معه فى
الساعة العاشرة والنصف، فقد أدركت أننا أمام لقاء سوف يطول، وحتى عندما
عرضت الاستئذان كى لا أعطل ارتباطات سابقة له، على أن نعود بعد ذلك ونتقابل
فى مناقشة أخرى ــ كان إصراره «أننا الآن هنا ــ إلا إذا كنت «زهقت»،
وأكدت أننى لم «أزهق»، ولكن خشيتى على وقته، ولعله أراد طمأنتى ــ وربما
إغرائى، فإذا هو يسألنى:




ــ ألا تريد أن تدخن سيجارا ــ أنا أعرف أنك من مدخنى السيجار، وأنا مثلك.



وأبديت الدهشة، فقال إنه لا يظهر فى الصور بالسيجار لكى يتجنب «القرشنة»
ــ!ــ لكنه يدخن سيجارا واحدا كل يوم، ثم ضغط على جرس يطلب صندوق السيجار.



وجاء الصندوق مع أحد الضباط، وطلب «مبارك» تقديمه إلى بالإشارة، وأخذت منه سيجارا، وأخذ هو سيجارا.



ثم سألنى وهو يرانى أشعل عود كبريت: «سيجار كويس»؟!!



ولم أقل شيئا، ويظهر أنه أحس أننى لا أشاركه الرأى.



وقلت: «بكل احترام ــ الحقيقة أنه مقبول».



وقال باستنكار: «إيه؟! ــ هذا «روميو وچولييت».



وقلت: «الشركة التى تنتج سيجار «روميو وچولييت» تنتج أكثر من 75 نوعا بعلامتها، وكل نوع منها مختلف عن الآخر».



وسأل «مبارك» باهتمام:



«أُمال إيه بقى السيجار الكويس؟!».



وقلت «بإذنك فى سيارتى علبة صغيرة فيها سيجار، ولم أدخل بها لأنى لم أتصور أنك تدخن، وإذا وافقت نطلبه».



وجاءت العلبة، وعرضت على الرئيس «مبارك» أن يتفضل، فأخذ واحدا منها وأشعله، وكانت ملاحظته: والله أحسن فعلا ــ «غريبة جدا»!!



وقال وهو يستعيد الذكريات:



«عندما كنا نتدرب فى الاتحاد السوڤييتى كطيارين، كنا نشترى هذا السيجار
(الذى لم يعجبك!!) ونبعث به إلى قادة السلاح، وكانوا يعتبرون ذلك
«فخفخة»!».



ثم عاودته الذكريات فقال:



ــ أيام التدريب فى الاتحاد السوڤييتى كنا فى قاعدة جوية قرب «خاركوف»،
وفى الإجازة ننزل إلى «موسكو»، وكنا نخفى الورقة «أم مائة دولار» تحت
الشراب بعد أن نغطيها بقطعة من ورق التواليت، (أضاف أن ورق التواليت فى
روسيا سميك وخشن مثل الخيش)، ثم نغيرها فى السوق السوداء عن طريق موظف فى
مكتب الملحق العسكرى بمبلغ كبير من الروبلات، ونشترى علبا من هذا السيجار
ونشحنها إلى قادة السلاح فى مصر. واستطرد: كان «الروبل» بالسعر الرسمى
يساوى أكثر من دولار واحد، لكن السعر فى السوق السوداء كان 21 روبلا لكل
دولار، فارق كبير، أضاف، «لكن الواد بتاع المكتب العسكرى كان جن».







مبارك ونتينياهو



●●●



وعاد «مبارك» فجذب نفسا من السيجار الذى قدمته له، وقال: «فعلا لك حق
هذا أحسن جدا»، ولكنهم (يقصد القادة الذين كان يرسل لهم السيجار) كانوا
يعتقدون أن الاتحاد السوڤييتى يأخذ سيجار كوبا مقابل السلاح، وقلت: «ذلك
صحيح إلى حد ما، لكن أفضل أنواع السيجار الذى تنتجه كوبا كانت للتصدير
بالعملة الصعبة إلى الغرب، وما تبقى من الدرجة الثالثة والرابعة يذهب إلى
الاتحاد السوڤييتى ويشتريه الزوار بحُسن نية».



ومد الرئيس «مبارك» يده إلى جرس، فدعى أحد الضباط، ثم التفت وقال:



ــ «محمد» بيه ملِّى عليه كل أنواع السيجار «الكويس»!



وقلت ما مؤداه «أن لكل نوع من السيجار مذاقا، وأن كل مذاق مسألة اختيار، ولذلك فإنه من الصعب على مدخن أن يوصى غيره بنوع معين».



وقال: معلش «ملِّيه» الأنواع «الأبهة» (المتميزة).



وكان الضابط قد أسرع وجاء بورقة وقلم مستعدا لكى أمليه.



وعاد إلى تجربة «السيجار» الذى قدمته له، وقال:



ــ «فعلا كويس جدا».



ثم أضاف ضاحكا:



ــ يا أخى عاوزين نتعلم «العز».



ولفت تعبير «العز» نظرى، وقلت:



إنها ليست مسألة «عز»، ولكنها ظروف، وأنا شخصيا تعلمت تدخين السيجار
(لسوء الحظ!) من رجلين: «نجيب الهلالى» (باشا)، ثم «فؤاد سراج الدين»
(باشا)، كلاهما فى شبابى كانوا يقدمون لضيوفهم سيجارا عندما يشعلون لأنفسهم
واحدا، وكنت أقبل الدعوة من باب «التجربة»، لكنى فيما بعد وقعت فى فخ
«العادة»!



وقال «مبارك»:



ــ «إنه لاحظ أن كل الرؤساء الأمريكان يدخنون سيجارا، ويمارسون لعبة الجولف، وأنت أيضا تلعب الجولف».



وقلت بسرعة: «صحيح، ولكن بدون رئاسة».



وبادر معلقا «والله أحسن يا أخى، الناس تتصور أن الرئاسة شىء عظيم، والحقيقة أنها «بلوة»!!».



وقلت شيئا عن لعبة الجولف، وكيف أنها خير معلم للسياسة، وسألنى: كيف؟!
ــ وشرحت قدر ما أستطيع لعبة الجولف، وعلاقتها الوثيقة بالعلوم
الاستراتيچية.



واستمع إلىَّ باهتمام، ثم كان تعليقه: لكنها لعبة تأخذ وقتا، وأنا أفضل
السرعة، ولذلك ألعب الإسكواش، وهى لعبة «موصوفة» للطيارين لشحن قدرتهم على
الـ Agility «الاستجابة السريعة».



●●●



وهز «مبارك» رأسه بأسف وقال:



ــ «الآن لا وقت عندى حتى للإسكواش، لأن العبء ثقيل، وطلبات الناس لا تعرف الحدود».



وتوقف «مبارك» وتساءل:



ــ الناس «كده ليه»؟ ــ ليس عندهم إلا طلبات، يحفظون الحقوق وينسون
الواجبات، والمصيبة أنهم جميعا «متخانقين»، وطلباتهم متعارضة، لا أعرف كيف
تحمَّل الرئيس «جمال» أو الرئيس «أنور»؟! ــ أنا شخصيا، ولم أقض فى الرئاسة
إلا شهورا ــ «طلعت روحى»!!



أشار إلى تخبط القوى السياسية، وصخب الصحافة والصحفيين.



وقال «مبارك» ويداه تسبقان إلى التعبير عما يريد قوله:



ــ «والله لو تعبت من كثرة الطلبات والخلافات، سوف أتركها لهم، وأسلم كل
شىء للقوات المسلحة، وأترك الجميع «ياكلوا فى بعضهم»، وأخلِّص نفسي!!».



(وكأنها كانت نبوءة مبكرة!!).



ورجوته ألا يفكر على هذا النحو.



●●●



وعاد «مبارك» مرة أخرى إلى خلافى مع الرئيس «السادات»، وكان فى واقع الأمر يفصح عن آرائه هو نفسه ــ يقول:



ــ «السادات» كان على حق، لا أعرف لماذا اختار الرئيس «جمال» صداقة
السوڤييت، وهم ناس «فَقْرى»، و«السادات» اختار الأمريكان وهم «المتريشين»
(يقصد الأغنياء)، أكبر خطأ وقع فيه الرئيس «عبد الناصر» هو الخلاف مع
أمريكا.



استطرد: «وبعدين الرئيس «أنور» اختار السلام مع إسرائيل، والرئيس «جمال» كان لابد أن يعرف أنه لا فائدة من الحرب مع إسرائيل».



واستطرد: «اليهود مسيطرين على الدنيا كلها، وأنت تعرف أكثر!!



اسمعها منى لا يستطيع أحد أن يختلف مع أمريكا».



أنا أعرف أنك كنت من أنصار علاقات طيبة مع أمريكا ــ فلماذا غيَّرت رأيك؟!!».



وأجاب بنفسه على سؤاله:



ــ «يا عم»، الذى لا يعرف أن أمريكا هى أقوى قوة فى العالم ــ «يعك».



ولم أعلق على الكلمة، ففى أثناء الحديث سمعت من هذا النوع من الكلمات «عينات» متكررة.



ورحت أشرح له رأيى:



ــ «أننى لا أختلف على أن أمريكا هى أقوى قوة فى العالم، ولكن المسألة
هى: من أى موقع يتعامل الأطراف مع القوة الأمريكية» (استطردت وبشكل ما فقد
قصدت أن يصل إليه ما كنت أقول)، إذا تعاملت مع أمريكا من منطق أنك تحتاج
إليها، فلن تصل إلى شىء، وإذا تعاملت معها باعتبار أنها فى حاجة إليك، فقد
تنجح».



وقاطعنى:



ــ «تريد أن تقول لى إن أمريكا تحتاج إلينا ــ طبعا لا ــ نحن الذين نحتاج إليها!!».

وقلت:



ــ «سيادة الرئيس.. إن الاحتياج لابد أن يكون متوازيا فى السياسة
الدولية، وإذا جاء الاحتياج من طرف واحد ــ إذن فهو عالة على غيره، وحتى
إذا قبل هو، فإن الطرف الآخر لن يقبل، ببساطة لأن السياسة الدولية ليست
جمعية خيرية!!».



وأضفت:



ــ «أنه هنا أهمية موارد مصر الاستراتيچية، وقدرتها على إدارة هذه الموارد، وهنا مثلا أهمية انتماء مصر العربى.



بمعنى إذا لم تكن مصر من هذه الأمة العربية بالطبيعة، فلابد أن تكون منها بالضرورة.



بصراحة، أنا قومى عربى باقتناع، وبطبائع الأشياء فإن أحدا لا يستطيع
الاقتناع إلا بما يتوافق مع مصلحة وطنه كما يقدرها ــ وفضلا عن اقتناعى ــ
مبدأ ــ بعروبة مصر، فإننى مقتنع بضرورة هذه العروبة أيضا لمصر، وكذلك لكل
بلد عربى».



ثم قلت:



«فارق ــ سيادة الرئيس ــ بين أن تتعامل مع أمريكا كمصر فقط ــ وهى بلد
مثقل بحجم سكانه، محدود فى طاقة موارده، وبين أن تتعامل معها وهى وسط
العالم العربى ــ بكل قوة الأمة، وبجميع إمكانياتها ومواردها!!





السادات وكارتر



●●●



زدت على ذلك:



ــ هذا أيضا ــ سيادة الرئيس ــ هو ما يمكن أن يعطيك تأثيرا فى العالم
الثالث كله وفى العالم الأوسع، إذا كنت وحدك، فالتأثير محدود، وإذا كنت وسط
كتلة كبرى، إذن فهناك حساب آخر لتأثيرك».



أضفت: «مذكرا الرئيس بحوار منشور لى مع «كيسنجر» يوم 7 نوفمبر 1973، فى
أعقاب حرب أكتوبر، وكان هو الآخر قد اقترح عليَّ فى حينها أن أقتصر فى
كلامى معه على ما يخص مصر وحدها، دون العالم العربى، وكان ردى عليه: أنه
يريد أن ينزع أهم أوراقى التفاوضية من أول لحظة».



وذكرت له كيف قلت لـ«كيسنجر» وذلك منشور فى مقال لى فى «الأهرام» ذلك الوقت:



ــ دكتور «كيسنجر»: أنت أستاذ علوم سياسية، ولا يصح لى أن ألف وأدور معك أو ألعب «الاستغماية» Hide& seek، ولذلك أحدثك بصراحة:



إذا اقتصر اهتمام مصر على قضاياها وحدها، فهى تحتاج لكم.



إذا كانت مصر وسط أمتها العربية فأنتم تحتاجون لها.



ولذلك دعنا من أول لحظة نتفق على أن اهتمامات مصر حتى بصرف النظر عن
هويتها ــ عربية، وهى تريد علاقات طيبة معكم، لكن عليكم أن تقدروا بأنفسكم
أنكم أيضا فى حاجة إلى علاقات طيبة معها.



(والحقيقة أننى قصدت أن أتوسع أمام «مبارك» فيما قلت لـ «كيسنجر»، حتى
تصل وجهة نظرى إليه، دون أن تتبدى «وعظية» إذا وجهتها مباشرة إليه).





جمال عبد الناصر وبرجينيف

●●●



وقطع «مبارك» سياق كلامى قائلا:



ــ «هذا هو ما جلب لنا المشاكل، والحقيقة أننى مختلف معك ــ وموافق مع
الرئيس «السادات» ــ فمشكلتنا أننا تحملنا بمشاكل غيرنا وليس مشاكل مصر
وحدها، نقتصر عليها ونحلها بأسلوب عملى».



وقلت: لا أظن أن هناك ــ فى عزلة عن العالم العربى ــ حلا لمشاكل مصر وحدها ــ لا خيالى ولا عملى!!



●●●



عاد الرئيس «مبارك» إلى حديث «أمريكا» ــ قائلا:



ــ «أنت تنسى أنه لا أحد يستطيع مساعدتنا على إسرائيل إلا أمريكا، العرب شمتوا فينا سنة 1967، مع أنهم هم الذين ورَّطونا فى الحرب».



وأضاف:



ــ «أنا أعرف «الأسد» (يقصد «حافظ الأسد») من أيام الطيران، وهو قال لى إن «حزب البعث» قصد توريط «عبد الناصر» فى حرب سنة 1967».



واستطرد فى تفاصيل علاقته مع «حافظ الأسد».



وقلت: «إننى معه فى أن نظما بعينها هنا وهناك حاولت مرات توريط «عبد
الناصر»، ثم رُحت أشرح له بعض ظروف القرار السياسى سنة 1967، وضمنه ــ
وبصرف النظر عن التربص الخارجى ــ أن القرار المصرى وقع فى أخطاء لم يكن
هناك مبرر لها، أخطرها قرار الانسحاب من سيناء بكل القوات فى ليلة واحدة (7
يونيو 1967)».



وأخذنا هذا الحديث إلى كلام إلى تفاصيل متشعبة عن ظروف وملابسات سنة
1967، وحكى لى أنه كان مع سرب القاذفات المتمركزة فى مطار «بنى سويف»، وقال
إنه قرأ التحقيقات التى جرت عن تلك الحرب، لأن الرئيس «السادات» عينه
رئيسا للجنة كتابة التاريخ عندما كان نائبا له، وأنهم استطاعوا فى اللجنة
أن يجمعوا أكثر من مليونى ورقة من الوثائق، وأنه اطلع على بعضها بنفسه، لكن
ضيق الوقت لم يمكنه من قراءة الكثير».



أضاف «أنه مع ذلك يعتقد أن علاقاتنا مع أمريكا من ألزم الضرورات، وبالتحديد فيما يتعلق بإسرائيل».



ثم استطرد وهو يهز رأسه:



ــ «بعض الناس يريدوننى أن أقيم علاقات كاملة مع إسرائيل ــ ويريدون ذلك
الآن ــ ولكن عليَّ الانتظار ــ أنا أنتظر على أحر من الجمر أن يجىء أبريل
ويخرجوا من الأرض المصرية كلها».



أضاف: «هل يظن الناس أن التعامل مع الإسرائيليين يسعدنى؟! ــ هناك فارق بين أن أعترف بقوة إسرائيل، وبين أن أحبها!!».



ثم استدرك:



«محمد» (بيه) أقسم لك أنهم «يسمُّون بدني» فى كل مرة ألتقى «بواحد منهم»، أتضايق منهم ويفوت منى موعد نومى وأسهر الليل أشتمهم».



وقلت: «إننى أفهمه، لكنه من حسن حظى أننى لست مضطرا لمقابلتهم، ولهذا فأنا كمبدأ لم أقابل منهم أحدا».



وقال بسرعة: «ولكن كيف تستطيع أن تفعل ذلك إذا كنت مسئولا؟!».



وقلت: «ولكنى والحمد لله غير مسئول».





عبد الناصر يترأس إحدى القمم العربية

●●●



وقال الرئيس «مبارك»:



ــ هذا موضوع كنت أريد أن أكلمك فيه».



ثم استطرد قائلا برقة بادئا بكلام كريم، لكن نبرة العتاب تشيع فيه:



«الرئيس أنور» تعب معك حتى تتعاون معه».



وسألته: «كيف يستطيع أحد أن يتعاون فى سياسة لا يؤمن بها؟!».



قال: «تستطيع أن تساعد دون أن تتعامل مع إسرائيل».



وقلت: «إن منصب الوزارة عرض من سنة 1956، وكنت لا أزال شابا قد تغريه
المناصب، والرئيس «السادات» عاد بعد ذلك فعرض عليَّ منصب نائب رئيس
الوزراء، أو رئيس الديوان السياسى».



وقال: «أعرف ذلك، ولم أقصد أن أحدثك عن منصب».



أسألك سؤالا صريحا ومحددا ــ قالها وهو يتطلع إلىَّ مركزا: «ما رأيك أن تدخل الحزب الوطنى؟!!».



وبدا أننى أصبت برعب، وقلت له: إننى لم أدخل الاتحاد الاشتراكى مع «جمال
عبد الناصر» رغم عمق صداقتنا ورغم إلحاحه مرات ــ لأنى لا أعتقد فى هذا
النوع من التنظيمات السياسية التى تقوم فى حضن السلطة، وفضلا عن ذلك فلست
من أنصار أن ينتمى الصحفى حزبيا».



●●●



سكت قليلا ثم سألنى:



«إذا لم تكن تفكر فى دخول الحزب، فماذا تنوى أن تفعل؟!».



أضاف: «لا يُعقل أنك سوف تجلس فى بيتك ساكتا!».



وقلت ضاحكا:



«أنه ليس له أن يقلق، فأنا لا أنوى الانضمام إلى قائمة المتعطلين الذين يبحثون عن عمل».



أضفت: «لديَّ عقود لكتب جديدة مع «الناشرين» فى لندن ونيويورك بعد ستة
كتب سبقت، تُرجمت وجميعا من الإنجليزية إلى لغات كثيرة، وآخرها كان كتاب
«عودة آية الله» The Return of The Ayatollah عن الثورة الإيرانية، وقد صدر
فى أوروبا وأمريكا أثناء وجودى فى السجن، وقد تُرجم حتى الآن إلى سبع عشرة
لغة ــ ثم إنه فور خروجى من السجن اتصل بى «أندريه دويتش» وهو أكبر
الناشرين فى لندن، وسألنى إذا كان فى استطاعتى أن أقدم لهم بسرعة كتابا عن
السبب الذى دعا إلى اغتيال «السادات»، وهو فى رأيهم «بطل السلام»، وقد قبلت
عرضه، وذلك ضمن ما سوف أناقشه فى سفرة قريبة إلى لندن».



وقاطعنى: «كتاب عن الرئيس «أنور»؟!!



وقلت: «ليس عنه، ولكن عن عملية الاغتيال بالتحديد، وقد عثرت على عنوانه
وأنا فى السجن، فقد كنت أفكر فى شىء من هذا القبيل، حتى قبل أن يتصل بى أحد
من لندن، وعثرت أثناء تفكيرى فيه على عنوان له: «خريف الغضب»!.



وكرر الرئيس عنوان الكتاب المقترح كما سمعه منى، وبدا حائرا فى فهم مقصدى به، لكنه تجاوز حيرته.



وعلَّق بقوله: «ولكن هذا سوف يسبب لك مشاكل كثيرة، لأن الرئيس «أنور» له «جماعات كبيرة»!».



وقلت: «أما عن المشاكل فقد تعوَّدت عليها، ثم إننى أرجوك أن تعرف أن
الرئيس «السادات» كان صديقا، وليس مشكلة أن تختلف آراؤنا، وأن تتباعد الطرق
بيننا، لكن ذلك لم يترك أثرا لدىَّ».



زدت على ذلك: «أنه عندما وقع اغتيال الرئيس «السادات» وعرفت به فى
السجن، فإنى بكيت عليه بصدق، وساعتها زال كل أثر للخلاف وما ترتب عليه، لأن
الدم والدموع غسلت كل شىء!!».



●●●



وجاءنى تعليقه مفاجئا:



«لم أكن أعرف أن الكتب «شغلانة كويسة»!!



وقلت: «أننى لا أعرف تصوره لـ «الشغلانة الكويسة»، لكن الكتابة بالنسبة لى حياتى كلها!!».

وعاد يسألنى:



«ولكن ألا تفكر فى العودة للصحافة المصرية؟!».



وقلت:



«إن ذلك بعيد عن تفكيرى تماما، فقد اعتبرت أن دورى فى الصحافة المصرية
انتهى بخروجى من «الأهرام»، وأوثر أن أترك المجال لآخرين، وكذلك لأجيال
أخرى».



ووجدها فرصة يعود بها إلى اقتراحه، فقال: «خسارة ألا يستفيد منك البلد»
ــ وسألته: «ألا يرى فى وجود صحفى وكاتب مصرى فى مجال النشر الدولى فائدة
للبلد؟!!».



وشرحت بعض التفاصيل عن حجم النشر الدولى، سواء فى الكتب أو فى الصحف،
وبالتحديد عندما يقع الجمع بين الاثنين، فيصدر كتاب، ثم تُنشر فصول منه فى
آلاف الصحف على اتساع العالم.



●●●



ورد بأنه مازال يرى «أن أنضم إلى الحزب الوطنى، والمجال فيه بلا حدود»!!



وقلت: «أنت تريد أن تضمنى إلى الحزب الوطنى، وأنا وغيرى نريدك أن تخرج منه».



وسألنى عن السبب، وهل الأحزاب «بعبع»، أو أنها وسيلة العمل السياسي؟! ــ
وقلت: «الصحفى بصفة عامة يتعامل مع الأخبار، والأخبار لها استقلالها،
وتلوينها بظلال التحزب، مخالف لقيمتها ومصداقيتها».



واصلت الحديث:



ــ ولعله يتذكر يوم جئناه من المعتقل قبل أيام ــ أنه سمع بعضنا
يناشدونه مباشرة لترك رئاسة الحزب الوطنى، وقلت إنه فى العادة وفى النظام
الرئاسى بالذات، فإن الرئيس حتى وإن كان منتميا إلى حزب، يجمد انتماءه لهذا
الحزب فترة رئاسته.



وقال بلهجة قاطعة: «لو تركت الحزب فسوف يقع».



وقلت: إذن فإن الحزب لا وزن له فى حد ذاته، وهو يستمد وجوده من السلطة، وليس من الناس، وهذا هو الخطر.



قال:



ــ «تخوفك من الحزب الوطنى مُبالغ فيه، ووجودى فيه ليس المشكلة، المشكلة
فى العمل التنفيذى، فى الحكومة وأنت تعرف حجم المشاكل، وزاد علينا خطر
الإرهاب، والناس تطلب «لبن العصفور»، ولابد من الاستقرار قبل أن نستطيع عمل
أى شيء، والجماعات الإرهابية كامنة، وتنتشر تحت الأرض».



●●●



وبدورى قاطعته:



ــ «والنظام يساعدها».



واستغرب ما قلته وهو يسألنى:



ــ «النظام يساعدها ــ كيف؟!».



قلت له: «هناك بالطبع المشاكل الاقتصادية الاجتماعية، وهذه مشاكل ثقيلة،
لكن هناك أشياء أخرى منها مثلا كثرة البرامج الدينية البعيدة عن قيم
الدين، وكثرة الفتاوى فيما لا علاقة له بروح الدين.. كل هذا يسيء ــ لكن
كله يشحن!!».



وزدت فقلت: «إننى سألت أحد زملائنا القُدامى فى مركز الدراسات السياسية
والاستراتيچية فى «الأهرام» أن يدرس مساحة البرامج الدينية على الإذاعة
والتليفزيون، وفوجئت حين قيل لى إن نتائج بحثه فى الموضوع، أظهرت أن أكثر
من 27% من مساحة البرامج ــ دينية، أو ذات طابع دينى، وأنا رجل من أسرة
متدينة، وأعرف قيمة الدين هداية وعصمة، ثم إننى من أسرة كان أول تقاليدها
أن يحفظ أبناؤها القرآن، وقد حفظته كله، لكنى لا أستطيع أن أتصور بعض ما
يُقال فى البرامج الدينية.



أضفت آسفا: إننى سمعت بنفسى من «إذاعة القرآن الكريم» من القاهرة، وفى
معرض برنامج من برامج التواصل مع السامعين، سائلا يستفسر عن «كيفية
الاغتسال بعد ممارسة الجنس مع بقرة»، وبقدر ما أفزعنى السؤال، فقد أفزعنى
أكثر أن أحد الشيوخ جاوب عليه، وراح يحدد لسائله وسائل الاغتسال المطلوبة
فى تلك الحالة!!».



وأغرق «مبارك» فى الضحك ــ ثم قال:



ــ «التوسع فى البرامج الدينية ضرورى، لأننا لابد أن نواجه الإرهابيين على أرضيتهم، ونأخذ منهم الناس».



وقلت:



ــ «المشكلة أنك إذا واجهت الإرهابيين على أرضيتهم، وبهذه الطريقة، فسوف
تقبل الاحتكام إلى قانون لا تعرف مصدره، ولا تعرف نصه، ولا تعرف قاضيه».



وتوقف عند هذا التعبير وبدت عليه الحيرة، وقال لي: «هل يمكن أن تفك لى هذا الكلام «الملعبك»؟!!



وحاولت شرح وجهة نظرى بأسلوب آخر!!



وقال وهو يعاود الضحك:



ــ «هل علىَّ أنا أيضا أن أهتم بالرجل الذى يعشق (استعمل لفظا آخر غير العشق!) ــ بقرة؟!!».



وقلت له بسرعة: «لا أحد يتصور أن يطلب منك ذلك، ولكن الناس تطلب رؤية للمستقبل مقنعة».



●●●



ووصل الحديث بنا إلى أسلوب عمل رئاسة الدولة، واقترحت «أنه من الضرورى
والرئاسة بهذا الدور المركزى ــ أن يُعاد تنظيمها بطريقة ملائمة للعصر».



وسألنى عما أعنى، وقلت:



«إننى لاحظت منذ خرجنا من المعتقل قبل أسبوع، أن الرئاسة تُدار بأسلوب يحتاج إلى مراجعة».

وكان يسمعنى باهتمام، وواصلت:



«إننى سمعت من أصدقاء بينهم «فؤاد سراج الدين»، و«ممتاز نصار»، أنك بعثت
إليهم برسائل منك أو ملاحظات مع «أسامة الباز»، وذلك حدث معى شخصيا أيضا
ــ و«أسامة» كما تعرف صديقى، وكان يعمل معى لسنوات، وأنت تثق فيه ولا أفهم
لماذا تجعله يعمل بطريقة «بائع متجول على عربة يد»، تبعثه برسالة إليَّ، أو
رسالة إلى غيرى، لماذا لا تعين «أسامة الباز» وزيرا لشئون رئاسة
الجمهورية، وتُنشئ له مقرا فى القصر الرئاسى يعرفه الناس، وتكلفه بإنشاء
مكتب فيه خبراء فى القانون والاقتصاد، ومتحدث رسمى باسم الرئاسة يعبر عن
رؤاها فى الداخل وفى الخارج، وبذلك يكون هناك مصدر معروف تصدر منه الرسائل
والتوجُهات، ومقر يذهب إليه الناس للاتصال والتشاور!!



وقال بلهجة تنم عن تردد:



ــ «المسألة أننى لا أريد أكرر ما يسمح بظهور مركز قوة فى الرئاسة، وأنت
تعرف تجربة «سامى شرف» مع الرئيس «جمال»، المشكلة أن وجود رجل فى مثل هذا
الوضع قد يؤدى إلى عُزلة الرئاسة عن الناس بوجود رجل يستطيع أن يحجب ويسمح
بما يشاء، وهى مشكلة عرفناها».



وقلت: «إن الأمر يتوقف على شخصية الرئيس، وأسلوب عمله، ومع ذلك فدعنى
أقل لك إن «سامى» مظلوم فى بعض ما قيل عنه، ومع ذلك فإن الأمر يتعلق بك أنت
وأسلوب عملك».



وأضفت:



«وأنا شخصيا أرى أن ترسل أحدا إلى البيت الأبيض فى واشنطن، أو إلى «10
دواننج ستريت» فى لندن، ليدرس كيف تُدار مكاتب رؤساء الدول فى هذا العصر
الجديد، وتقرر ــ أنت ــ على هذا الأساس أى نظام يحقق لك ما تريد بأقصى قدر
من الكفاءة!!».



وحدثته عما أعرفه عن تنظيم البيت الأبيض ــ ومجلس الأمن القومى ــ ونظام
العلاقات مع الكونجرس ــ ومع الحزب ــ ومع الإعلام ــ وعن مؤسسات السلطة
فى الداخل والخارج.



وحدثته كذلك عما أعرفه عن تنظيم «10 دواننج ستريت»، وعن مطبخ القرار
السياسى، وعن مكتب الاتصال مع الحزب فى المعارضة أو فى الحكم، وعن منصب
سكرتير عام مجلس الوزراء الذى يرأس المجلس التنفيذى للوكلاء الدائمين
للوزارات».



وقلت: «إننا نحتاج إلى دراسة تجارب الآخرين».



وقال: «مازلت أفضل أن أعمل مباشرة بمجلس الوزراء كله.. المجلس هو مكتبى، هو نفسه سكرتارية الرئيس!».



وقلت: «إن ذلك مستحيل عمليا، ولابد أن يكون للرئيس مكتب فيه خبراء
للشئون السياسية والقانونية والاقتصادية، يدرسها ويقدم له توصيات بشأنها،
وإلا فإن الرئيس ليس أمامه فى هذه الحالة إلا أن يوقع مشروعات المراسيم
بقوانين كما تصل إليه من مجلس الوزراء، وفى هذه الحالة فإن الرئاسة لا تعود
مركز توجيه العمل الوطنى، وإنما تصبح توقيعا وختما على المراسيم، يحولها
إلى قوانين!!».



وبدت عليه أعراض تحيُّر، وقال:



ــ «كلامك فيه منطق، و«أسامة الباز» له معى تجربة طويلة!».



قلت: «هو موضع ثقتك وهذا مهم، وأنا أعرف أن «أسامة» لديه «شطحات
بوهيمية» فى بعض الأحيان، لكنه من المحتمل أن بعض ذلك عائد إلى أنه يعمل
بلا مكتب وبلا مؤسسة معه، وإنما هو رجل وحده، وهذا ما قصدته ــ بصراحة ــ
حين قلت لك إن الرئاسة تعمل بمنطق «البائع المتجول».



وقال بما بدا لى أنه على استعداد للبت فورا فى المسألة:



ــ «لك حق، ولابد أن يفهم «أسامة» أن عليه العمل بطريقة منظمة».



ثم رفع سماعة التليفون وطلب توصيله بـ«أسامة الباز»، وبعد خمس دقائق دق التليفون ورفع الرئيس سماعته، ثم التفت إليَّ يقول:



ــ «هل رأيت ــ «أسامة» ليس هنا، بحثوا عنه فى كل مكان، ولم يعثروا له على أثر».



وقلت دفاعا عن «أسامة»:



ــ «لابد أنك كلفته بمهمة فذهب إليها».



وقال «مبارك»: «سوف أرسله إليك فى مكتبك، وقل له كل ما تتصوره حتى أناقشه معه وأقرر».



●●●



وقارب اللقاء نهايته، وبينما أهُمْ بالقيام ــ استدعى الرئيس «مبارك»
أحد أفراد سكرتاريته، وطلب منه أن يكتب على ورقة كل أرقام التليفونات
الخاصة بمكتبه، بما فيها تليفونه الشخصى، طالبا أن أتصل به «فى أى وقت».



وقلت للرئيس:



«إن هذه رخصة أعتز بها لكنى لا أنوى استعمالها، وأفضل ترك أمر الاتصال
فى أى وقت له، فهو رجل مشغول على الآخر، وجدول أعماله يجب أن يكون ملكه،
دون إلحاح عليه من أحد».



وأضفت: «لو أننى استعملت هذا الترخيص الذى تفضَّل بإعطائه لى، لما كففت
عن إبداء الملاحظات، وأول الدواعى أننى مختلف مع مجمل السياسات المُعتمدة،
وإذا رُحت أبدى رأيا فى كل ما أشعر بالقلق منه، فسوف أجد نفسى أقوم بدور من
«لا يعجبه العجب»، وذلك دور لا أحبه!!».



ورحنا نمشى نحو الباب، ولمح «مبارك» مصوِّر الرئاسة المشهور، الأستاذ
«فاروق إبراهيم» يتحرك من بعيد، والتفت نحوى قائلا: «دعنا نلتقط صورة معا»،
وقلت للرئيس صراحة: «أننا نستطيع أن نستغنى عن الصورة، وربما كان ذلك
أفضل».



ووقف فى مكانه وتطلع إليَّ وهو يعلِّق: «غريبة ــ الناس يجيئون إلى مقابلتى وليس لديهم غرض إلا هذه الصورة».



وقلت: أننى كنت أقابل «جمال عبد الناصر» مرتين وثلاث مرات فى الأسبوع،
وكذلك «السادات»، وكانت اتصالاتنا التليفونية عدة مرات كل يوم، ومع ذلك لم
تُنشر صورة للقاء، ولا خبر عن اتصال تليفونى، وأنا لا أفهم «بدعة» نشر
أخبار أو صور لقاءات الصحفيين مع الرئيس، لأن هذه «طبائع أشياء»، و«طبائع
الأشياء» ليست خبرا ــ وتدارك قائلا: «والله لك حق، إننى أقابل كل الناس
ولا يحدث شيء، لكنه عندما «عرفوا» أننى سأقابلك ــ «ولعت «اللمبة الحمراء»
فى الصحافة وفى الحكومة وفى الحزب».



ولم أملك نفسى، فقلت:



«سيادة الرئيس.. هل هناك بالفعل حزب؟!».



وهز رأسه قائلا: «أنت مصمم على رأيك فى الحزب، الحزب مهم فى الاتصال بالناس وفى «تمرير القرارات»، ولفتت الكلمة الأخيرة نظري!!».



●●●



ومساء نفس يوم المقابلة اتصل بى «أسامة الباز»، ومر علىَّ فى مكتبى،
يحمل فى يده دفترا من الـ Yellow Pad الذى يستعمله القانونيون فى الولايات
المتحدة الأمريكية، وبادرنى قبل أن يجلس أمامى:



ــ ما الذى اقترحته على الرئيس؟!!



ورويت له أطرافا تخصه مما دار فى حديثى مع «مبارك»، وكان رده:



ــ «أنت تضيع وقتك، هو له طريقة فى العمل مختلفة، وهو يفضل أن يسمع من هنا ومن هناك، ويتصرف بما يرى (وهذا كلام لك)، وسوف ترى.



وهو لن ينشئ وزارة لشئون رئاسة الجمهورية، ولن يعيننى وزيرا لها».



وتشعَّب الحديث بيننا، وأثناء خروجى لاحظ «أسامة الباز» وهو يمر عليَّ
حيث أجلس فى مكتبى، أن هناك أوراقا كثيرة مكتوبة بخطى، وبمعرفة سابقة
ووثيقة فإنه قال لي: «أراهن أن هذه الأوراق كلها نقط حديثك معه».



وقلت: «إن ما خطر له صحيح».



في الحلقة القادمة:

في باريس حكايات أخري ! .. الرئيس الفرنسي (ميتران) يسأل عن (مبارك)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خالد محمود
راكب درجه اولى
راكب درجه اولى


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 565
نقاط : 956
تاريخ التسجيل : 18/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مبارك وزمانه من المنصة الى الميدان للقراءة المباشرة   الأحد يناير 29, 2012 12:27 pm

ربما كان اختيار «مبارك» دون غيره من «المرشحين
المحتملين» نوابا لرئيس الجمهورية ــ مفاجئا لى (رغم كل ما كنت عرفته من
علاقات سابقة بين الرجلين، خصوصا تلك التجربة المشتركة فى «الخرطوم»!)، لكن
احتمال اختياره ــ كما أبدت لى الظروف ــ لم يكن على الأرجح مفاجئا لغيرى.




وفى الواقع فإن «احتمال اختياره» تبدَّت له أمامى إشارات عابرة، وفى بعض
الأحيان غامضة، وكانت فى مجملها تكشف تباعا لمحات يصعب إهمالها ــ وكانت
فاتحة الإشارات ما حدث ذات صباح من يناير 1982 فى قصر «الإليزيه» فى باريس،
وكنت على موعد مع «فرانسوا ميتران»، وكانت تلك مقابلتنا الأولى بعد أن
أصبح رئيسا لفرنسا.



كنت قد عرفت «فرانسوا ميتران» مبكرا عندما كان رئيسا للحزب الاشتراكى،
ودعوته لزيارة القاهرة، ولبَّى الدعوة، ومن يوم 25 يناير 1974 ولعشرة أيام
كان الرجل ضيفا على «الأهرام» وعلىَّ فى مصر، وبالطبع كنت ألقاه كل يوم
تقريبا، كما رتبت أن يشارك فى جلسات متعددة مع خبراء من مركز الدراسات
السياسية والإستراتيچية ــ ومع عدد من مفكرى «الأهرام» وقتها، وفى هذه
الجلسات جرت مناقشة قضايا عديدة سواء فى السياسة الدولية، أو فى التحولات
الكبرى التى ظهرت بوادرها على الأفق مع تلك المرحلة الأخيرة من الحرب
الباردة.



وقد كتب «ميتران» بعد ذلك فى كتاب له عنوانه «حبة فى السنبلة» ــ فصلا
كاملا عن لقاءاتنا معا، وعن الحوارات التى شارك فيها مع من دعوت من زملائى،
كما أنه اهتم فى هذا الفصل من الكتاب طويلا بالعلاقة التى رآها بين الرئيس
«السادات» وبينى، وكنت قد اصطحبت الزعيم الاشتراكى معى إلى مقابلة معه فى
بيته فى الجيزة.





الإهداء الذي كتبه الرئيس الفرنسي
فرانسوا ميتران لكتابه (حبة في السنبلة) لمحمد حسنين هيكل وقد خصص فيه
فصلاً كاملاً لزيارته لمصر ولقاءاته في ها وترجمة الإهداء: إلي محمد هيكل
بصداقة واحترام، وربما تتعرف - كما آمل - في صفحات هذا الكتاب علي لقاءات
واهتمامات مشتركة. فرانسوا ميتران



وبعد تلك الزيارة إلى مصر أوائل سنة 1974، فإن علاقتى مع «فرانسوا
ميتران» توطدت أكثر بلقاءات متكررة فى باريس معظمها فى بيته فى حى «سان
چيرمان»، حيث كنا نجلس ساعات الصبح فى مكتبه بالدور العلوى من بيته، ثم
نخرج مشيا على الأقدام إلى الغداء فى مطعم «ليب» على ناصية قريبة، ونجلس
لحديث يسترسل دون مقاطعة ودون تحفظ.





فرانسوا ميتران



●●●



وفى مايو 1981 ــ انتخب «ميتران» رئيسا لفرنسا، ثم وقع بعدها بأسابيع
أننى وجدت نفسى فى سجن «طرة» مع كثيرين. ومن وراء الأسوار فى «طرة» تسرب
إلينا أن الرئيس «ميتران» اتخذ موقفا معارضا ومعلنا ضد اعتقالات سبتمبر فى
مصر، وبلغنا أنه دعا المكتب السياسى للحزب الاشتراكى لاجتماع خاص، وأدان
هذه الاعتقالات، ولم يكن «ميتران» يستطع إعلان إدانته لها كرئيس للدولة
الفرنسية، وكان حله أن يعلنها كرئيس للحزب الاشتراكى، ووصل إلينا أيضا أن
الرئيس «السادات» غضب وهدد بقطع العلاقات مع فرنسا، لأنها تدخلت فى الشأن
المصرى، حتى وإن كان رئيس الدولة الفرنسى قد أبدى رأيه بوصفه رئيسا للحزب
الاشتراكى!







●●●



وهكذا ومع أول رحلة قمت بها لأوروبا بعد الإفراج عنا ــ بعثت إلى الرئيس
«ميتران» فى يناير 1982 أبلغه بموعد قدومى إلى «باريس»، ومدة بقائى فيها،
تاركا له أن يحدد موعدا نلتقى فيه، ثم كان أن اتصل بى مكتبه يبلغنى دعوة
على الإفطار مع الرئيس فى الساعة الثامنة والنصف «صباح الاثنين المقبل».



وعلى الإفطار ومع حديث استمر أكثر من ساعة ونصف الساعة، سألنى «ميتران»
عن علاقتى بالرئيس الجديد «مبارك»، وهل أنها طبيعية أو عاصفة، كما كانت مع
الرئيس «السادات» فى سنواته الأخيرة، وقلت: «إننى التقيت الرئيس الجديد
أخيرا ولعدة ساعات، وأنه يبدو لى رجلا معقولا، يستطيع أن يتعلم من منصبه
ويكبر فيه» ــ ولاحظت أن «ميتران» يسمعنى مهتما، دون أن يبدو منه رد فعل،
وكانت ملاحظته الوحيدة بإشارة سريعة قوله: «على أى حال إن بعض الناس عندنا
يعرفونه جيدا».



وسألته عما يعنيه بهذه الإشارة، وكان رده بنصف ابتسامة، إيماءة إلى
تعبير مأثور عن الكاردينال «ريشيليو» السياسى الأكبر فى بداية التاريخ
الفرنسى، وهو تعبير Raison d’etat «أسباب دولة»، وتشعب بيننا الحديث، لكنه
لفت نظرى أن «ميتران» ذكر أكثر من مرة بعد ذلك اسم الكونت «ألكسندر دى
ميرانش» الذى كان مديرا للمخابرات الخارجية الفرنسية SDECE، وبتجربة صحفى
فقد راودنى الإحساس بأن هناك فى باريس مَنْ يعرف أكثر عن الرئيس المصرى
الجديد، وأن «دى ميرانش» أحدهم.



●●●



وكنت أعرف الكونت «ألكسندر دى ميرانش» من تجربة سابقة رتب لها ــ أيضا
ــ رئيس فرنسى (سابق) ــ هو الرئيس «چيسكار ديستان»، الذى قابلته منذ خمس
سنوات، وفى صالون نفس المكتب (الذى أقابل فيه «ميتران» الآن).



وفى ذلك اللقاء مع «چيسكار ديستان» كنا جالسين فى الصالون الملحق
بالمكتب الرئاسى على مقعدين متواجهين وبيننا مائدة للشاى من طراز «لويس
الخامس عشر»، وتحت «چيسكار ديستان» رقدت كلبته «أنتيجون»، وقد أراد تبرير
وجودها بأنها لا تستطيع أن تبتعد عنه، بل هى دائما وراءه من غرفة نومه إلى
قاعة مكتبه، وحين ناولها قطعة صغيرة من فطائر وضعوها فى طبقه، وجد مناسبا
ــ فيما أظن ــ أن يشرح لى مبررا إضافيا لحضورها قائلا: «هى لا تتكلم،
وإخلاصها بغير حدود وكتمانها مضمون ومأمون» ــ ثم أضاف: إن ذلك الإخلاص
المتجرد نادر فى العلاقات بين البشر!!).



وطال الحديث وتشعَّب وبدا لى أن الرئيس «ديستان» مشغول بأفريقيا، وحديثه
مركز عليها، واعتقاده أن تغلغلا شيوعيا يتسرب حثيثا إليها، ثم إلحاحه: «أن
العرب يجب أن يتمثَّلوا خطورة الأوضاع فى أفريقيا، لأن التحدى الذى يواجهه
العرب والغرب معهم ــ تحدٍ خطر!!».



وأسهب الرئيس «ديستان» فى الشرح: «1ـ قناة السويس مازالت مغلقة، رغم انتهاء حرب «يوم الغفران» (هكذا وصف الرئيس الفرنسى حرب أكتوبر).



2ـ وإمدادات النفط من الخليج تضطر للدوران حول أفريقيا عن طريق «رأس
الرجاء الصالح» لكى تصل إلى أوروبا وإلى أمريكا. وأمريكا تستطيع أن تستغنى
عن البترول العربى مؤقتا، وأما أوروبا فذلك بالنسبة لها مستحيل.



ودوران ناقلات البترول حول أفريقيا على الممرات البحرية المحيطة بالقارة
مكشوف أمام نشاط سوڤييتى يتغلغل فى القارة بجهد يزيد، خصوصا فى القرن
الأفريقى، وبالتحديد فى أثيوبيا (وكان نظام «منجستوهيلا مريم» يحكمها وهو
لا يخفى هويته الشيوعية).



3 ــ وأوروبا لا تستطيع أن تقبل هذا الانكشاف للممرات البحرية التى تسير عليها ناقلات البترول الغربية.



وبما أن فتح قناة السويس أمام ناقلات البترول مازال معلقا، لأنه مرهون
باتفاقيات سلام بين مصر وإسرائيل مباشرة، وبين العرب وإسرائيل بطريق غير
مباشر ــ إذن فإن الضرورات تفرض الحد من النفوذ السوڤييتى داخل القارة بكل
الوسائل.



4 ــ إن فرنسا اهتمت منذ «ديجول» بوجود سياسى فرنسى ومؤثر فى القارة
يحفظ مصالح كثيرة، ويحفظ كذلك صلات حضارية لها قيمتها، وذلك ما دعا «ديجول»
إلى إنشاء منظمة «الفرانكفونية»، لكن هذه المنظمة قاصرة فى فعلها السياسى
على عكس منظمة «الكومنولث»، لأن الأقاليم الإنجليزية من أفريقيا (يقصد
الدول الأفريقية التى كانت تخضع للاستعمار البريطانى، والتى اعتمدت اللغة
الإنجليزية)، انضمت إلى «الكومنولث» البريطانى (وهو تنظيم اقتصادى)، فى حين
أن فرنسا اختارت الثقافة رابطا عن طريق منظمة «الفرانكفونية»، باعتبار
اللغة الفرنسية أساسا مشتركا، لكن «الفرانكفونية» غرقت فى الأدب والثقافة،
ونسيت الإستراتيچية والسياسة، ربما تحت تأثير «سنجور» (زعيم السنغال)،
ويستدرك الرئيس الفرنسى: لا تنس أن «سنجور» شاعر! ـ وإذا كان ذلك، فقد كانت
تكفينا عضوية «اليونيسكو» (منظمة الثقافة والعلوم)، دون داعٍ لـ
«الفرانكفونية» ــ وسألنى «جيسكار ديستان» إذا كان عندى ما يمنع من مقابلة
«ألكسندر دى ميرانش»، مع العلم بأنه مدير المخابرات الخارجية الفرنسية،
لأنه الرجل الذى يعرف أكثر من غيره عن الخطر السوڤييتى فى أفريقيا، وطرق
التصدى له! ــ (وكانت تلك أول مرة أسمع فيها اسم الرجل أو أعرف شيئا عنه).



وقلت «إننى أقابل كل من أستطيع أن أعرف منه جديدا».







●●●



وعلى أى حال فقد انتهت مقابلتنا يومها، بأن قال لى الرئيس «ديستان»: إنه
سوف يطلب إلى «ألكسندر»، وهو يقصد الكونت «ألكسندر دى ميرانش» أن يتصل بى
فى الفندق الذى أقيم فيه.



وكذلك قابلت «دى ميرانش» لأول مرة، ومن المصادفات أننى عرفت منه قرابته
(ابن عم) لصديقة قديمة هى الكونتيسة «تيريز دى سان فال» وهى ــ وقتها ــ
مديرة النشر فى «فلاماريون» أكبر دور النشر فى فرنسا، وهى تحوز حق نشر كتبى
فى اللغة الفرنسية.



وعندما جاء «دى ميرانش» إلى لقائى فى فندق «الكريون» (الذى كنت أقيم
فيه)، إذا هو يدعونى إلى صالون حجزه فى نفس الفندق لكى نتحدث بعيدا عن
الجالسين غيرنا فى صالون «الإمبراطورية» حيث انتظرته، وظهر أن أحد مساعديه
رتب ــ حيث حجز ــ شاشة عرض ظهرت عليها خريطة أفريقيا وخطوط طرق الملاحة
البحرية حولها، مع بيان لعدد وحمولة ناقلات البترول التى تتقاطر على
مسالكها كل يوم.



وجلسنا أمام الشاشة الكبيرة، وراح «دى ميرانش» يشرح والخرائط على الشاشة
تتغير، وبعض الصور تظهر ومعها لمحات من وثائق وجداول وأرقام، متوافقة مع
سياق العرض!!



ــ وكان «دى ميرانش» يتدخل بين الحين والآخر بتعليقات فيها التركيز
الشديد على أن فرنسا مازالت قوة كبرى، حتى وإن قبلت باستقلال مستعمراتها!!



ــ وأن أفريقيا مازالت تهمها (وهى لا تستطيع أن تنسحب منها كما فعلت فى آسيا عقب استقلال «ڤيتنام»).



ــ وأن «فرنسا» دولة متوسطية لا تقبل بأى خطر يهدد المتوسط ــ والمتوسط هو «سقف» أفريقيا!!



●●●



وانتهى العرض وراح «دى ميرانش» يتوسع فى الشرح بأن «فرنسا» هى أكبر
مستهلك للطاقة فى القارة الأوروبية، وهى لا تملك مباشرة نفوذا على مصادرها
فى الخليج، ولذلك فإن حياتها وحياة المجتمع الأوروبى الذى تنتمى إليه معلقة
على بتروله، وهى تعتبر نفسها شريكا رئيسيا فى تأمينه، وفى ذلك فإنها
تتعاون مع عدد من دول المنطقة، وقد أنشأوا معا «تعاون فعل» (Cooperation
D’action).



أضاف «دى ميرانش» أنه من حسن الحظ أن بعض القوى المعنية فى الشرق الأوسط
دخلت مع فرنسا فى هذا «التعاون فى الفعل»، وأن «فرنسا» هى التى أقنعت
أمريكا وإسرائيل بأن لا تدخلا ضمن مجموعته، حتى لا تؤثر شكوك العرب فيهما
على صدق «تعاون الفعل»، بل وقع الاتفاق على أن تكون كلاهما ــ الولايات
المتحدة وإسرائيل ــ على علم ــ ومن مسافة بما تقوم به المجموعة، وهذا
ضرورى حتى لا يحدث صدام بين الخطط فى الظلام.



وقال «دى ميرانش»: «إنهم اختاروا للمجموعة عنوان «سفارى» (السفر فى
الغابات)، لأن نشاط المجموعة الأصلى فى أفريقيا، وقد اختاروا اسما رومانسيا
«بالكود» لا يستطيع تحديد معناه أحد إلا إذا كان طرفا فى اللعبة!!



وأضاف «دى ميرانش» أنه من حسن الحظ أن رجالا مثل الملك «الحسن» (فى
المغرب)، والملك «فيصل» (فى السعودية)، والشاه «محمد رضا بهلوى» (فى
إيران)، والرئيس «السادات» (فى مصر) ــ توفر لديهم بُعد النظر والجسارة لكى
يتعاونوا مع فرنسا فى هذه المهمة التى تعنيهم وتؤثر على مصالحهم الحيوية!!





الملك الحسن





واستطرد «دى ميرانش» إلى تحديد المخاطر التى تهدد أفريقيا، بلدا بعد
بلد، وكان تركيزه على القرن الأفريقى واضحا، وبعده على الكونجو وأنجولا.



وقال «دى ميرانش»: هذا فى الواقع «تعاون فعل» إستراتيچى، يحقق مصالح
مشتركة، ولذلك فإن تنفيذه تم بمعاهدة خاصة ومغلقة بين الدول الخمس.





الملك فيصل



وسألته ــ دون تعليق حتى لا أصد تدفقه فى الشرح ــ عما إذا كانت الدول
العربية التى وقَّعت على الاتفاق (فى الواقع معاهدة) تعرف أن هناك تنسيقا
مع الولايات المتحدة ومع إسرائيل، وكان جوابه دون تردد:



«إنهم بالطبع يعرفون، لكننا أعفيناهم جميعا من الحرج، وعهدنا بالتنسيق
مع أمريكا إلى «إيران»، ثم إن الولايات المتحدة فى إطار علاقاتها الخاصة مع
إسرائيل تتولى إحاطتها علما بما يصح لها أن تعرفه!».







●●●



وكان «دى ميرانش» يظهر اهتماما خاصا بالسعودية، لاعتقاد عنده ــ أفاض فى
شرحه ــ بأن الإسلام يجب أن يلعب دورا أساسيا فى حماية النفط، وكان قوله
«إنه من حسن الحظ أن أكبر منتج للنفط هو نفسه بيت الأماكن المقدسة لدى
المسلمين، و«فرنسا» لا ترى على الإطلاق صداما بين الإسلام وأوروبا، وبالعكس
فإن «فرنسا» من أنصار حوار أديان بين الإسلام والغرب، وقد بدأوا بالفعل
جهودا مشتركة مع علماء السعودية، وهذه الجهود تلقى تشجيعا من مصر (وكان ذلك
صحيحا وإن كان علماء السعودية قد استشعروا الحرج من هذا الحوار، وكان أن
أحد مشايخ الأزهر السابقين تحمس لمواصلته فى مصر، وأنشأ فى تلك الجامعة
الإسلامية العريقة (الأزهر) مركزا خاصا لهذا الحوار!).



كان رأى «دى ميرانش» وقد قارب على نهاية عرضه «أن المفكرين العرب لابد
لهم أن يساعدوا على تفاهم حضارى، بين روح الإسلام وروح أوروبا». أضاف أن
«مصر» لها جهود سابقة فى هذا المجال منذ «ذهاب نابليون بونابرت» إلى مصر،
وصحيح أن جهود مصر السابقة كانت مدفوعة بمطلب التنوير، إلا أن إرث الثقافة
لابد أن يؤدى إلى حماية المصالح الحية لأصحابه»!!



وكنت أسمع باهتمام متفكرا فى مقدرة الدول الكبرى على عرض مصالحها
الدائمة فى ظروف متغيرة، وكيف تغطى فعل حرب خفية فى الواقع بغطاء الثقافة
والحضارة ــ وحتى الأديان!!



(ثم لقيت «دى ميرانش» مرة ثانية بعد ذلك فى مكتبه، وكان هذه المرة قد
أضاف إلى اهتمامه بأفريقيا اهتماما مستجدا بأمريكا الوسطى وبكوبا).



●●●



ومرت سنوات وتغيَّر ساكن قصر «الإليزيه»، وخرج «ديستان» ودخل «ميتران»،
وجاء لقائى معه الذى أشرت إليه قبل قليل، والذى تحدَّث فيه بغموض عن «الذين
يعرفون مبارك»، وعن مصلحة الدولة Raison D’Etat، وتردَّد فيه اسم «دى
ميرانش» أكثر من مرة، وكذلك تصورت أن أحاول لقاءه مرة ثانية، وتوافقت
الظروف مع المطالب فإذا بـ«دى ميرانش» نفسه يحاول مقابلتى، وكان وسيطه هذه
المرة «ابنة العم» كما يسميها ــ الكونتيسة «تيريز دى سان فال» (مديرة
النشر فى مؤسسة «فلاماريون»)، والتى اتصلت بى تقول «إن ابن عمها يرغب فى
لقائى، لأنه يريد أن يصحح لى بعض ما نشرته فى كتابى عن الثورة الإيرانية
«عودة آية الله» The Return of Ayatollah.



وكانت بعض الفصول من الكتاب قد بدأ نشرها فى جريدة «الفيجارو»، تمهيدا
لصدوره عن دار «فلاماريون» ــ وكنت فى ذلك الكتاب قد خصصت فصلا كاملا
تعرَّض لأول مرة لسر مجموعة «السافارى»، فقد اطلعت على نصوص المعاهدة التى
أنشأت المجموعة، وكان اطلاعى عليها فى قصر «نياڤاران»، حيث المقر الرسمى
لعمل ومعيشة شاه إيران، وكان «آية الله الخمينى» قد وجَّه بتسهيل اطلاعى
على ما أريد من وثائق العصر الذى قامت الثورة الإيرانية لإسقاطه!



وكانت وثيقة إنشاء المعاهدة وتوقيعها فى اجتماع خاص عُقد فى «جدة»، وقد
نشرت أهم نصوصها فى الكتاب، ومع النصوص أسماء من وقَّعوا عليها نيابة عن
رؤسائهم، وكان نشر الأسماء قد أحدث ضجة كبرى ذلك الوقت، فقد كان الموقِّعون
المفوضون خمسة:



ــ الكونت «دى ميرانش» نفسه (مدير المخابرات الخارجية الفرنسية) ــ عن الرئيس «ديستان».



ــ و«كمال أدهم» (مدير المخابرات العامة السعودية ـ عن الملك «فيصل»).



ــ والچنرال «أحمد الدليمى» (مدير المخابرات المغربية ــ عن الملك «الحسن»).



ــ والچنرال «نعمة الله ناصري» (مدير الساڤاك ــ المخابرات الإيرانية ــ عن الشاه «محمد رضا بهلوى»).



ــ ثم الدكتور «أشرف مروان» (مدير مكتب الرئيس للمعلومات ــ عن الرئيس «أنور السادات»).





●●●



والآن كان الموضوع الذى تضايق منه «ألكسندر دى ميرانش» وجاء يطلب
تصحيحه، هو ما قلته عما جرى لأحد نوابه، وكيف سُرقت منه حقيبة أوراقه أثناء
مروره من مطار «الدار البيضاء» عقب اجتماع سرى فى المغرب، ثم إن هذا
الچنرال جرى لومه على أن عملاء سوڤييت (بالطبع ــ ومن غيرهم؟!!) استطاعوا
أن يسرقوا حقيبة أوراقه، وفيها أسرار مهمة، وكنت فى الكتاب قد أضفت أن
الچنرال الفرنسى المسئول جرى قتله بعد ذلك، وقيل إن ذلك كان عقابه!!



وكان ما ضايق الكونت «دى ميرانش» أن ما قلته فى الكتاب قد يوحى بأنه هو
«دى ميرانش» ــ رئيسه المباشر ــ مَنْ أصدر الأمر بتصفيته عقابا له، والآن
كان «دى ميرانش» يطلب منى أن أضيف توضيحا إلى الطبعة الفرنسية من الكتاب
(على الأقل)، وقد عرف من ابنة عمه (الكونتيسة «دى سان فال» ــ مديرة النشر
فى «فلاماريون») أنه على وشك الصدور، وإلا فإنه سوف يضطر آسفا إلى رفع قضية
«قذف» على «فلاماريون» كناشر للكتاب، وعلىَّ معها كمؤلف له!!



وكان «دى ميرانش» فى ذلك الوقت، ومن قبل دخول «فرانسوا ميتران» إلى قصر «الإليزيه» قد اعتزل منصبه!



والآن أصبح حرا، وانفكت إلى حد ما عقدة لسانه، بل إن حديثه أصبح أكثر تدفقا وحيوية.



●●●



والتقينا ومعنا فى بداية اللقاء ابنة عمه «تيريز دى سان فال»، وكنا هذه
المرة جالسين فى ركن على بركة السباحة فى حديقة فندق «ريتز» فى ميدان
«فاندوم» الشهير، بعامود الصلب الذى صنعه «نابليون بونابرت» من المدافع
التى غنمها فى معركة «استرليتز»!!



ومع أن موعدنا كان العاشرة صباحا، فقد أدهشنى أن «دى ميرانش» وقد سألته
إذا كان يريد فنجان قهوة، أنه أجاب بسؤال عما إذا كان يضايقنى أن يطلب كأسا
من «الويسكى».





وربما بتأثير ذلك الغموض فى إشارة الرئيس «ميتران» قبل أيام إلى أن هناك
«عندنا من يعرفون الرئيس المصرى الجديد»، ثم تردد اسم «دى ميرانش» بعد ذلك
مرتين على الأقل، أننى سألته مباشرة:



ــ يظهر أنك تعرف رئيسنا الجديد، كذلك أحسست من إشارة أثناء لقاء مع الرئيس الفرنسى «ميتران» أول هذا الأسبوع.



ونظر إلىَّ «دى ميرانش»، وعيناه تلمعان:



ــ طبعا.. طبعا أعرفه، لقيته فى إطار مجموعة «السافارى» التى أذكر أننى حدثتك عنها قبل سنوات.



فى البداية: كان «أشرف مروان» هو الذى يمثل الرئيس «السادات» فى المجموعة.



وبعد سنتين غاب «أشرف مروان» وحل محله «مبارك»!





●●●



ثم راح «دى ميرانش» يتحدث منطلقا فى الحديث، وربما طمأنه أنه الآن عرف
أننى على اتصال برئيسين فرنسيين: «چيسكار ديستان»، والآن «فرانسوا ميتران».



وتحدَّث «دى ميرانش» عن نشأة المجموعة، وكيف أنها بدأت فى منتصف
السبعينيات، وبعد سقوط الرئيس «ريتشارد نيكسون» بسبب فضيحة «ووترچيت» سنة
1974، وبسببها ــ أيضا ــ فإن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (C.I.A)
وهى العملاق الأكبر فى عالم المخابرات تعطَّلت، لأنها أصبحت موضع تحقيقات
واسعة فى الكونجرس، بعدما ظهر تورطها فى العمل داخل الولايات المتحدة
نفسها، على عكس قانونها ــ ثم زاد أن الرئيس الأمريكى الجديد ــ بعد خروج
«نيكسون» من البيت الأبيض ــ وهو الرئيس «جيرالد فورد» قرر هو الآخر إنشاء
لجنة خاصة ــ رأسها نائبه «نلسون روكفللر» ــ للتحقيق فى تجاوزات وكالة
المخابرات المركزية الأمريكية التى طال لهذه الأسباب تعطلها، خصوصا بعد أن
قام الكونجرس بتجميد الاعتمادات المالية المرصودة لها.



ويستطرد «دى ميرانش»:

«وفى ذلك الوقت وجدنا أننا من المحتم علينا أن نتحرك على مسئوليتنا،
ودعونا أصدقاءنا وأصدقاء الولايات المتحدة كى يتعاونوا معنا، وكانت المملكة
العربية السعودية جاهزة بالتمويل، وكنتم أنتم فى مصر مستعدين بمعسكرات
التدريب، وكان المغرب مستعدا بعناصر بشرية، وكان شاه إيران داعما بكل
الوسائل (At large).



وكان «أشرف مروان» ممثل مصر، ثم اختفى ــ كما قلت لك ــ وظهر «مبارك» نائب الرئيس.



ثم توقف «دى ميرانش» بطلب كأس آخر من الويسكى، ثم استأنف حديثه:



ــ «تسألنى عن «مبارك» ــ أعرفه ــ أعرفه طبعا يا صديقى، كان معنا فى
جلسات «السافارى»، حيث عقدناها فى «جدة» مرات، وفى «القاهرة» مرات، وفى
«طهران» مرات، وفى «المغرب» مرات، لكننا لم نعقد اجتماعات كثيرة فى
«فرنسا»، حتى لا تتصور واشنطن أننا نريد هيمنة على المجموعة.



كانت الـ C.I.A حساسة جدا، مع أننا كنا نطلعهم على كل شىء، وكانوا
يقومون بإطلاع إسرائيل التى طلبت أن تشارك فى نشاطنا، لأن لها موارد
مخابراتية لها قيمتها فى أفريقيا، ولكننا اعتذرنا عن طلبها حتى لا تشعر
السعودية بالحرج، ولم يكن هناك حرج لدى المصريين ولا لدى المغاربة، فلديهم
علاقات مباشرة مع إسرائيل!».



وعاد «دى ميرانش» إلى ذِكر «مبارك»: «نعم.. نعم أعرفه، كان معنا لسنوات».



وارتكبت خطأ فيما أظن، فقد سألته عن مجال ما كان «مبارك» مهتما به،
ويظهر أن السؤال أثار لديه طبائع رجل المخابرات، فقد توقف متحفظا «بأنه لا
يستطيع أن يدخل فى تفصيل عمليات بالذات!».



وبينما كان لقاؤنا يقارب نهايته، أضاف «دى ميرانش» لمحة أخرى عن «مبارك»
ـ فقد قال: «أنه «تابَع» «مبارك» منذ أن ظهرت صورته لأول مرة «أمامهم» فى
أجواء صفقة طائرات «الميراچ» التى عقدتها ليبيا مع فرنسا سنة 1971، وهى
صفقة كبيرة حجمها 106 طائرات».



وقال «دى ميرانش»: «كنا نعرف أن ليبيا تعقد هذه الصفقة لصالح مصر
ولمساعدتها فى حرب 1973، ولذلك رحنا نراقب باهتمام، وفى الواقع فقد رصدنا
وفد المفاوضات الذى بدأ التفاوض فى الصفقة مع شركة «طومسون» وكانوا جميعا
ضباطا من سلاح الطيران المصرى «أعطوهم» جوازات سفر ليبية لإقناعنا أنهم
ليبيون، لكننا عرفنا حقيقة أمرهم» ــ أضاف «ذلك لم يعد الآن سرا».



واستطرد «دى ميرانش»: «فى هذا الوقت لمحت «مبارك» لأول مرة، فقد حدث
خلاف بين بعض الذين شاركوا فى مفاوضات عقد الصفقة، وكانوا قد تركوا سلاح
الطيران المصرى وكوَّنوا شركة بينهم، ثم اختلفوا واشتد خلافهم لأسباب، وظهر
«مبارك» يصالحهم مع بعضهم بالحرص على علاقاتهم معا، وهم فى الأصل من
ضباطه، وكان علينا أن نرصد كل شىء، لأن الصفقة كلها أحاطت بها ظروف غير
عادية!!



وأحسست أن «دى ميرانش» عاوده حذر رجل المخابرات القديم، فتوقفت ولم أشأ أن أعلِّق بكلمة!!



●●●



ولم أزد وبدا لى أنه لن يقول أكثر مما قال، ومع ذلك فإن «دى ميرانش» راح يردد اسم «مبارك» ويضيف وبنبرة دهشة لم يستطع إخفاءها، يقول:



«هل ترى الأقدار؟! أنا أجد نفسى الآن فى التقاعد، وزميلى السابق فى «مجموعة السافارى» على رئاسة الدولة المصرية!!».



ويضيف: و«أنا ختمت حياتى العملية فى الظل، وهو الآن يبدأ صفحة جديدة تحت الأضواء الباهرة!!».



ويزيد بصيغة التعجب: «مقادير.. مقادير يا عزيزى!!».





●●●



ومن الغريب بعدها ــ وهذه إضافة بالزيادة ــ أن التفاصيل سعت إلىَّ بعد
ذلك، وبنفسها، فقد حدث فى سبتمبر 2008 أننى كنت فى «باريس»، والتقيت مصادفة
فى صالة فندق «بريستول» بالسيد «عبد السلام جلود»، الذى كان رئيسا لوزراء
ليبيا بعد ثورة سبتمبر 1969 (وكان «جلود» فى زمانه هو الرجل الثانى فى
قيادة الثورة بعد «معمر القذافى»)، وكنت فى صالة «البريستول» أنتظر ضيفا
موعده بعد نصف ساعة، ودعوت «جلود» للجلوس فى الحديقة الداخلية للفندق، وراح
«جلود» يحكى، وتطرَّق إلى صفقة «الميراچ» مع فرنسا، مؤكدا أن قيمتها كانت 4
مليارات دولار، ثم استطرد فى التفاصيل، ومن حسن الحظ أن هذا الجزء من
الحديث جرى أمام شاهد هو ضيفى الذى كنت أنتظره أصلا، وهو الدكتور «غسان
سلامة» (المفكر اللامع ووزير الثقافة اللبنانى الأسبق، وهو الآن أستاذ فى
جامعة «باريس»)، ودعوته للجلوس مع «عبدالسلام جلود» وسألنى «جلود» بعد أن
قدمت إليه ضيفى همسا: «هل تثق فيه»؟!! – وأكدت له ثقتى فى «غسان سلامة»،
واستأنف «جلود» واستفاض فى الحديث، لكنى لا أستطيع أن أنقل كثيرا مما سمعت،
فليس لدىَّ مصدر ثانٍ يؤكد ما رواه، وفى أصول المهنة كما أعرفها أننى إذا
لم أشهد بنفسى وقائع ما أتحدث فيه، فمن الضرورى تأكيدها قبل نشرها بشهادة
مصدر ثانٍ، ولم أجد مصدرا ثانيا لما سمعت وقتها فى صالون فندق «البريستول»،
وعلى أية حال فإن «عبد السلام جلود» يستطيع تفصيل روايته إذا شاء!!





الحلقة القادمة:

هل كان واردا أن يتحول حسني مبارك إلي هاري ترومان مصري؟ .. مبارك يطلب من سراج الدين وزيراً يصلح للداخلية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
خالد محمود
راكب درجه اولى
راكب درجه اولى


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 565
نقاط : 956
تاريخ التسجيل : 18/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مبارك وزمانه من المنصة الى الميدان للقراءة المباشرة   الأحد يناير 29, 2012 12:30 pm

منذ ذلك اللقاء الأول ــ والمطول ــ مع الرئيس «مبارك»، كان بين
ما لفت نظرى ــ وبشدة ــ توسعه الشديد فى استعمال ألفاظ يصعب تداولها فى
أحاديث السياسة، ومعظمها مما تتجنبه الأعراف، وبعضها مما تطاله مواد
القانون!!




وفى ذلك اللقاء الأول لاحظ هو دهشة لعلها أفلتت إلى ملامح وجهى عندما
سمعت بعض ما كان يرد على لسانه بين الحين والحين من لفظ، وكذلك بادر إلى
شرح ما لم يكن لديه داعٍ لشرحه، قائلا «لا مؤاخذة يا محمد بيه»، ولكن هذه
التعبيرات أننى لاحظت أنها أقلقتك هى اللغة التى كنا نستعملها فى المعسكرات
والقواعد البعيدة».



وطمأنته إلى أننى بتجربة مراسل حربى قديم ــ سواء فى الحروب التى خاضتها
مصر، أو فى حروب آخرين غطيتها ــ سمعت قادة كبار يستعملون مثيلا لما وصفه
بأنه «لغة المعسكرات والقواعد»، وطمأنته أيضا إلى أننى سمعت الرئيس
الأمريكى الأشهر الچنرال «دوايت أيزنهاور» ــ يستعمل هذه الألفاظ مرات!



وأظهر اهتماما بقوله: و«كمان» أيزنهاور؟!».



ثم أضاف أنه سمع نفس اللغة عندما كان فى روسيا يدرس فى كلية «فرونز»، ثم
سمعها ــ كذلك ــ أثناء اختلاطه بالعسكريين الأمريكيين الذين التقاهم فى
تجربته، حتى كنائب رئيس، لكنه لم يخطر له أن يستعملها «أيزنهاور»!!



وعلَّق وهو يبتسم «أن الناس تسمع هذه الأسماء المشهورة فى العالم
وتنبهر، لكنه عندما يقتربون منهم كفاية يرونهم مثلنا «ويمكن أوحش»!!».



أضاف «مبارك» أن «سوزى» (يقصد السيدة قرينته)، حاولت منذ زواجهما أن
«تربينى» من جديد، وقد نجحت، واستدرك «مبارك» ــ بعفوية ــ قائلا: «إلى حد
ما»، وأضاف «أنه واعٍ لهذه المشكلة، حريص ألا تفلت منه كلمة أثناء خطاب
عام».





جمال عبد الناصر مع الجماهير أثناء حرب السويس



●●●



ولم يظهر لى بعدها أن «مبارك» حقق نجاحا كبيرا رغم محاولاته، ومحاولات
غيره، فقد حدث فيما بعد ــ أن زارنى الأستاذ «فؤاد سراج الدين» يريدنى أن
أسمع شريطا مسجلا ــ وصل إليه ــ لخطاب ألقاه وزير الداخلية ــ وقتها ــ
اللواء «زكى بدر» أثناء مؤتمر شعبى فى «قليوب»، وسمعت الشريط وإذا وزير
الداخلية يكرس فقرات طويلة من خطابه للهجوم على رئيس حزب الوفد، ثم يتجاوز
بالسب والقذف، واصلا إلى أصول العائلة وجذورها، وكان «فؤاد سراج الدين»
مستفزا وبحق، وهو يحكى لى وقائع ما جرى!!



واتصلت و«فؤاد سراج الدين» أمامى بـ «أسامة الباز»، وكان فى مكتبه
بوزارة الخارجية القديم، أسأله إذا كان يستطيع أن يمر علينا، وهو على بُعد
خمس دقائق بالسيارة من مكتبى، وبالفعل جاء «أسامة» وسمع بنفسه رواية «سراج
الدين»، وتعهَّد بأنه سوف يأخذ الشريط إلى الرئيس، وهو «يثق أنه لا يرضى
بإهانة أحد، خصوصا رجل فى مقام «فؤاد» (باشا)».



وبعد يومين اثنين اتصل بى الرئيس «مبارك» بنفسه على التليفون يقول «إنه
عرف بما وقع وحقق فيه ــ وأنه طلب من «زكى بدر» أن يعتذر لـ«فؤاد سراج
الدين» ــ وأن وزير الداخلية نفذ الأمر ــ وهو يطلب اعتبار الموضوع
منتهيا».



وأضاف «مبارك»:



إن «زكى بدر» حاول أن يلف ويدور معه، مدعيا أن شريط التسجيل مزور، ولكنه لم يعطه الفرصة، ثم راح «مبارك» يروى ما جرى بعد ذلك.



وطبقا لروايته:



«اتصل به «زكى بدر» وأبلغه أنه اعتذر فعلا لـ«سراج الدين» ــ وبأمر الرئيس ــ رغم أنه مازال مصرا على أن الشريط مزور.



وسأله «مبارك»: هل «قَبِلَ» «فؤاد سراج الدين» الاعتذار؟! ــ وكان
الرئيس «مبارك» يضحك وهو ينقل لى ما سمعه من وزير الداخلية «زكى بدر»، الذى
رد عليه قائلا له: سيادة الرئيس أنت تعرف «فؤاد سراج الدين»، هذا النوع من
الناس لا يمكن إقناعهم، فهم (......)، وكلها شتائم أقذع مما قال فى
الشريط.



واستطرد «مبارك»: تصور أنه وهو ينكر فى كلامه معى، كرر السب والقذف بأشد مما قاله علنا، و.. « »!!



ولم أتمالك نفسى فأبديت ملاحظة تساءلت فيها: «هل هذا معقول؟!».



وكانت المفاجأة أن الرئيس «مبارك» رد بقوله: «أنت لا تعرف «زكى بدر» ــ
لسانه مفلوت و(......)، وكانت كلمات الرئيس فى وصف وزير داخليته «أصعب» مما
قاله «زكى بدر» عن «سراج الدين»، ولاحظ «مبارك» بسكوتى أننى مأخوذ مما
سمعت منه هو أيضا، ثم كان تعليقه الأخير «لا مؤاخذة يا محمد بك»، يظهر أن
«الكتابة» تعلِّمكم الشعر، ولا تعرِّفكم «عن الدنيا وما فيها»!!





ثورة 1919



●●●



واتصلت بالأستاذ «فؤاد سراج الدين»، أرجوه نقلا عن الرئيس أن يعتبر المسألة منتهية، وأن «زكى بدر» على ما أظن اعتذر له.



وقال لى «فؤاد سراج الدين»: «الرئيس «مبارك» كلمنى فورا، وسألنى إذا كان «زكى بدر» قد اعتذر لى، وإذا كنت قبلت اعتذاره!!».



وأضاف «سراج الدين»: أنه يقترح أن نلتقى ظهر اليوم التالى على الغداء فى
بيته ونتحدث فى هذا الموضوع، وفى غيره من هموم الساعة، وعلى الغداء فى
بيته فى «جاردن سيتى» التقينا فى اليوم التالى، وكنا على المائدة خمسة:



«فؤاد سراج الدين» نفسه ــ والسيدة «ليلى المغازى»، وهى صديقة عائلية
قديمة رأت أحوال الفوضى فى حياة ذلك السياسى المخضرم بعد وفاة زوجته السيدة
«زكية البدراوى»، خصوصا وهى تعرف أن صحة ابنته الكبرى «نائلة» لم تكن على
ما يرام، كما أن ابنته الثانية «نادية» متزوجة وتعيش فى الكويت ــ وكذلك
اقتربت هى من حياته ترتب شئون بيته.



وكان الثالث هو الصديق ورفيق السجن المشترك «عبدالفتاح حسن» (باشا) قطب
حزب الوفد السابق، ووزير الدولة مع «فؤاد سراج الدين» فى وزارة الداخلية،
لأن «فؤاد سراج الدين» كان مسئول وزارتين فى وزارة «مصطفى النحاس» (باشا)
الأخيرة وهما: المالية والداخلية.



ثم قرينتى وأنا.



وراح «فؤاد سراج الدين» يحكى منذ اللحظة الأولى.



حكى كيف وصله شريط التسجيل (من ضابط بوليس كبير يعرفه منذ كان هو نفسه وزيرا للداخلية قبل الثورة!).



وكيف اتصل به «زكى بدر» يحاول التنصل من الاعتذار بأن الشريط مزور، وأنه
قال له «إنه كوزير سابق للداخلية لا يرضى لوزير لاحق ــ أن يراوغ كما
يراوغ أى متَّهم أمام مأمور القسم الذى احتجز فيه!».



ثم وصل «سراج الدين» إلى اتصال «مبارك» به، وإذا «فؤاد سراج الدين» يسمع
من الرئيس «مبارك» مثلما سمعت قبله فى وصف رئيس الدولة لوزير داخليته.



وقال «فؤاد سراج الدين» إنه سأل «مبارك» ــ «إذا كان ذلك رأيك فيه، فلماذا لا تغيره؟!!».

ورد «مبارك» بأن:



«كلهم رشحوه كضابط بوليس قادر على مواجهة حالة الإرهاب فى البلد، لكنه الآن يفكر جديا فى تغييره».



وواصل «فؤاد سراج الدين»:



«إن الرئيس سأله بعدها إذا كان لديه مرشح يصلح؟!».



وأجابه «فؤاد سراج الدين»:



«إن الرئيس يستطيع اختيار أى خفير فى أى بندر، ولن يكون اختياره أسوأ من اختيار «زكى بدر».

وتطوَّع «عبدالفتاح حسن» (باشا) يقول موجِّها كلامه إلى «فؤاد سراج الدين»:



«ولِمَ لمْ ترشح له (يا باشا) أحدا تعرفه بجد؟!».



ورد «فؤاد سراج الدين»، وفى رده تجربة سياسى مخضرم:



«هل يُعقل أن يطلب رئيس دولة من معارض له أن يختار مسئولا عن أمنه، بينما هو يعتبر بالتأكيد أن هذا المعارض خطر سياسى عليه؟!».



ومضى «فؤاد سراج» ملاحظا:



«أنه يستغرب أن يتخلى رئيس بهذه الطريقة عن مرءوس له، حتى وإن أخطأ،
وإنما الصواب أن يقوم بتصحيحه فيما بينهما، ومن المعقول أن يطلب إليه
الاعتذار لمن أساء إليهم، ولكن لا يكشفه أمام المعارضين ويطلب منهم ــ
بديلا يحل محله!!».



وأضاف:



«إما أن «مبارك» لا يقصد ما يقوله، وما طلبه منى «فك مجالس»، وهذا
سياسيا لا يجوز، وإما أنه على استعداد لأن يرمى أى واحد من رجاله فى البحر
لتخف حمولة قاربه، وهذا لا يطمئن!!».



●●●



وكان ظنى وقد قلت يومها على الغداء فى بيت «فؤاد سراج الدين» «إنه ليكن
ما يكون، وإننى لست مختلفا معه فيما قال، لكن البلد أمام مشكلة حقيقية».



ــ نعم الرجل لديه أسباب للقصور كلنا نراها.



ــ لكنه فى المقابل فإن الرجل يرأس الدولة المصرية فعلا، وليس هناك غيره.



ــ ومن الناحية الأخرى فليست هناك بدائل هذه اللحظة، بل ليست هناك وسائل إلى هذه البدائل.



ــ والظروف فى البلد دقيقة وشديدة، لأن أحدا لا يعرف على وجه التحديد ما يكفى من الحقائق وراء الظاهر مما يراه!!



واتفق «فؤاد سراج الدين» معى فى أشياء واختلف فى أشياء، وكان خلافه فى
الأساس قولى «إنه ليس هناك بديل»، وظنه أن حزب الوفد ليس فقط البديل، ولكنه
الأصل الشرعى الموجود.



وكان ذلك موضوعا خلافيا بين «فؤاد سراج الدين» وبينى، فقد كان رأيى أن
استحضار الماضى مثل استحضار الأرواح غير مقنع فى أبسط الأحوال!!



وقد يصبح حزب الوفد نداء لنوع من الديمقراطية، لكنه يصعب علىَّ أن أراه نداء لشكل المستقبل.



والحقيقة الراهنة أن «مبارك» هو الرئيس، وإلى جانب ذلك فليس فى مقدورنا
أن نساعده، لأن كلانا لديه تحيزات مسبقة من تأثير انتمائه إلى مرحلة معينة
فى التاريخ المصرى، ومع تسليمى بتواصل المراحل، فإن كل مرحلة لها خصائص،
وأيضا لها مسئوليات!!



وكان اقتراحى على «فؤاد سراج الدين» «أن يحاول كل من يستطع مساعدة الرجل
على أن ينمو بتجربته الخاصة، وذكَّرته بالرئيس الأمريكى «هارى ترومان»
الذى كان نائبا للرئيس، ثم رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية بعد وفاة
قائدها الأشهر «فرانكلين روزفلت» ــ بينما الحرب العالمية الثانية ضد
«هتلر» مازالت تجرى، و«روزفلت» كان قائد التحالف الكبير الذى يخوض الحرب ضد
«هتلر»، وهناك قرارات كبرى تنتظر أمره، وأولها قرار استخدام الأسلحة
النووية لأول مرة فى حرب (ضد اليابان)».



وأضفت «أن «ترومان» بدا لكل المهتمين بمستقبل العالم ــ آخر رجل يمكن
الاعتماد عليه فى قيادة معركة المستقبل العالمى، سواء لإنهاء الحرب أو
بعدها، حتى وإن لم يكن سلاما، لكن النخبة فى الولايات المتحدة وقفت مع
الرئيس الجديد وأعطته الفرصة، وقد كبر الرجل ونضج بتجربة المسئولية، وأصبح
من أبرز الرؤساء الأمريكيين فى القرن العشرين».



ولم يبدُ على «فؤاد سراج الدين» أنه اقتنع بإمكانية أن يتحول «حسنى مبارك» إلى «هارى ترومان» مصرى.



وتدخَّل «عبدالفتاح حسن» (باشا) فى الحوار مرة ثانية، يقول موجِّها الكلام لـ«فؤاد سراج»:



«ما رأيك يا باشا أن ينضم («هيكل») إلى الوفد، ويكون من ذلك لقاء بين
الثورتين (يقصد سنة 1919 وسنة 1952) ــ وفى حين أن «فؤاد سراج الدين» التفت
متحمسا إلى السيدة «ليلى المغازي» يطلب منها أن تذهب بسرعة إلى غرفة مكتبه
وتجىء باستمارة عضوية لحزب الوفد ــ فقد قلت من جانبى: «إن «عبد الفتاح
حسن» (باشا) لا يريد أن يقتنع بأنى صحفى فقط، لا دخل له بالتنظيمات
السياسية، إلى جانب أننى من مؤيدى ثورة سنة 1952 ولكنى لا أمثلها، وفوق ذلك
فهناك قناعتى بأن كلا من الثورتين 1919 و1952 قد استوعبها التاريخ المصرى
وهضمها، ودخلت عصارتهما فى عروقه، والآن زمان جديد!!».



وكالعادة فى مثل هذه المناقشات لم نصل إلى شىء، وقُصارى ما اتفقنا عليه بعدها: فنجان قهوة ودخان سيجار!!





الجنرال بوفر



●●●



وبعد أيام قليلة عاود «مبارك» اتصاله بى، فقد اتصل يشكرنى أننى طلبت
موعدا معه لصديق عزيز يزور مصر، وهو الأمير «صدر الدين أغاخان»، وكنت قد
طلبت الموعد عن طريق «أسامة الباز»، وتحدد فعلا، وقابله «مبارك»، والآن كان
«مبارك» يتصل بى يشكرنى أن أتحت له الفرصة يقابل رجلا مثل «صدر الدين
أغاخان» الذى وجده «رجلا عظيما!!».



وقال الرئيس «مبارك» على التليفون: «إن «الرجل» يعرف الكثير، وشخصيته آسرة، وهو متواضع رغم أنه أمير».



وقلت: «إنه بصرف النظر عن مسألة الإمارة فإن «صدر الدين أغاخان» رجل
متحضر، وقد عاش تجربة إنسانية كبيرة، عندما قام على مهمة مفوض الأمم
المتحدة لشئون اللاجئين، فذلك أتاح له أن يتحرك على اتساع القارات» ــ
أضفت: «إن «صدر الدين أغاخان» تحمَّل هذه المهمة بلا مقابل، وحين قيل له إن
لكل منصب عقدا، وكل عقد له مرتب ــ فإنه طلب أن يكون مرتبه فى العقد
دولارا واحدا كل سنة».



وقال «مبارك»: «هو غنى جدا كما عرفت من «أسامة»، و«أسامة الباز» قال لى إن أتباع مذهبهم يزنونهم بالذهب كل عام».



ثم أضاف: «أنه استفاد من لقائه، واستمتع به» ــ ثم تساءل: «لم يعد هناك ناس كثيرون بهذا الشكل؟!!».

وقلت: «إن الناس موجودين» ــ أضفت: «أن مصر ملأى برجال ونساء لهم قيمة، لكنه لا يراهم».



وسأل: «وكيف نعثر عليهم؟!».



ووجدتها فرصة لأطرح عليه اقتراحا ظننته نافعا.



وسألته: لماذا لا يدعو على غداء أو عشاء أو حتى فنجان شاى، عشرة أو اثنى
عشر رجلا أو امرأة من شخصيات مصر مرة كل شهر ــ يعرفهم ويستمع إليهم
ويتحاور معهم؟!!



مفكرون ــ أساتذة جامعات ــ رجال أعمال ــ ساسة، حتى ولو كانوا معارضين.



قلت له: «إنه يتعامل مع كل الناس من خلال قنوات رسمية، أو بالأدق من
خلال قناة واحدة فى مكتبه، ومع تقديرى لنشاط رجل مثل «أسامة الباز»، فمن حق
الرئيس أكثر مما هو واجبه ــ أن يتوسع فى دائرة من يعرف».



وقلت له: «إن الرئيس «چون كنيدى» كان يتبع هذا التقليد».



غداء أو عشاء أو فنجان شاى منظم كل شهر مع مجموعة متنوعة من عناصر الفكر والفعل فى البلد، ومن خارج المجال الرسمى.



رد بعد قليل: «إن كل هؤلاء سوف يخرجون ويملأوا الدنيا كلاما معظمه «هجص».



وقلت: بإذنه فإنه يظلم الناس، ومع ذلك فماذا يحدث لو تكلموا أو تكلم
بعضهم، ثم إن ذلك ربما يحدث فى بداية التجربة، لكنه عندما تتعود النخب على
لقاء رئيس الدولة ويسمع منها وتسمع منه فإن التجربة سوف تأخذ مسارها
الطبيعى، ولا تعود عجبا يستوجب كثرة الكلام!!».



قلت أيضا: «إنه إذا كان قد استفاد من لقائه مع «صدر الدين أغاخان»، فإن
كثيرين من العالم الخارجى ــ مجموعة شخصيات متنوعة ومنتقاة يمكن دعوتها
للقائه فى مصر ولأحاديث مفتوحة معه». وأضفت «أننى فعلت ذلك مع «جمال
عبدالناصر» ورتبت لكثيرين من نجوم ذلك العصر أن يجيئوا إلى مصر ضيوفا علينا
ويلتقون به، بحيث تحتك أفكار بأفكار، وتتلاقى عقول مع عقول، وإنى أتذكر أن
«جمال عبدالناصر» استفاد من رجال ونساء دعوتهم إلى مصر، ومنهم على سبيل
المثال الماريشال «مونتجمرى» ــ والچنرال «بوفر» ــ و«چان بول سارتر» ــ
و«سيمون دى بوفوار»، وصحفيين عالميين من أمثال «والتر ليبمان» ــ و«ساى
سالز بورجر» ــ و«دنيس هاملتون» وساطع الحصرى وقسطنطين زريق وكلاهما من جيل
المفكرين القوميين الكبار، وكثيرين غير هؤلاء.



وسكت «مبارك» قليلا، ثم تساءل:



«ولماذا لا تفعل نفس الشىء الآن؟!» ــ ثم أضاف «أننى عرضت عليك أن تدخل الحزب ومن داخله تستطيع أن تتصرف».



وقلت: سيادة الرئيس.. أولا أنا لم أنتمِ حزبيا طول عمرى. وثانيا فإننى
لا أستطيع أن أكرر معك ما فعلته مع «جمال عبد الناصر»، لأن التاريخ لا يعيد
نفسه على حد ما قال «كارل ماركس»، التاريخ لا يعيد نفسه وإذا فعل فهو فى
المرة الأولى دراما مؤثرة، وفى المرة الثانية مهزلة مضحكة!!».



وأدهشنى تعليقه:



«الله.. تستشهد بـ«كارل ماركس»؟!».



ثم كان اقتراحه ـ تكرارا لسابقة فى ذاكرتى، أن يبعث إلىَّ بـ«أسامة الباز» أتحدث معه فيما أتصوره لتنفيذ ما اقترحه.





هيكل وتوفيق الحكيم وسارتر وسيمون دي بوفوار



●●●



وجاء «أسامة الباز» فعلا، ومعه نفس الدفتر الأصفر مما يستعمله رجال
القانون فى أمريكا، لكنه لم يخرج قلما من جيبه، وإنما راح يحاورنى وهو يجلس
أمامى ويهز رأسه على طريقته «عندما يواجه معضلة»، ويقول:



«أنت تتعب نفسك، وتتعب الناس معك دون داعٍ ــ هو لن يقابل أحدا، قد يكون
«انبسط» من مقابلة «صدر الدين أغاخان»، لكن هؤلاء ليسوا نوع الناس الذين
يستريح معهم».



وقاطعته: لماذا تفترض ذلك، دع الرجل يرى ويسمع ويعرف أن البلد والعالم ملأى برجال ونساء يستطيع أن يتعلم منهم!



ثم قلت: «أسامة» لديك فرصة «تأهيل» رئيس..!



وبدوره قاطعنى «أسامة»: «أنا أعرفه أكثر منك، وصدقنى هو لا يستريح إلا
لمن يعرفهم، وأما غيرهم فهو من الأصل لا يشعر معهم بالاطمئنان».



وأظن أن «أسامة» كان يعرف أكثر، فلم أسمع بعدها عن الفكرة، لا من «مبارك» ولا من غيره!





فى الحلقة الثامنه:

الصيغة السحرية التى أقرها مبارك للانتخابات النيابية .. قال
مبارك لوزير الداخلية: سوف أراك بعد الانتخابات .. وبعدها أخرجه من الوزارة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عماد الصغير
راكب درجه فاخره
راكب درجه فاخره


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 765
نقاط : 1232
تاريخ التسجيل : 26/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مبارك وزمانه من المنصة الى الميدان للقراءة المباشرة   الثلاثاء يناير 31, 2012 5:54 pm

طوال الفترة الأولى من رئاسة «مبارك» تفاوتت المواقف بشأنه لدى جماهير الشعب المصرى، وتباينت الآراء:



ــ فريق مازال واقفًا عند بقايا «حكاية البقرة التى تضحك»، ولا يكف عن إطلاق النكات حوله.



ــ وفريق ثانٍ يطلب من الرئيس الجديد فوق ما تحتمله الظروف، دون إدراك
للمصاعب والقيود التى تعترض طريقه، حتى لقد وصل البعض فى هذا المجال إلى
مطالبة «مبارك» بنقض «معاهدة السلام» مع إسرائيل، كى يعود إلى الصف العربى.



ــ وفريق ثالث قدَّر أن الظروف ــ بعد اغتيال الرئيس «السادات» وبعد
موجات القلق المرتدة بعد صدمة الاغتيال ــ لا تسمح لأحد بترف التمسك
بانطباعات مسبقة أو الإلحاح بمطالب عاجلة، لأن الرجل بالفعل يستحق فرصة
مفتوحة.



ــ وفريق أخذته الحيرة، وكان موقفه الإمساك بالتداعيات لا تفلت ولا
تتردى، ومقولته أن «اتركوا الرجل لنفسه، ولما يعرف، ولمن يعرف،
وانتظروا!!».



وللأمانة فإن الأغلبية من الناس كانت على استعداد لأن تقبل بالرجل،
وتنتظره، وتعطيه هذه الفرصة المفتوحة، وإن كان ذلك لم يمنع أن آخرين ظلوا
يتوقعون أن يتصرف الرئيس، كما يجب فى رأيهم أن يتصرف.



●●



والحقيقة أننى كنت ضمن الفريق الذى يرى أن الرجل يستحق فرصة، خصوصا أن
حقائق الأشياء لها منطقها، ومع ذلك فإن الرجل بدا محيرا لى، وبين أسباب
حيرتى ما كنت عرفته وإن ظل محجوبا عن دائرة العلم العام.



ــ كنت أعرف شيئا عن قضية «الخرطوم»، وسلة المانجو الملغمة التى أسهمت على نحو أو آخر فى اغتيال الإمام «الهادى المهدى».



ــ وكنت أذكر ما سمعت فى باريس عن النشاط الذى قام به «مبارك»، سواء فى إطار مجموعة «السفارى» فى أفريقيا، أو غير ذلك مما سمعت.



لكننى ــ وربما رغبة فى تهدئة قلق يساورنى من توجُّهاته، خصوصا بعدما
سمعت منه بنفسى عن رؤيته للعلاقات مع الولايات المتحدة ومع إسرائيل، حاولت
أن أجعل شكوكى تميل إلى ناحية البراءة كما يقولون.



بمعنى أننى فى كل ما هو سياسى لم أضع على الرجل مسئولية قرار سابق على
رئاسته، فالقرار لم يكن عنده وإنما عند غيره، ومن الصعب الطلب من كل مسئول
فى الدولة ــ حتى على مستوى نائب الرئيس ــ أن يقف أمام كل قرار لا يوافق
رأيه ويحوله إلى أزمة، خصوصا إذا كان هذا الرجل نفسه من خارج الدائرة
السياسية أصلا ــ وإنما هو من داخل دائرة تلقى الأوامر وتنفيذها، مع الأخذ
فى الاعتبار أن بعض المسائل السياسية فيها من قواعد النظر والتفكير ما
يختلف عن مواد القانون، ذلك أن السياسة تقدير، فى حين أن القانون نصوص، ومع
أن هناك باستمرار صلة لابد من وجودها بين التقديرات والنصوص، إلا أن هذه
الصلة تحتفظ فى عوالم السياسة بمرونة أوسع فى تفسير وتأويل النصوص!



يُضاف إلى ذلك أنه فى النظر إلى تصرفات من نوع ما جرى فى «الخرطوم»، أو
فى إطار مجموعة «السفارى»، فإن القضايا معقدة، وفيها ما يتعلق بمصلحة
الدولة العليا Raison D’Etat، على حد قول الكاردينال «ريشيليو»، لأن
المسئول عن القرار له معيار فى حسابه، فى حين أن المسئول عن تنفيذه له
معيار آخر، وهذا المسئول عن التنفيذ لديه ما يدفع به أى اتهام، بقاعدة أنه
نفذ أوامر صادرة إليه من سلطة أعلى، عليها هى ــ وليس القائم بالتنفيذ ــ
حساب دواعى المصلحة العُليا فى القرار.



وأبسط مثال على ذلك أن البوليس لا يملك غير طاعة الأمر، إذا طلب منه إجراء معين فى طلب حفظ الأمن.



وكذلك الجيش حين يُقاتل بهدف النصر.



وقد أثيرت هذه القضايا جميعا، وعلى أوسع نطاق بعد الحرب العالمية
الثانية بالذات، وتناقضت الآراء إزاء تصرفات متجاوزة (أو هكذا حسبها
الآخرون)، لكن الذين قاموا بها، فعلوا ما فعلوا وهم تحت أوامر رؤسائهم، أى
تحت ظروف قوة قاهرة تقتضيها مصلحة عامة قدرها مسئول سياسى، باعتبارها مطالب
دولة ولا سبيل أمام المكلف بالتنفيذ غير أن ينفذ، وهذه على أية حال قضية
يطول فيها الجدل ولا تفرغ الحجج.



وهكذا فيما يتعلق بـ«مبارك»، فقد كان ظنى أن صفحة حسابه السياسى تبدأ
منذ انتخابه فى أكتوبر 1981، لأنه قبلها كان موظفا يطيع الأمر، حتى وإن كان
بدرجة نائب لرئيس الجمهورية، وهو منصب سياسى.



●●



وبرغم هذه المعايير التى تميل لصالح الشك، بمعنى أنها لا تحكم بمقتضى
الظنون، ولا تفصل بالشُبهات، ولا تتعسف فى اختصاصات السلطة بين السياسى
والتنفيذى، فإن «مبارك» كان «محيرا»!



فى بعض اللحظات تبدت منه تصرفات تلقى القبول، وفى لحظات أخرى تصرفات تلقى الرفض، وفى مرات أخرى تصرفات تلقى الاستغراب!!



ومثلا فقد رأيته بنفسى على شاشات التليفزيون المصرى
يزور أحد المصانع، ثم يتبسط مع أحد الواقفين أمام الآلات، يتحدث إليه
ويسأله عن أجره، والرجل يراوغ فى الرد، ويزيد إلحاح الرئيس، والكاميرات
مسلطة عليه وعلى الرجل الواقف أمام الميكروفونات، حتى اضطر الرجل الذى بلغ
به الإحراج أشده، أن يقول للرئيس الجديد:



ــ «يا فندم، «أنا عنصر أمن، ولست عاملا هنا».



أى أنه ضابط بوليس دس وسط العمال أمام إحدى الآلات تشديدا مقصودا للأمن.



وهز «مبارك» رأسه وكان تعليقه: «آه»!



لم يقل غيرها وانصرف عن الرجل، ومع أن كل من رأوا المشهد علَّقوا عليه،
فقد كان ردى على كل من سألوا: «ألا ينسوا أنه تصرف عفويا بحسن نية»، وفى
الحقيقة فإنه كان يكفينى منه فى ذلك الوقت أن أراه يقوم بزيارات منتظمة
لوحدات الإنتاج، ويظهر حرصا عليها، يدرأ عنها غارات المتربصين!!





مبارك في زيارته لأحد المصانع



وفى مثال آخر لقيت الملك «حسين» ــ ملك الأردن ــ فى
القاهرة، وكان قد جاء إليها بعد ما بدا من هدوء بعد عاصفة الاغتيال، ولم
يدهشنى كثيرا أن الملك أشار بيده إلى سقف صالون القصر الذى ينزل فيه،
ويقترح: دعنا نخرج إلى الحديقة نتمشى، فأنا لم أمارس أى رياضة هذا الصباح،
وخرجنا، وكان الملك يريد أن يفضى إلىَّ بما لم يشأ أن يقوله داخل جدران
القصر، ولم ينتظر طويلا عندما وصلنا إلى الهواء الطلق، وراح يتحدث عن
«مبارك»، وخشيته: «أنه لا يعرف ما يكفى عن علاقات مصر العربية ولا تاريخها
السابق أو الجديد، ولم يقرأ الملفات، وإذا كان قرأها فهو لم يستوعبها»،
وأضاف الملك «حسين»: «إن الرجل لم يتغير منذ رآه لأول مرة وهو نائب للرئيس،
يحمل إليه رسالة من «السادات».





الملك حسين



وراح الملك ونحن نمشى بين الأشجار يقلد الرئيس «مبارك» عندما جاءه أول
مرة نائبا للرئيس، وبرسالة منه، ويقلده وهو يفتح حقيبته، ويستخرج ملفا
منها، وطبقا لرواية الملك: «فإن «مبارك» عند بعض النقط لم يستطع شرح
المقصود من الرسالة، واستوضحه الملك، ودقق نائب الرئيس المصرى فى أوراقه،
وبدا عليه الارتباك، ثم قال: «لا أعرف، ولكن هذا هو المكتوب أمامى، وعندما
أعود إلى القاهرة فسوف أسأل الرئيس «السادات» عن مقصده، وأرجوه أن يكتب
إليكم»!!».



وعقَّب الملك «حسين»: أنه لم يستطع أن يفهم، هل محدثه نائب لرئيس
الجمهورية، أو حامل حقيبة يلتزم بأوراق كتبها بخطه، ومع ذلك لا يستطيع
شرحها؟!!



وكان ردى على الملك «حسين» بأن الرجل ــ أقصد «مبارك» ــ ورث أوضاعا
معقدة، ومعظمها مشاكل عويصة وخطيرة، ومن الحق أن تُترك له الفرصة.



● ومثلا ــ وفى تلك الفترة أيضا ــ جاءنى السفير «جمال منصور» وكان
وكيلا لوزارة الخارجية، وهو من الأصل واحد من الضباط الأحرار (وهو
بالمناسبة خال رئيس الوزراء السابق الدكتور «عصام شرف»)، وكان لدى «جمال
منصور» ما يريد أن يقوله عن الرئيس الجديد، لأنه لاحظ ــ ونحن سويا ضيوف
عشاء ــ نبرة حسن نية تطلب إعطاء «مبارك» فرصة لتثبيت وضعه، وكان رأى «جمال
منصور»: «أنه لا فائدة، ثم راح يروى أنه التقى «مبارك» لأول مرة عندما كان
يشغل منصب نائب الرئيس، وقد كُلِّف من «السادات» بنقل رسالة إلى الماريشال
«چوزيف بروز تيتو» (رئيس يوجوسلافيا)، وهو صديق قديم لمصر، وكان «جمال
منصور» وقتها سفيرا لمصر فى «بلجراد»، وكان بالطبع فى صحبة نائب الرئيس
عندما ذهب لمقابلة «تيتو»، وقضى نائب الرئيس والسفير مع الرئيس اليوجوسلافى
قرابة ساعة، وخرجا بعدها، وكان أول ما قاله النائب للسفير حين دخلا معا
إلى السيارة سؤاله: إذا كان يعرف من أين يأتى «تيتو» بأحذيته، فهو طول
المقابلة لم يرفع نظره عن حذاء «تيتو»، ويراه «بديعا»، وهو يريد أن يعرف هل
الرئيس اليوجوسلافى يشترى أحذيته جاهزة، أم أنها تفصيل؟، وكان طلبه من
السفير أن يسأل من يعرف فى حاشية «تيتو»، مضيفا: «أن الأحذية «الحلوة» هى
هوايته الرئيسية»!



تيتو خلال زيارته القاهرة بصحبة جمال عبد الناصر



وكان تعليق «جمال منصور» قوله: «لا فائدة!».



وكان ردى على السفير «جمال منصور» أن اعطوا الرجل الفرصة، وأن هموم
الرئاسة لن تترك لديه وقتا للتطلع إلى أحذية من يقابلهم من الرؤساء، وكان
بين ما قلت لـ«جمال منصور»: أن «مبارك» هو نموذج الرجل العادى، لا هو
الزعيم التاريخى، ولا هو نجم الشباك، وربما أن هذا ما تحتاجه مصر فى فترة
هدوء بعد عاصفة المنصة!



ومثلا أضاف الأستاذ «فتحى رضوان» ــ وهو الزعيم
الوطنى الصلب ــ إلى معارفى تلك الفترة قصة أخرى على نفس السياق، ولها مثل
سابقتها صلة بالأحذية!




فقد اتصلوا به من رئاسة الجمهورية يبلغوه أن الرئيس «مبارك» يريد أن
يراه ويتعرف عليه، وأنه حدد له موعدا فى استراحة «الدخيلة» كان ينزل فيها
من أيام قيادته للطيران، وأن سيارة من الرئاسة سوف تجىء إلى بيته فى مصر
الجديدة، وتقله إلى مطار «ألماظة» فى الساعة السابعة صباحا ليكون فى
«الدخيلة» ولموعده مع الرئيس فى العاشرة، وتحمَّس «فتحى رضوان» للقاء،
ولديه كثير يريد أن يقوله، وقد كتب بالفعل نقطا استغرقت خمس ورقات بخطه.



وجاءت السيارة ــ وطارت الطائرة، ووصل الأستاذ «فتحى رضوان» إلى مطار
«الدخيلة»، وهناك قيل له إن موعده مع الرئيس تأخر ساعتين، لأن ضيفا أفريقيا
كان يزور مصر سوف يجىء إليه، وأن هناك غرفة خُصصت له فى الاستراحة حتى
يحين موعده، وقضى «فتحى رضوان» فى الغرفة قرابة خمس ساعات، واعتذر عن تناول
غداء جاءوا به إليه فى الظهر، وبعد الظهر جاء إليه أحد الأمناء يخبره بأن
الرئيس سوف يعود الآن من المطار إلى القاهرة مباشرة، وأنه فى الطائرة سوف
يكون مع الأستاذ «فتحى رضوان» ولمدة ساعة على الأقل، وصعد «فتحى رضوان» إلى
الطائرة الرئاسية، وجلس ولا أحد بجواره، لأن الرئيس كان فى الجزء الأمامى
من الطائرة مع الضيف، على أنه بعد حوالى ربع ساعة من الطيران، قام «مبارك»
عائدا إلى المقاعد الخلفية، وجلس على المقعد المجاور لـ«فتحى رضوان»،
معتذرا عما وقع من خطأ، لأنه لم يتذكر موعده مع الرئيس الأفريقى، كما أن
مكتبه لم يعرف كيف ينسق ما بين موعدين، وأراد فى دفع مظنة الإهمال أن يقول
لـ«فتحى رضوان» إنه مازال نفس الرجل لم يغيره منصب الرئاسة، وإنه ــ مقاطعا
حديثه ــ تصدَّق بالله يا «فتحى» بيه أنا لا أزال وأنا رئيس الجمهورية
أمسح حذائى صباح كل يوم بنفسى، أجلس على الأرض، وأمسح الحذاء بالورنيش، ثم
الفرشة، وبعدها قطيفة ألمعه بها.



وراح «فتحى رضوان» يشرح أن رئيس الدولة لا يصح له تضييع وقته فى مسح
حذائه، وقال «مبارك»: «هذه من عوائدى كل يوم، حتى وأنا تلميذ فى ابتدائى،
وحتى أصبحت قائدا للطيران، ونائبا لرئيس الجمهورية، والآن رئيسا لمصر، وقبل
أن يقول «فتحى رضوان» شيئا، وجاء من يقول للرئيس إن الطائرة على وشك
الهبوط فى مطار القاهرة، تذكر «مبارك» ضيفه الأفريقى، وأنه يجب أن يكون معه
وقت النزول، فقام بعد أن قال لـ«فتحى رضوان» إنه سوف يطلب توصيله بالسيارة
بعد الهبوط إلى بيت الرئيس حيث تكون الجلسة الحقيقية بين الرجلين، وهبطت
الطائرة، ونزل الركاب، وكانت هناك سيارة فى انتظار «فتحى رضوان» لكنها لم
تحمله إلى بيت الرئيس، وإنما إلى بيته هو!!



وكان «فتحى رضوان» وهو رجل جاد فيما يتصرف به، يقول مستفزا، وهو يروى لى ما حدث له ــ وسؤاله:



ــ هل يُعقل أن أضيع يوما كاملا فى السفر ذهابا وعودة نفس اليوم، ثم
يكون لقائى معه خمس دقائق لم أستفد منها إلا أننى علمت أنه «يمسح جزمته
بنفسه!!».



ورجوته أن يضع المسئولية على المكتب وليس على الرئيس، ولم يقتنع «فتحى
رضوان»، ورحل بعدها عن الدنيا ولم يدع إلى مقابلة الرئيس، على الأقل
للاعتذار له!



● ومثلا فى هذه الفترة جاءنى الكاتب الكبير والساخر الأكبر الأستاذ
«محمود السعدنى»، وقد مرَّ على مكتبى دون موعد يقول «إنه لا يريد غير خمس
دقائق وسوف ينصرف بعدها»، ودخل «محمود السعدنى» إلى مكتبى، وسحبنى من يدى
إلى شرفة مكتبى يقول لى بصوت هامس:



ــ «مصيبة.. كنت عند الرئيس «مبارك» الآن».



وأبديت بالإشارة تساؤلا مؤداه، وأين المصيبة؟!



وراح «محمود السعدنى» يروى:



جلست مع الرئيس ساعة كاملة كلها ضحك ونكت، وعندما حان موعد انصرافى سألته مشيرا إلى المقعد الذى كان يجلس عليه:



ــ يا ريس.. ما هو شعورك وأنت تجلس على الكرسى الذى جلس عليه «رمسيس الثانى» و«صلاح الدين» و«محمد على» و«جمال عبدالناصر»؟!!



بماذا تظنه أجاب علىَّ؟!



ولم ينتظر «محمود السعدنى»، بل واصل روايته:



«نظر إلى الكرسى الذى كان يقعد عليه، والتفت إلىَّ وسألنى:



هل أعجبك الكرسى؟!



إذا كان أعجبك، فخذه معك».



ويخبط «محمود السعدنى» كفا بكف ويقول:



«وخرجت وطول الطريق لم أفق من الصدمة ــ الرجل لم يستطع أن يرى من الكرسى إلا أنه كرسى، لم يدرك المعنى الذى قصدت إليه».



وحاولت طمأنة «محمود السعدنى»، وأنا نفسى لا أشعر بالاطمئنان، وكان تعليقى:

ــ الحق عليك وليس عليه، لماذا تحدثه بالرمز؟! ــ لماذا تفترض أن رئيس الدولة يجب أن يكون عليما «بالمجاز» فى أدب اللغة؟!



وكان تعليق «السعدنى» لفظا واحدا لا يجوز نشره!





محمود السعدني



●●



ومرت سنة 1984 والرئيس «مبارك» يدخل إلى سنته الثالثة فى رئاسة الدولة،
وبرغم كل شىء فقد بدا رجلا يستطيع ــ على نحو ما أن يتأقلم ــ بما يبدد
شكوكا كثيرة تصورت أن مرحلة حكمه مجرد تدبير مؤقت، والآن فقد ظهر أن الرجل
خطا خطوة، من رجل جاء به تدبير سريع لمواجهة ظرف طارئ، إلى رجل يعبر مرحلة
انتقالية، من عصر إلى عصر، وأدليت وقتها بحديث إلى مجلة لبنانية قلت فيها
«إن حكم «مبارك» يبدو مرحلة انتقالية، لكن تجارب التاريخ تعلمنا أنه ليس
هناك ما هو أقدر على طول البقاء من نظام يتصوره الناس انتقاليا مؤقتا، وبعث
«مبارك» إلىَّ برسالة عتاب على اعتبارى لحكمه «مؤقتا»، لكن الغريب أنه لم
يلتفت إلى الجزء الذى تحدثت فيه عن طول عمر «المؤقت»!!



وكان الرأى الغالب فى مصر وخارجها أن اختبار قوة وثبات النظام الجديد هو
إدارة معركة انتخابات برلمانية حل موعدها، وتصور كثيرون أنها سوف تكون
تحديا سياسيا «من نوع ما»، يواجهه الرئيس الجديد، وأن متابعتها سوف تكشف
الكثير عن قدراته السياسية، ولم أتابع معركة انتخابات 1984 بنفسى أثناء
جريانها، فقد كنت مشغولا عنها بالإعداد لمجموعة «حرب الثلاثين سنة»، وأولها
«ملفات السويس»، وكان البحث عن الوثائق وفرزها وترتيبها فى سياقها شاقا،
لكن عندما رفعت رأسى عما كان يستغرقنى، اكتشفت من نتائج الانتخابات أن
«مبارك» قد واجه تحديه المنتظر بأسلوب لاشك أنه مبتكر، بصرف النظر عن أية
«أحكام قيمة»، والغريب أنه كان أسلوبا شديد البساطة شديد التعقيد فى نفس
اللحظة!



●●



وفى الحقيقة فإن هذا الأسلوب كان تأسيسا لمدرسة مختلفة تسربت إلى
السياسة المصرية، ومن حسن الحظ أنه كان أمامى مصدران للتعرف على مدرسة
«مبارك» عندما تدخل إلى التطبيق العملى لسياساتها ــ أى فى الحركة عند
التنفيذ!



● المصدر الأول: لقاء طويل على جلستين مع اللواء «حسن أبوباشا» (وزير
الداخلية) وهو المسئول الذى أشرف على المعركة الانتخابية الأولى فى عهد
«مبارك».



و«حسن أبوباشا» ضابط بوليس مصرى أمضى معظم تجربته العملية فى الأمن
السياسى، وهو منضبط وملتزم، لكنه عند لحظة من اللحظات يفقد قدرته على
الاحتمال ويحتج، سواء بمنطق الممكن أو بمنطق المستحيل!!



● والمصدر الثانى: مجموعة كراسات كان يكتبها اللواء «محمد تعلب» (مساعد
وزير الداخلية إلى جوار «حسن أبوباشا»)، وهو ضابط من نوع آخر لديه حس
إنسانى عام ووعى تاريخى يتخطى المألوف، وقد خطر للواء «تعلب» أن يسجل ــ
وبعلم وزيره ــ نوعا من يوميات معركة الانتخابات لسنة 1984، وكذلك ملأ
كراستين كاملتين بخطه بوقائع تلك المعركة.



وكان اللواء «حسن أبوباشا» حين سمعت منه ما سمعت عن معركة انتخابات سنة
1984 ــ قد ترك مقعد وزير الداخلية، وكان الرجل يشعر أنه ظُلم، وتحمَّل عن
غيره ما يتردد قبل الإفصاح عنه، ومع تواصل الحديث خصوصا فى اللقاء الثانى،
فإن الرجل بدأ يلين، وبدا أسلوب «مبارك» فى السيطرة على نتائج الانتخابات
يبين، ليظهر أن الرئيس الجديد لديه أكثر بكثير مما يراه الآخرون على السطح.





حسن أبو باشا



●●



وطبقا لرواية اللواء «حسن أبوباشا» (وما قاله تؤيده النصوص مما سجله
اللواء «تعلب» من يوميات المعركة الانتخابية) ــ أن «مبارك» عقد مع وزير
داخليته جلسة تمهيدية شرح له فيها ما يتصوره لانتخابات مجلس الشعب الجديد:



1ــ «الرئيس» يرى أن تكون الانتخابات ــ وهى الأولى فى عهده ــ مفتوحة لكل من يريد أن يترشح بـ«حريته»!



2 ــ و«الرئيس» بضرورات السلامة الوطنية كما يراها سوف يحدد نسبة مئوية
لما يمكن أن تفوز به المعارضة من مقاعد مجلس الشعب، وذلك موضوع سوف يتفق
عليه مع وزير الداخلية عندما تتضح «الصورة»، لأن أحوال البلد فى هذه الظروف
لا تتحمل «اللعب» أو «المغامرة»!!



3 ــ و«الرئيس» لديه قائمة أسماء لا يريد لأصحابها أن يدخلوا المجلس
الجديد مهما كانت الدواعى، وهو أيضا سوف يعطى قائمة هذه الأسماء لوزير
الداخلية عندما يظهر على وجه اليقين من ترشح، ومن لم يترشح للبرلمان
الجديد!!



كانت الصيغة غاية فى البساطة وتلك «عبقريتها»!!



باب مفتوح لمن يشاء ــ ونسب مئوية لأحزاب المعارضة، وهو يريد أن تكون
لوزارة الداخلية مرونة فى «التصرف» كما تشاء فى الدوائر والأسماء، ولكن فى
إطار النسب المئوية المقررة!! ــ ثم إنه سوف يعطى لوزير الداخلية قائمة
بشخصيات غير مرغوب فيها، لا يُسمح لها بدخول المعركة أصلا، ولا دخول المجلس
طبعا!! ــ وهذه الشخصيات مختلفة ومتنوعة، فيها أعضاء من الحزب الوطنى،
وفيها أفراد من أحزاب المعارضة ــ وهذا كل شىء!



●●



وفى رواية اللواء «حسن أبوباشا»، ومن «تقديره للظروف»، فإن قواعد اللعبة
(كما سمعها من «مبارك») كان يمكن من الناحية العامة تبريرها، شرط توافر ما
وصفه «أبوباشا» فى سياق كلامه بـ«درجة من المعقولية «توازن» النتائج ولكن
لا تزيفها»، وفى رأيه أن ذلك كان مرهونا بالنسب التى يسمح بها الرئيس
للمعارضة، وبمحدودية قائمة غير المرغوب فيهم والمحظور نجاحهم ودخولهم مجلس
الشعب الجديد، لكن الصدمة وقعت حين جاءت مقابلة الحسم بين وزير الداخلية
وبين رئيس الجمهورية.



ففى لقائهما التالى والسابق للانتخابات، سمع اللواء «حسن أبوباشا» من «مبارك» ما «أفزعه» حسب قوله:



1ــ أن «الرئيس» على استعداد لأن يترك للمعارضة 5% من المقاعد، أى حوالى عشرين مقعدا، لكل الأحزاب وقوى المعارضة مجتمعة.



2 ــ وأن قائمة غير المرغوب فيهم أكبر مما توقع، وكانت دهشته أن الاسم
الأول فيها اسم شقيق الرئيس «مبارك» نفسه، وهو السيد «سامى مبارك».



وكان تشدُّدْ «الرئيس» حيال ترشيح شقيقه غير مفهوم، فقد وصل «مبارك» إلى
حد القول «بأنه أمر بحذف اسم شقيقه من قائمة مرشحى الحزب الوطنى، ولكنه
سمع أنه ذهب بعدها إلى حزب الوفد يطلب من الأستاذ «فؤاد سراج الدين» أن
يرشحه عن حزب الوفد، وأن «فؤاد سراج الدين» قَبِلَ منه ما اقترح ــ «سامى»
ــ عليه».



وزادت المفاجآت على وزير الداخلية لأن «مبارك» أوفد «أسامة الباز» إلى
«فؤاد سراج الدين» حتى لا «يأخذ» شقيقه على قائمة الوفد، ولكنه لم ينجح، ثم
طلب «مبارك» من وزير داخليته أن يتصل بنفسه مع «فؤاد سراج الدين»، وأن
يبلغه ــ وباسم الرئيس ــ أنه لا يريد أن يدخل شقيقه إلى الانتخابات على
قائمة مرشحى الوفد!».



ووعد «أبوباشا» بالاتصال بـ«فؤاد سراج الدين»، ثم انتقل بعد ذلك إلى
الموضوع الأساسى، متصورا أن «الصيغة المباركية للانتخابات النيابية» قابلة
للمناقشة، وكذلك عرض تعديلات تصورها أكثر ملاءمة.



ــ أولها: أن «يتفضل الرئيس بمراجعة النسبة التى سمح بها للمعارضة، وأن
يرفعها من 5% إلى 20%، أى حوالى مائة مقعد، ورأيه أن ذلك لا يؤثر على
أغلبية الثلثين فى المجلس، وهى النسبة التى تسمح بتعديل الدستور (إذا طرأ
ما يقتضى)».



ــ والثانى: أن يختصر الرئيس قائمة الممنوعين من دخول المجلس، وأولهم السيد «سامى مبارك» شقيقه.



وفوجئ اللواء «أبوباشا» بالرئيس «مبارك» وقد علا صوته، واحتدت نبرة صوته، وهو يقول: «سامى» موش ح يدخل، يعنى موش ح يدخل!!».



وقال «أبوباشا»: «ولكن (سيادة الرئيس) الداخلية قامت باستطلاع لموقف
الأستاذ «سامى»، وتبين أنه قادر على النجاح «بالراحة» فى الدائرة التى رشح
نفسه عنها».



ورد «مبارك»:



ــ مستحيل!



ثم قال الرئيس لوزير داخليته:



ــ «حسن».. أنت ضغطت على أعصابى بأكثر من اللازم، ولست الآن فى مزاج
(استعمل الكلمة الإنجليزية Mood) يسمح لى بمواصلة الكلام معك، ثم نهض واقفا
ينهى المقابلة ويخرج من الغرفة، ويترك وزير داخليته يبحث عن الباب
للانصراف!





سامي مبارك



●●



وفى دفاتر يوميات المعركة الانتخابية (كما سجَّلها اللواء «تعلب» مساعد
الوزير بخط يده) ــ إشارات لهذه المقابلة بما فيها عبارة أن الرئيس ليس «فى
مزاج Mood» يسمح له بمواصلة مناقشة العملية الانتخابية بأكثر مما قال
وحدد!!



كانت معركة الرئيس «حسنى مبارك» ضد شقيقه «سامى مبارك» دالة فى كثير من تفاصيلها على طبائع يصعب تفسيرها.



فالرئيس لم يكتف فقط بإبلاغ وزير الداخلية أن شقيقه لا ينبغى أن ينجح فى
الانتخابات مهما كان الثمن، وإنما أضاف إلى ذلك احتياطات بدت غريبة لوزير
الداخلية، لأنه اتصل بوزير الحكم المحلى وأكَّد طلبه، بل واتصل مكتبه ببعض
مديرى الأمن.



وسجَّل مساعد وزير الداخلية اللواء «محمد تعلب» فى دفتر يومياته عدة ملاحظات تثير الاستغراب:



ــ ملاحظة أولى: نقل فيها عن اللواء «حسن أبوباشا» وزير الداخلية «أن
شدة الضغوط عليه جعلته يقول له بنص ما كتبه «تعرف يا تعلب، العلاج الوحيد
للوضع ده أنى أموت!».



ــ ملاحظة ثانية: يكتب فيها مساعد وزير الداخلية بالنص: «لا أعرف السر
فى إصراره (يقصد الرئيس) على عدم نجاح أخيه إلى هذا الحد، حتى بت أتصور أنه
هو الذى يحقد على أخيه وليس العكس!».



ــ ملاحظة ثالثة: أن وزير الداخلية طلب مقابلة «مبارك» قبل الانتخابات
بعدة أيام، والهدف أن يحدِّثه فى موضوع شقيقه (ضمن موضوعات أخرى)، لكن
«مبارك» رفض وقال إنه ليس لديه المزاج لمقابلة وزير داخليته (ليس فى Mood
يقابل فيها أحدا)، ولم تكن هذه هى المرة الأولى الذى يستعمل فيها «مبارك»
هذا التعبير مع «حسن أبوباشا»، وبعد رجاء كان رد «مبارك»: «موعدنا بعد
الانتخابات يا حسن»!!



(وبعد الانتخابات كان «موعدنا» هو الخروج من الوزارة!).





اللواء محمد تعلب



●●



لكن دفاتر اللواء «تعلب» تسجل ما هو أغرب، وذلك أنه فى نهاية يوم
الانتخابات تبين حصول السيد «سامى مبارك» ورغم ــ كل الجهود ــ على نسبة
تزيد على سبعين فى المائة من الأصوات فى الدائرة التى رشَّح نفسه عنها!



وجاءت الأوامر من الرئيس شخصيا بأنه «أبدا»! ــ وأن كل شىء فى اللجنة
العامة للفرز يجب أن يتوقف، حتى يصل إلى هناك مبعوث خاص للرئيس، وبالفعل
وصل إلى مقر اللجنة الرئيسية مستشاره «أسامة الباز»، وطلب إعادة فرز
الأصوات، و«التصرف» بكياسة لكى لا يغضب الرئيس، وكان المشهد مزعجا للجميع،
وأعيد فرز الأوراق، بحضور أعضاء من اللجنة العامة، وظهرت النتائج ــ مرة
أخرى ــ كاسحة لصالح «سامى»، وإلى درجة لا تنفع معها أية «كياسة»، لأن
المشهد كان واضحا أمام كثيرين، والالتفاف حوله فضيحة يلزم تجنبها من أجل
الرئيس نفسه!



وعاد «أسامة الباز» إلى الرئيس يهدئ خواطره إلى أنهم أمام Fait accompli
أى أمر واقع، وطبقا لرواية وزير الداخلية فإن الرئيس «مبارك» لم يجد حلا،
لكنه قال «إن «أبوباشا» سوف يدفع ثمن غلطته!!».



وكذلك خرج «حسن أبوباشا» من وزارة الداخلية!



●●



وبعد شهور طلب السيد «سامى مبارك» مقابلتى، وحددت له بالفعل موعدا جاء
فيه، وجلس أمامى فى مكتبى، وراح يحكى، ورأيت لفت نظره إلى أن غرفة مكتبى قد
لا تكون مأمونة لما يقول، وكان رده: «أنه لا يبالى إذا سمع «حسنى» ما سوف
يقوله لى، «لأنه» بعد ذلك سوف يترك البلد «له» ويسافر إلى ألمانيا».



واستطرد «سامى مبارك» إلى حديث طويل عن علاقات عائلية مزدحمة بالعقد
الغائرة والتعقيدات الظاهرة، وكله معبأ بالمرارة، وكله فى ظنى مما لا يصح
الخوض فيه.



لكنى لا أستطيع إنكار هواجس جديدة راحت تنضم إلى هواجس سابقة حاولت تنويمها!





فى الحلقة التاسعه:

تمرد الأمن المركزى كان «إشارة حمراء» فى سياسة «مبارك» ... كيف دخلت الولايات المتحدة الأمريكية إلى الساحة المصرية بطريقة كاسحة؟!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
شعبان 21
راكب مميز
راكب مميز


عدد المساهمات : 304
نقاط : 498
تاريخ التسجيل : 20/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مبارك وزمانه من المنصة الى الميدان للقراءة المباشرة   الجمعة فبراير 03, 2012 4:22 pm

وفى أجواء الاستعداد لـ «رئاسة ثالثة لمبارك» آثرت أن أتابع من مسافة أكثر بُعدا قدر ما أستطيع، دون انعزال كامل عن الحوادث أقطع به أى صلة مع الشأن الجارى.



وكان ظاهرا لى أن الحيرة ليست حيرتى فقط، ولكنها حيرة كثيرين، وربما حيرة التاريخ ذاته فى شأن رجل يتصور بعض الناس أنهم يعرفونه جيدا، ثم يتبين أنهم لا يعرفون شيئا!



●●●



فى ذلك الوقت بدا أن مجرى الحوادث فى ظاهره لا يكفى لرؤية ما يدور تحت السطح، فعلى الظاهر بدا أن الرتابة والركود والتردى هى السمات الغالبة على القرار فى مصر.



لكنه فى نفس الوقت تبدَّى أن العمق المصرى يموج بتفاعلات تتسارع حركتها، وتتصارع عواملها، حيث لا يراها أحد، ولكن آثارها ما تلبث أن تطفو على السطح.



وبشكل ما سرى اعتقاد أن هناك درجة من خيبة التوقعات الداخلى تنتشر، وأن محاولة لتعويضها تجرى بالظهور الخارجى، وتجاوزت الأمور حتى ساد الظن أن «الخارج الدولى» يجرى استعماله ساترا للقصور الداخلى، وناقشت الموضوع صراحة، ومرة أخرى مع «أسامة الباز»، وكان رأيه: «أن مجال العمل فى الداخل محصور، وأنه ربما استطاع العمل الخارجى أن يضيف شيئا» ــ وسألنى أسامة: «ألم يكن ذلك يحدث فى عهد الرئيس «عبدالناصر«؟!» ــ وقلت «إن العمل الخارجى فى وقت «عبدالناصر» كان فى خدمة الداخل، وأشرت كنموذج إلى معركة بناء «السد العالى«، بما مؤداه ــ دون داعٍ إلى كثرة التفاصيل ــ أن الاهتمام بالسياسة الخارجية فى ذلك الزمن كان مطلبه النهائى داخليا».



مُضافا إلى ذلك «أنه أى الجزء الرئيسى من ذلك الجهد كان بهدف استكمال تحرير العالم العربى، خصوصا فى الخليج واليمن، ثم تأكيد استقلال أفريقيا بالتركير على دول حوض النيل وجواره، وأخيرا إقامة جبهة عريضة من دول العالم الثالث مطلبها الدفاع عن الحرية والعدل فى مجتمع الدول».



وأما الآن فإن النشاط الخارجى يبدو أمامى ــ كذلك قلت لـ «أسامة الباز» ــ موجَّه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حتى أصبحت زيارتها حجا سنويا منتظما إلى واشنطن، موعده الربيع مع كل رئيس أمريكى!!





مبارك وزوجته مع الرئيس الأمريكي ريجان وزوجته



وكانت المواكب المسافرة إلى واشنطن تتوقف للاستراحة فى باريس ولندن، ثم تستأنف السفر تعبر المحيط إلى الشاطئ الأمريكى.



وقلت لـ «أسامة» يومها: «إن عددا من ساسة أوروبا لم تعد تريحهم هذه الزيارات لعواصمهم، ورجوته أن ينقل إلى الرئيس «مبارك» أننى سمعت الرئيس الفرنسى «ميتران» يعبر عن شعوره بهذا الموضوع متحرجا بقوله «إن باريس أهم من أن تكون محطة على الطريق إلى واشنطن».



بمعنى أن «ميتران» يريد أن يشعر أن زيارة الرئيس المصرى لفرنسا هى زيارة لفرنسا، وليس محطة استراحة على الممر إلى أمريكا!!



ثم إن الرئيس «ميتران» وذلك ما سمعته منه ــ يريد أن يرى لهذه اللقاءات جدول أعمال مفيدا للبلدين، بحيث يجرى الترتيب له قبل أى لقاء بدراسات خبراء ومناقشات وزراء خارجية.



ولم أقل لأسامة الباز ما سمعته من «ميتران» عن شكواه من أن معظم لقاءاته مع «مبارك»، لم تكن جلسات سياسية وإنما مجرد مناسبات اجتماعية تُحكى فيها الحكايات، وتطول الروايات، ومعظمها مما يدخل فى باب «النميمة» عن ساسة عرب آخرين يحكيها الرئيس «مبارك» من باب التندر والسخرية.



●●●



كان ذلك التوجُّه إلى الخارج أصلا بلا جدوى، إذا لم يكن مقصده النهائى هو الداخل، بدءا منه وعودة إليه، وهدفه النهائى البناء فوق الأساس وخدمته وطنيا أو قوميا، أما التركيز على هذه القوى الكبرى التى يسافر إليها رئيس الدولة، وخلفه وفود جرارة، ثم تكون حصيلتها فيضا من الصور يسيل على صفحات الجرائد وشاشات التليفزيون فجهد عقيم، لا نتيجة له ولا مردود، وإنما هو نوع من توظيف غير الموجود فى طلب غير الممكن، لأن هذه القوى الكبرى تتعامل مع غيرها بحسابات «القدرة»، ولا يحركها غير منطق المنفعة والربح، وأما حين يكون المطلوب ــ وهو ظاهر أمام الجميع تغطية قصور الداخل بظل الخارج ــ فإن المحصلة صفر وبالتناقص أيضا، بصرف النظر عن حجم الوفود، وكثرة الصور، وتكاليف السفر!!



●●●



وفجأة فى أجواء فترة الرئاسة الثالثة وقعت فى مصر واقعة، فقد انفجر تمرد الأمن المركزى يوم 25 فبراير سنة 1986، وانفلت الأمن، وانكشف الساتر عن المستور، واضطر الرئيس «مبارك» إلى الاستعانة بالقوات المسلحة لاستعادة زمام السلطة.



وصحيح أن استعادة السلطة تحققت فى ظرف أسابيع، لكن النتائج والتداعيات التى ترتبت على واقعة تمرد الأمن المركزى أحدثت شرخا أكبر من مجرد تمرد قوات نظامية على سلطة الدولة، كما أنها ــ فى آثارها ــ أبعد من أن تنتهى بنزول القوات المسلحة إلى الشوارع.



ولعلى أميل إلى اعتبار تلك الحادثة علامة ظاهرة ــ تستحق التوقف طويلا أمامها ــ فى شأن نظام «مبارك»، لأن اختلال الموازين زاد إلى درجة الانزلاق بعدها ــ بدلا من حالة هبوط على درجات سُلم كما كان قبلها!!





أحداث الأمن المركزي 1986



والسبب فى تحول الهبوط إلى الانزلاق بيِّن، لأن أزمة تمرد الأمن المركزى كشفت «مبارك» ــ بقسوة ــ أمام جبهتين:



ــ جبهة الخارج، لأنها أوضحت ــ سواء للولايات المتحدة أو غيرها من القوى ــ أن مركز «مبارك» فى السلطة ليس بالثبات الذى تصوروه بعد فوزه بالرئاسة مرتين.



ــ ثم جبهة الداخل لأن الأزمة كشفته أمام القوات المسلحة وهى سنده الأخير للبقاء، فهذه الأزمة جعلته يلجأ إلى سنده الأخير ليجعله حاميه الأول، وذلك ينزل بالحكم من مظلة الدستور إلى عصا الأمر الواقع، والفارق كبير!!



●●●



وربما يكفى لتصوير حساسية الموقف أن أتذكر من تلك المرحلة ــ اتصالا تليفونيا من الرئيس «مبارك» ــ ثم لقاء بعد ذلك مع المشير «عبدالحليم أبوغزالة» (وزير الدفاع وقائد القوات المسلحة).



● وفى الاتصال التليفونى ــ كان اهتمام الرئيس «مبارك» على ما كتبته ونشرته «أخبار اليوم» من أن تمرد الأمن المركزى «يعكس أحوالا لا يصح النظر إليها باعتبارها قضية أمن، وإنما لابد من النظر إليها كقضية أوضاع اجتماعية أكثر بُعدا وعمقا».



ومن كلام الرئيس «مبارك» فإنه لم يكن من أنصار هذا الرأى، وكان قوله «إننى أعلق على هذه الحادثة بأكثر جدا من حجمها»، مضيفا: «أنا شخصيا لم أقلق، كنت أعرف من أول لحظة أنه فى مقدورى أن «أطبِّق» (هذا هو الوصف الذى استعمله بمعنى التطبيق) تمرد الأمن المركزى بالقوات المسلحة».



وعندما سألته مذكرا بالاحتمال الموازى على الناحية الأخرى:



«وإذا تمردت القوات المسلحة، فكيف يمكن «تطبيق» تمردها؟!».



وتردد الرئيس «مبارك» لحظة ثم قال:



ــ «إن زمن الانقلابات العسكرية انتهى!».







مبارك وأبو غزالة



● وأما اللقاء مع «أبو غزالة» فقد كان فى سكنه أيامها فى بيت على طريق مطار القاهرة مواجه لمبنى الكلية الحربية، ولسبب ما كان الصالون الذى جلسنا فيه معبأ بتلاوة من المصحف المرتل بصوت الشيخ «عبدالباسط عبدالصمد»، ولم أر بعينى مصدر الصوت، لكن التلاوة كانت ملء القاعة طول حديث امتد على ساعتين.



وتحدَّث «أبو غزالة» طويلا وضمن ما قال:



«إن هناك من يتآمر عليه عند الرئيس «مبارك»، يصورون للرئيس أنه (المشير «أبو غزالة») يرى نفسه أجدر بالرئاسة منه».



ويضيف «أبو غزالة» وبثقة بالنفس لافتة:



«الرئاسة لم تخطر على بالى، فأنا أعرف من أحوال البلد ما فيه الكفاية لإقناعى بالبقاء حيث أنا»، ويستدرك «هذا إذا كانت الرئاسة ضمن مطالبى، وهى لم تكن كذلك، فخلال الأحداث (تمرد الأمن المركزى) كانت: «دباباتى موجودة فى كل مكان فى العاصمة، ولو كان الاستيلاء على السلطة مطروحا بالنسبة لى لما احتاج الأمر منى إلى أكثر من ضابط (وحتى برتبة ملازم) يذهب إلى استوديوهات الإذاعة والتليفزيون ويلقى بيانا باسمى، وتنتهى القصة فى خمس دقائق، «وساعتها كان الشعب مستعدا لأن يرحب، وأيضا كان العالم مستعدا لأن يقبل!!».



●●●



فى تلك الظروف وقع التقاء ضرورات بين مطالب القلقين والمتشككين فى مصر بعد أحداث الأمن المركزى ــ وبين عناصر إقليمية ودولية متعددة فى صراع أكبر يتمدد باتساع الشرق الأوسط كله، وبمشاركة قوى العالم تقريبا.



كانت الولايات المتحدة الأمريكية أول الأطراف الخارجية المهتمة بالشرق الأوسط (وبعدها بريطانيا إلى حد ما وربما غيرها)، وكلها قوى يهمها موقع المنطقة، وتهمها مواردها، وكلهم لا يستطيعون تحقيق مُرادهم بحروب مكشوفة، خصوصا الولايات المتحدة وهى مازالت بعد «ڤيتنام» تحاذر أن تضع قدما أمريكية على أرض آسيوية، بينما بريطانيا لا تقدر ولا تستطيع.



● وكان الاتحاد السوڤييتى ــ القوة العالمية الثانية ــ يحارب آخر معاركه خارج حدوده فى «أفغانستان»، فقد رصدت أجهزته عمليات تقوم بها المخابرات الأمريكية للنفاذ إلى داخل إمبراطوريته، وهدفها استثارة الشعوب الإسلامية فى الجمهوريات الجنوبية للإمبراطورية، والسلاح والموقع الذى يُستخدم للإثارة هو «أفغانستان»، والسلاح الذى يحرِّك المشاعر هو «الدين»، وكذلك تورط الاتحاد السوڤييتى فى غزو «أفغانستان» (والوثائق الأمريكية قبل غيرها تكشف أن «الكرملين» دُفع إلى التدخل العسكرى فى «أفغانستان» مرغما ــ أو كذلك تصوره ــ وكانت تلك خطة مرسومة لاصطياده واستنزافه فى الجبال الصعبة والوديان الموحشة ــ بحرب عصابات تنتظره لتستنزف دمه وسلاحه ــ وسمعته!!)، وبهذا التورط فإنه أعطى الفرصة لصيحة مدوية باسم «الجهاد الإسلامى ضد الإلحاد».



● وقتها أيضا كان قلب الشرق الأوسط يعيش زلزال الثورة الإسلامية التى أطاحت بنظام الشاه فى إيران، وأقامت حكمها وسلطتها فى البلد الأهم على رأس الخليج، وهو موطن البترول الأكبر، والجوار القريب من «أفغانستان» بكل ما يجرى فيها، ثم إن نداء الثورة الإسلامية خصوصا فى بدايتها أثار مخاوف كثيرة لها جذور تاريخية غائرة، فإيران قومية راسخة ومذهبها الشيعى فى احتكاك ــ خشن أحيانا ورقيق أحيانا أخرى ــ مع غيره من المذاهب الإسلامية، وبالتحديد مذهب أهل السنة.



والفتنة المذهبية وقود جاهز لمن يريد إشعال الحريق فى دار الإسلام بكاملها، وكذلك ارتفعت ألسنة اللهب!!



أى أنها حرب الجهاد ضد الإلحاد أولا، ثم حرب المذاهب الإسلامية فيما بينها ثانيا!!



● إلى جانب ذلك فقد راحت دواعى التوتر والخوف والقلق فى الخليج تتزايد وتلقى بوساوسها على دول ومشيخات وإمارات الخليج التى وجدت نفسها بين نارين ــ نار جوارها الشرقى فى «باكستان» وقد أصبحت القاعدة الرئيسية لحرب الجهاد ضد الإلحاد فى «أفغانستان» ــ إلى جانب نار أخرى تلسع بسخونة من وهج ما يجرى فى إيران على جوارها الشمالى، وباختصار فإن الخليج وجد نفسه وسط حرب على جبهتين: شرقا فى «أفغانستان» عن طريق «باكستان» (وهذه حرب الجهاد ضد الإلحاد)، وشمالا من «إيران» عن طريق «العراق» (وهذه حرب المذاهب الإسلامية)!!



●●●



وفى تلك اللحظة من حياة الشرق الأوسط كانت ضرورات الأطراف على اختلافهم تفرض حلفا بينهم تلاقت فيه عناصر متباعدة، تصنع للأحداث مجرى مختلفا، ومثل ذلك يقع فى الطبيعة، بمعنى أن زلزالا قد يحدث فى منطقة، تلامس تربة قد تكون هشة سواء قبل الزلزال أو بعده، وفى الجوار نهر يفيض بمياه تكاد تعلو فوق ضفافه، وفجأة ترتج المنطقة ويحدث شرخ فى التربة، ويندفع الماء، فإذا هو منحنى على النهر يدور حول مساره الأصلى، أو يشق لنفسه فرعا نحو اتجاه جديد.



وفى السياسة وفى تلك اللحظة التاريخية ــ حدث شىء مماثل فى منطقة الخليج، وتلاقت ضرورات على الساحة القلقة للإقليم، ورسمت منعرجا على مجرى الأحداث، يظهر على الخريطة وكأنه منحنى على النهر!!



وفى تلك اللحظة المتزاحمة بالضرورات كانت الأوضاع فى مصر ــ وبتفاعلات أحداثها الداخلية ــ وتمرد الأمن المركزى فى وسطها ــ تتوالى وتتداعى تأثيراتها، وبينها انكشاف سلطة الحكم، وظهور مركزين للقوة فى القاهرة، مع علاقات قلقة بين رجلين («مبارك» و«أبو غزالة»)، وكلاهما يريد لنفسه سندا ودعما.



●●●



وتبدَّى لكثيرين أن مصر هى الحل خصوصا مع اعتبارات طارئة:



ــ مصر دولة كبيرة فى الإقليم وهى دولته القاعدية، ثم إن ظروفها بعد معاهدة السلام حددت مجال فعلها، وهى متشوقة لدور تخرج به إلى الإقليم.



ــ وهى بلد يكاد يكون خزان طاقة بشرية غير محدودة.



ــ وهذه الطاقة فيها مورد فياض بشباب مستعد للجهاد ضد الإلحاد.



ــ وضمن هذا البلد عناصر توجَّهت نحو العنف، وهناك من لا يمانع فى تصديره خارج مصر، يتخلص منه، ويشغله بشىء آخر يلهيه عن الداخل المصرى.



ــ وأهم من ذلك فإن مصر توافر لديها فى نفس اللحظة مخزون هائل من السلاح السوڤييتى لم تعد فى حاجة إليه، لأنها نقلت تسليحها إلى نظم غربية (أمريكية بالذات)، وبدأت السياسة المصرية تحاول تصريف ما لديها مما لم تعد بها حاجة إليه، وباعت كثيرا منه فى صفقات للعراق قدرت فيها السعر الذى تبيع به، لأن احتياجات «صدام حسين» فى حربه ضد إيران فاقت كل التقديرات، والحاجة تجعل طالب السلاح مستعدا لقبول أية شروط.



وعندها اكتشف كثيرون ممن يبحثون أن الصيغة السحرية للوفاء بكافة الضرورات قد تكون فى القاهرة، وفى رجلين فيها بالتحديد: «مبارك» و«أبو غزالة».



● الأول لديه رئاسة الدولة المصرية بكل ما تمثله، وبكل ما تقدر عليه من اعتماد السياسات.



● والثانى لديه فائض سلاح ومعه القدرات الإنسانية المُدرَّبة على القتال.



وبين الاثنين طبقة فى مصر مستعدة لما يُطلب منها، خصوصا إذا كانت ثروة النفط هى التى تطلب، وكان النفوذ الدولى هو الذى يسند!!



●●●



ومن الإنصاف أن يُقال أن كل واحد من الرجلين كان لديه الحافز «المشروع» لدخول الساحة المتسعة والقلقة خارج الحدود.



● «مبارك» يتصور ــ مع ترجيح حسن النية ــ أن هذه اللحظة وبالجوار، وقوة الجذب السياسى، وضخامة الموارد الإنسانية المتاحة فى مصر ــ تمكن له فى زحام الأحداث أن يحصل على مساعدات مالية ضخمة تنفع فى تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية فى مصر، كما تخدم التطلعات التى تفتحت شهيتها للثراء فيها، ثم روَّعتها أحداث الأمن المركزى.



● و«أبو غزالة» من ناحية أخرى يتصور ــ ومن باب ترجيح حُسن النية أيضا ــ أنه يستطيع فى نفس الزحام أن يحقق مكاسب لها قيمة، ضمنها أن يجد سوقا للسلاح السوڤييتى الذى لم يعد يحتاجه بعد تغيير أنظمة التسليح فى مصر إلى التسليح الأمريكى، وهو بدعاوى ما يمكن أن تحققه هذه المبيعات يستطيع أن يزيد مشترياته من الأسلحة الغربية، ويستطيع توفير وسائل أوسع لدخول مجال تصنيع الصواريخ، وبالتوازى فإنه يستطيع توفير متطوعين للجهاد أنهوا خدمتهم العسكرية فى مصر، وهم على وشك التسريح من الخدمة، وليست هناك فرص عمل تنتظرهم، والخوف أن تلتقطهم «الجماعات المتشددة» فى مصر، والظن أنه يمكن إغراؤهم بأجور مغرية إذا هم قَبِلوا بمخاطر «التطوع» فى صفوف الجهاد ضد الإلحاد، وهنا يكون الثواب مضاعفا، ثواب عن الجهاد، ومنافع عن القتال!! ــ وربما تصور الرجلان معا أنه بالنسبة للسياسة الداخلية فى مصر، فإنها عصافير كثيرة بحجر واحد.



ــ أول العصافير موارد مالية تتدفق.



ــ والثانى عناصر من الشباب المستعد للجهاد، وتصديرها للخارج أفضل.



ــ ثم وهذا هو العصفور الأجمل شكلا والأزهى لونا، فإن كليهما يستطيع من خلال دور يقوم به أن يجد فى الخارج ما يستطيع به تعزيز أرصدته فى الداخل.

(وللأمانة فإنه يمكن أن يُقال إن هذه الفترة الحافلة وفرت لمصر سيولة ضخمة يسَّرت بعضا من أزماتها!!).



●●●



وشهدت السياسة المصرية فى تلك السنوات من أوائل التسعينيات من القرن العشرين أدوارا حساسة يقوم بها كل من الرجلين، والأدوار تتلاقى أحيانا، وتتنافس أحيانا أخرى، وتتقاطع فى أحوال أكثر مع محاولة توزيع الاختصاصات بين الرجلين فى شراكة قلقة وسط زحام اختلط فيه الحابل والنابل فى المنطقة، صراعا على التفوق، وعلى النفوذ، وعلى المال، وعلى المستقبل!!



وكانت الولايات المتحدة موجودة «بشدة» فى القاهرة، وكانت الولايات المتحدة موجودة «بأشد» فى الخليج.





الخليج العربي



وبشكل ما فإن «مبارك» ــ وهو رئيس الدولة ــ أصبح مختصا رئيسا بالعلاقة مع الأمن القومى فى البيت الأبيض فى واشنطن (ومعه وكالة المخابرات المركزية)، وبدوائر الأسر الحاكمة فى دول وإمارات ومشيخات الخليج.



كما أن «أبو غزالة» بالتوازى أصبح مختصا بالعلاقات العملية على الأرض وبالقيادة المركزية الأمريكية، وهى المسئولة عن أمن الشرق الأوسط، وبالطبع بالتعاون مع مؤسسات المخابرات والسلاح فى الخليج، وكلهم دون استثناء من أفراد الأسر الحاكمة فى بلدانهم.



وبالطبع فقد تسللت وراء الرجلين عناصر من الجماعات الجديدة التى ظهرت فى مصر، وقد دخلوا على المؤخرة يحاولون جمع ما تستطيع أيديهم أن تصل إليه من الغنائم والأسلاب.



وكانت تلك هى الفترة التى شهدت كثيرا من الغرائب.



● منها مثلا أن الجهاد فى «أفغانستان» احتاج إلى ستة آلاف بغل، لأن البغال أشد تحملا لطلوع الجبال فى «أفغانستان»، وتكفَّل أحد رجال الأعمال من المحظوظين باستيراد البغال ــ ستة آلاف بغل من قبرص، وشحنها إلى «أفغانستان».



● ثم اكتشف أحدهم أن الشيخ «زايد» رئيس دولة الإمارات يريد أن يتخلص من الحمير فى الإمارات، فجمع ما كان منها فى بلده، وأرسله هدية إلى من يحتاجها فى الريف المصرى، لكن هدية الحمير وجدت من يحصل عليها، ثم يعيد بيعها لأفغانستان، ومع أنها لم تكن مطلوبة إلا أنها وصلت إلى الميدان، وكان يمكن استعمالها للنقل على الخطوط الخلفية للجهاد، وقد كان!!



وكان الجهاد ضد الإلحاد فى حاجة إلى الكثير، بصرف النظر عن البغال والحمير، وإذا فوران المنطقة يتحول فى مصر إلى سوق مفتوح لكل شىء، والمشترى موجود دائما، والمال وفير!!



ورغم أن العلاقات السياسية بين مصر وبقية الدول العربية كانت مقطوعة فى معظم تلك الفترة من آثار صلح منفرد بين مصر وإسرائيل، فإن تلك الفترة شهدت وراء الستار درجة من القُرب نادرة المثال، لأن الضرورات المباشرة للأطراف ــ وليست الأفكار والمشروعات القومية ــ أصبحت الإطار والوعاء والدافع والمحرك!!



●●●



وظهرت وتفاقمت فى مصر حالة فوضى شديدة بين السياسة والسلاح والمال، وبين القرار السياسى وفعل المخابرات، وبين سلطة الدين وسلاح السلطة، فقد كان الجهاد فى حاجة إلى «ضخ» الفتاوى، قدر حاجته إلى «شفط» المال!!



وكذلك راح الداخل المصرى يعيش أحوال سيولة خطرة، وفى خضم تلك الأحوال وجَّه «مبارك» ضربته القاضية إلى منافسه الأكبر داخل مصر، وهو المشير «أبو غزالة»، وقد وجهها وهو يعرف أن أرصدته فى الإقليم وفى مواقع القرار فى «واشنطن» أكبر من أرصدة منافسه، وكذلك ضرب مطمئنا إلى أنها مجازفة محدودة، سواء فى الداخل المصرى أو خارجه!! ــ فقد كان هو الطرف الأكثر تأثيرا فى الحرب بين العراق وإيران، خصوصا وأن ظروفها وملابساتها فتحت الطريق إلى عودة العلاقات بينها وبين بقية العالم العربى ــ رسميا ــ كما عادت واقعيا.



●●●



وفى وسط هذه المرحلة نشبت موقعة جديدة، فقد زارنى الأستاذ «إبراهيم سعدة» (رئيس تحرير «أخبار اليوم») وقتها، واقتراحه أن أكتب لـ«أخبار اليوم»، فلا يُعقل من وجهة نظره أن تظهر كتاباتى فى صحافة العالم كله، وتظل غائبة فى مصر.



وكانت دعوتى للكتابة فى مصر وقد شاع خبرها ــ أثارت ضيقا فى بعض أوساط الحكم، لكن الرئيس «مبارك» وقف ــ للحق ــ مُدافعا عن دعوتى للكتابة!!



وفى الواقع فإننى لم أكن واثقا من أننى ممنوع من الكتابة بالمعنى الحرفى للكلمة، فقد كان الأمر ملتبسا شأن غيره من الأمور فى ذلك الزمان، ولكن المؤكد فيه بالنسبة لى أننى لم أكن أريد دورا فى الصحافة المصرية، عن اعتقاد بأن حركة الزمن وتعاقب الأجيال قضية تستحق الاعتبار، وبرغم ذلك قبلت الدعوة!



●●●



واهتم يومها ــ كثيرون ــ بما سوف أكتب، وما سوف أقول، عندما أعود إلى الكتابة فى مصر بعد غياب.



ومر علىَّ الدكتور «أسامة الباز» (أيضا)، يسألنى عما أنوى الكتابة فيه، وتفضَّل واقترح أن يكون الموضوع الذى أبدأ به هو الحرب العراقية الإيرانية (وهو شاغل الناس فى تقديره وقتها)، ولم أعلق، لأنى كنت قد اخترت موضوعى بالفعل، ولم أشأ إحراجه بالحديث مُسبقا عنه، لأن اختيارى كان أن أكتب فى موضوع «صُنع القرار السياسى المصرى الآن»، وظنى أنه الموضوع الذى زاد إلحاحه وسط ما يجرى فى مصر والمنطقة من أحداث!!



●●●



وظهر المقال الأول، وفيه نقد من موقع الحرص على سلامة القرار السياسى المصرى أكثر من كونه معارضة رافضة، لكن الرأى لم يعجب «مبارك» وضايقه، وكان ذلك مقدرا فى حسابى، لكن ردة فعل «مبارك» كانت أبعد مما ظننت، وكان الذى نقل إلىَّ ذلك دون قصد هو المهندس «حسب الله الكفراوى»، الذى زارنى مساء يوم صدور مقال «أخبار اليوم» على غير موعد ليقول لى: «إنه كان فى صحبة الرئيس اليوم على طائرة إلى الغردقة، وأن مقالى كان مثار الأحاديث طول الرحلة، وأن الرئيس كان مكفهر الملامح معظم الوقت، وحين قلت لـ«الكفراوى» إننى نقدت من موضع ودّ، علا صوته يقول:



«أى ود، أنت وضعت الرئيس فى موضع التلميذ، و«قرمعت» أصابعه بسن المسطرة!!».



(وكان المهندس «حسب الله الكفراوى» حتى ذلك الوقت يُحسن الظن بـ «مبارك»، لكن الرجل بدأ يرى من موقعه ما دفعه فيما بعد إلى العصا الغليظة، وليس قرمعة الأصابع بالمسطرة فقط!!).



وفى أعقاب نشر المقالين الأول والثانى عن صنع القرار السياسى فى مصر، قامت قيامة السلطة بكل أدواتها، خصوصا فى الحزب الوطنى ــ وآثرت أن أختصر، وكان تقديرى أن أكتب فى «صنع القرار السياسى فى مصر» ثلاثة مقالات، واكتفيت بثانية كنت قد أرسلتها فعلا إلى الأستاذ «إبراهيم سعدة».



وفى الحقيقة فإننى لم أشأ إحراجه، خصوصا وقد عرفت أن أمامه فرصة لتولى رئاسة مجلس إدارة «أخبار اليوم».





فى الحلقة القادمة:

مسيرات الرئاسة السرية عن حرب الخليج التى تسجل اتصالات الرئيس كانت بأثر رجعى .. الفقى قال لى: الواقع كما أعرفه من موقعى أفظع بكثير من أى شىء قلته فى كتابك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عماد الصغير
راكب درجه فاخره
راكب درجه فاخره


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 765
نقاط : 1232
تاريخ التسجيل : 26/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مبارك وزمانه من المنصة الى الميدان للقراءة المباشرة   الأربعاء فبراير 15, 2012 3:11 pm

لماذا اختار «مبارك» أن يجعل «شرم الشيخ» مقر إقامته الرئيسى؟!منذ اللحظة الأولى بعد حرب أكتوبر أصبح «أمن النظام» و«أمن الرئيس» قضية أساسية وحيوية لضمان استمرار سياسات مستجدة طرأت على الظروف التى أحاطت بالأسبوع الثانى من حرب أكتوبر وتداعياتها.



وقد جرى طَرْحْ موضوع الأمن والتأمين للمرة الأولى أثناء اجتماع بين الرئيس «أنور السادات» وبين وزير الخارجية الأمريكى «هنرى كيسنجر» فى استراحة أسوان يوم 12 يناير 1974، وكان تقدير الرجلين معا أن التحولات الكبرى فى مصر والسياسات المستجدة على إستراتيچيتها بعد حرب أكتوبر ــ تقتضى إجراءات حماية واسعة للرئيس وللنظام، حتى تتمكن تلك التحولات وتترسخ!!



●●●



وكان المدخل إلى طرح موضوع الأمن والتأمين ــ أن الرئيس «السادات» توصل إلى قناعات نهائية فى قراءته لشكل المستقبل فى مصر ــ وهو مقتنع كل الاقتناع بموجباتها ــ وقد طرح وجهة نظره فيها بطريقة قاطعة:



1ــ إن المستقبل لأمريكا، وهو يريد أن تكون مصر فى هذا المستقبل مع أمريكا وليس مع غيرها.



2ــ إنه ترتيبا على ذلك فإنه سوف يتخذ فى سياساته الدولية والعربية منهجا يختلف عما جرت عليه السياسة المصرية من قبل.



3ــ ثم إنه وبمقتضى اختياراته بعد حرب أكتوبر ــ على استعداد من الآن للتحرك نحو سياساته الجديدة وحده، دون انتظار بقية العالم العربى، ثم إنه سوف يصطف مع الولايات المتحدة فى مواجهة السوفييت.



4ــ وهو بالتوازى مع ذلك يعتبر أن حرب أكتوبر 1973 ــ ضد إسرائيل، هى آخر حروب مصر معها، وذلك سوف يجرى اعتماده وإعلانه تأكيدا نهائيا للسياسات الجديدة.



5ــ وبالإضافة إلى ذلك، فإن تصوُّره للتطور الاجتماعى المصرى سوف يختلف عن تصورات سلفه، عن يقين لديه بأن متغيرات العالم تثبت أن المستقبل للرأسمالية.



ولأول وهلة تبدَّى لـ«كيسنجر» أن تلك سياسات تتجاوز الحقائق الراهنة فى مصر، وربما تتصادم معها، وساوره الشك فى قدرة الرئيس «السادات» عليها.







السادات مع هنري كيسنجر



●●●



على أن «كيسنجر» استمع إلى ما أفضى به الرئيس «السادات» إليه فى أول لقاء بين الاثنين ظهر يوم 6 نوفمبر 1973 ــ ثم سألنى حولها بطريق غير مباشر مساء نفس اليوم فى لقاء بيننا فى جناحه فى الدور الثانى عشر من فندق «هيلتون«، ولم أكن بأمانة على علم بما طرحه الرئيس من تصورات، لكن «كيسنجر» سألنى دون تفاصيل عن «درجة قوة الرئيس «السادات» داخليا، وما إذا كان فى مقدوره أن يطرح وينفذ فى مصر سياسات جديدة، واكتفيت بالقول إن «الرئيس قادر على الوفاء بما يعد به»، وآثرت ــ حتى لا تتشابك الخطوط ــ أن أنتقل فى الحديث معه إلى ما عداه من شئون الساعة، وكان حديثنا تلك الليلة موضوع مقال طويل نشرته فى الأهرام بتاريخ 16 نوفمبر 1973 ــ تحت عنوان «مناقشة مع كيسنجر!!».





●●●



وحمل «هنرى كيسنجر» معه إلى «واشنطن» ما سمعه من الرئيس «السادات» وهناك جرى بحثه، وعاد مرة أخرى إلى مصر يوم 12 يناير 1974، والتقى الرئيس «السادات» فى استراحة الرئاسة وراء خزان أسوان القديم.



وكان الرئيس «السادات» مازال على موقفه، وكان «كيسنجر» جاهزا بخطة أمن رآها ضرورية للرجل المُقْبِل على مخاطر تحول أساسى فى اتجاه مصر، وللاستراتيجية الجديدة التى تحمل مسئولية سياساتها!!



وعرض «كيسنجر» فى هذا الاجتماع الثانى على الرئيس «السادات» خطة أمن وتأمين يتم تنفيذها على ثلاثة محاور:



1ــ الأمن الشخصى للرئيس، وهو يقتضى إعادة تنظيم حراسة أماكن إقامته فى أى مكان وأى وقت.



2ــ والأمن الإقليمى للدولة فى حركتها على الخطوط الإستراتيجية الجديدة، وهى تشمل عنصرين:



● أن يكون «البلد» The Country تحت مظلة منظومة الدفاع الإقليمى الذى تشرف عليه القيادة المركزية الأمريكية المكلفة بالدفاع عن الشرق الأوسط.



● وأن تتواكب مع هذه المظلة العسكرية، مظلة أمنية هى شبكة المخابرات الكبرى فى المنطقة، التى تتلاقى فى إطارها جهود الوكالتين الرئيسيتين وهما:



ــ وكالة المخابرات المركزية الأمريكية العاملة مع مجلس الأمن القومى فى البيت الأبيض.



ــ ثم وكالة الأمن الوطنى العاملة فى إطاره وزارة الدفاع الأمريكية وهى وكالة N.S.A ــ National Security Agency، وكذلك يكون الغطاء شاملا ــ مدنيا وعسكريا ــ عابرا للحدود بين الدول، نافذا إلى العمق داخل هذه الدول!!



●●●



3ــ وبعد الأمن الشخصى للرئيس ــ والأمن الإقليمى للدولة ــ يجىء الدور ثالثا فى خطة «كيسنجر» على الأمن الاجتماعى للنظام، وهو الآن يقتضى إعادة الهندسة الاجتماعية وخلق طبقات جديدة تسند التوجهات الجديدة بأسرع ما يمكن.



●●●



● كان الأمن الشخصى للرئيس هو البند الأول على القائمة، وقد اقترح «كيسنجر» أن تجىء إلى القاهرة مجموعة خاصة من الخبراء تقوم بمهمة متعددة الجوانب:



ــ مباشرة نظام الحماية المخصص للرئيس على الفور.



ــ وإعادة تدريب قوة الحراسة الرئاسية على أحدث وسائل وأساليب الحماية.



ــ ثم وضع خطة دائمة لإجراءات وضمانات الأمن المطلوبة للرئيس.



وبالفعل فإن «هنرى كيسنجر» بعد سفره من أسوان بعشرة أيام بعث إلى وزير الخارجية السيد «إسماعيل فهمى» برقية شفرية لإبلاغه أن بعثة على مستوى فنى متقدم سوف تجىء إلى القاهرة لوضع خطة كاملة لتأمين الرئيس (ولم تكن هذه المسألة من اختصاص وزير الخارجية المصرى، لكنه وقد حضر جانبا من اجتماع أسوان الذى عُرض فيه الموضوع ــ كان هو الطرف الذى آثر «كيسنجر» أن يوجِّه إليه الرد، وفى الحقيقة فإنه كان يجب أن يوجَّه إلى السيد «حافظ إسماعيل» (مستشار الأمن القومى والمسئول عن نظام العمل فى الرئاسة)، لكن «حافظ إسماعيل» لم يكن حاضرا ذلك الاجتماع فى أسوان.



وكان نص رسالة «كيسنجر» التى تسلَّمها «إسماعيل فهمى»:



وزارة الخارجية ــ واشنطن

مكتب الوزير

سرى للغاية

28 يناير 1974

رسالة من وزير الخارجية «كيسنجر» إلى الرئيس «السادات» عبر وزير الخارجية «فهمى».

نص الرسالة:



بالنسبة للمشاورات التى دارت بيننا حين تناقشنا حول مسألة أمنكم الشخصى، فنحن على استعداد لإرسال فريق الخبراء التالى إلى القاهرة فورا:



«چورچ ك. كيثان» Keithan ــ وهو خبير فى شئون الحماية الشخصية.



«بول لويس» Paul Lewis ــ وهو خبير فى شئون مقاومة التنصت.



«هيو وارد» Hugh Ward ــ وهو متخصص فى تدريب المسئولين عن الحماية الشخصية.



وإلى جانب ذلك فإن خبيرا فى الأمن المباشر وفى كشف المتفجرات سوف يلحق بالفريق بعد أيام قليلة، بالإضافة إلى ذلك فنحن نقترح أن نرسل فريقا آخر برئاسة المستر «آلان د. وولف» Alan D. Wolf وهو متخصص فى شئون المخابرات، وإذا وافق الرئيس «السادات» فإننا نريد إلحاقه ببعثة رعاية المصالح الأمريكية فى القاهرة، والغرض من قدومه هذه المرة هو أن يُتاح لخبرائكم فى الأمن الفرصة للقائه ومناقشة مقترحاته للتأكد من قبولكم لها.



إننا ننوى إرسال هذا الفريق بسرعة إلى القاهرة وفى موعد لا يتجاوز 2 فبراير، وإذا رأيتم موعدا أنسب فإننا بالطبع على استعداد للتلاؤم مع رغباتكم.



●●●



وتقاطرت على مصر وفود من خبراء الأمن، وظل بعضها فى مصر لمدة سنتين، تم أثناءها وضع الخطط اللازمة لهذا الجزء من خطة الأمن وهو المتعلق بالحماية الشخصية للرئيس، والإشراف على تطبيقها عمليا، ثم وضع ترتيبات دائمة لأمن الرئيس.



وكانت خطة الأمن الخاص أوسع من مجرد تشديد الحراسة حول الرئيس حيث يكون أو حين يتحرك، فقد كان بين بنودها إجراءات تواجه احتمالات مفاجآت غير متوقعة، ثم قائمة إجراءات تحقق مطالب الأمن المحتملة فى حياة كل يوم، وبدت بعض الإجراءات مشددة، وأوسع مجالا من المتعارف عليه:



ــ منها مثلا حرس خاص، وسلاح مختلف، وتدريب أعلى، وقيودا وحدودا تطبق فى أى مكان يتواجد فيه الرئيس، مع ضرورة تأمين أى موقع يحل فيه قبل دخوله إليه بست وثلاثين ساعة على الأقل!!



ــ ومنها مثلا أن يتنقل الرئيس كلما استطاع بعيدا عن شوارع القاهرة، مع تفضيل الهليوكوبتر وسيلة للانتقال شرط حركتها من ممرات دائرية تتفادى المناطق المزدحمة بالعمران والمبانى العالية التى لا ينكشف حولها ما يدور على سطحها، أو تلك المنخفضة التى تتكدس فيها المخلفات وتوفر إمكانية الكمون والتربص وسطها.



ــ ومنها مثلا أن تتعدد أماكن إقامة الرئيس فى أكثر من مكان، وبحيث لا يستطيع أحد أن يخطط لشىء أثناء وجوده لمدة معلومة فى مكان معين.



ــ ومنها مثلا أن يكون معظم تواجده فى مناطق تسهل السيطرة عليها، كما يسهل عزلها عما حولها، كما تتنوع إمكانيات الخروج السريع منها فى حالات الطوارئ، كأن تكون بها مساحات صالحة لاستعمال الهليوكوبتر أو مجارى مياه لاستعمال القوارب، إلى جانب الطرق المفتوحة للسيارات.



ــ ومنها مثلا أن تكون هناك مواقع تمركز جاهزة لتسكين مجموعات من سرايا القوات الخاصة من الحرس الجمهورى تتحرك مع الرئيس حيثما ذهب.



ــ ومنها مثلا أن ترصد حوافز ومكافآت خاصة لقوات البوليس التى تصطف على طرق المواكب، إذا ما اضطر الرئيس ــ لسبب من الأسباب ــ أن يتحرك وسط «مدن»، وأن تتميز هذه المكافآت عن غيرها بأن توضع فى أظرف خاصة عليها شعار رئاسة الجمهورية، تذكِّر من يتسلمها ــ ولو بالإيحاء ــ أنها من «ولى النِعَم»!!







مبارك مع قوات حفظ السلام بسيناء



●●●



ومرت قُرابة عشر سنوات، وتوالت أحداث، وطرأت متغيرات، ولكن المقادير ضربت ضربتها يوم 6 أكتوبر 1981، ووقع اغتيال الرئيس «السادات» على منصة العرض العسكرى، وبواسطة ضابط فى القوات المسلحة، بيده مدفع رشاش من صنع روسى، وفى جيبه مسدس من صنع أمريكى!!



وخطا «حسنى مبارك» من المنصة إلى القصر الجمهورى، وكان أول اجتماع حضره بعد توليه مسئولية الرئاسة ــ اجتماع لمسئولى الأمن والتأمين بدأه بأن «إجراءات الأمن والتأمين التى اتخذت لحماية سلفه لم تثبت كفاءتها، بدليل نجاح خطة الاغتيال التى كان هو شاهدا عليها، وأفلت بمعجزة أن يكون إحدى ضحاياها!!».



وفى اجتماعات توالت بعد ذلك مخصصة لبحث أمن وتأمين شخص الرئيس، تولى «مبارك» بنفسه وبتجربته الخاصة إضافة إجراءات أوسع وأبعد:



ــ منها مثلا إغلاق المجال الجوى وقت تحليق طائرة الرئيس فيها، وعلى طول الطريق الذى تسلكه.



ــ ومنها مثلا إغلاق الشوارع من الجانبين أثناء مرور أى موكب رئاسى، (وكانت الرغبة فى تسهيل المرور خصوصا على طريق مطار القاهرة تدعو مرات إلى إغلاق الطريق من الجانب الذى يتحرك الموكب عليه، وحدث مرة من المرات أن «مبارك» لاحظ وهو فى طريقه إلى مطار «ألماظة» أن الناحية الأخرى مفتوحة للمرور، وعندما وصل إلى «ألماظة» طلب التحقيق بنفسه مع المسئول، ودعى قائد المرور فى المنطقة إلى المثول أمام الرئيس، وعندما أبدى الرجل عذره بأنه فتح الجانب الآخر من الطريق بناء على طلب مُلِحْ من مسئولى مطار القاهرة، لأن عدة طائرات محملة بالسياح على وشك الإقلاع، بينما ركابها متأخرون بسبب موكب الرئيس ــ ثار «مبارك» على مدير المرور وقائد قوة الاصطفاف عليه، وعندما سمع عبارة تأمين وصول سياح إلى المطار، زاد غضبه قائلا: «ما هو الأهم: تأمين السياح أو تأمين الرئيس؟!» مضيفا «أنه ليس هناك هدف فى الدولة المصرية أكثر أهمية من تأمين الرئيس»).



ــ ومنها مثلا تعليمات دائمة بأنه لا يريد أن يرى على أى طريق يمر فيه بابا مغلقا، لا يبين ما وراءه، وأن أى باب مغلق لابد أن يُفتح ولو كسرا، وتفتيش ما وراءه، وأن توضع أمامه حراسة مضافة إلى حراسة الاصطفاف على الطريق.



ــ ومنها مثلا أن تكون «شرم الشيخ» مقر إقامته الأساسى، وكان ذلك رأى الخبراء الأمريكيين أيضا ــ لأن «شرم الشيخ» توفر مزايا أمنية مثالية، فهى منطقة محددة عند الطرف الجنوبى من شبه جزيرة سيناء، وأجواؤها مكشوفة من كل اتجاه، وهى على بُعد دقائق بالقارب من السعودية، وعلى بُعد أقل من ثلث ساعة عن الأردن وإسرائيل، ثم إن موقعها مجاور لمواقع قوة المراقبة الدولية فى سيناء (وهى فى الواقع أمريكية، ولديها من الوسائل ما يجعلها تلتقط دبيب النمل على رمل الصحراء!!).



● وحين كان الرئيس «مبارك» يسافر من «القاهرة» إلى «شرم الشيخ» أو غيرها، فإن عشرة جهات ــ على الأقل ــ كانت تُخطر بمسئوليتها فى حماية سفره، وفيها الحرس الجمهورى بالطبع ــ والأمن الخاص لرئاسة الجمهورية ــ والدفاع الجوى ووزارة الداخلية ــ ووزارة الطيران المدنى والمخابرات العامة وغيرها.



وكانت كل جهة من هذه الجهات تتخذ ما ترى من إجراءات التأمين المباشرة والخاصة بها، ثم لا يعرف أحد فى النهاية أى طريق سوف يتخذه الرئيس، إلا قبل أن يخرج من بيته فعلا!!



وكثيرا ما حدث اصطفاف كثيف على طرق ممتدة، باعتبار أن الرئيس «مبارك» سوف يسافر بالسيارة، ثم تظهر الهليوكوبتر فجأة تنقله من داخل بيته إلى المطار، وتنتهى مهمة طوابير الاصطفاف وتكون قد انتظرته على الطرق عشر ساعات، وأحيانا أكثر!!



●●●



ووصل هاجس الأمن والتأمين بالرئيس «مبارك» وبحاشيته إلى درجة عبثية.



كانت أجهزة الأمن فى الدولة قد توسعَّت إلى أبعد من أى حد سبق فى مصر بسبب ما جرى بثورة التكنولوچيا، وكذلك قفزت برامج الأمن والتأمين فى مجال الرقابة إلى حد غير مسبوق، لأن البعض كان يريد أن يتأكد بنفسه ويطمئن، خصوصا بالتسمُّع على أطراف مشكوك فى نواياهم.



وكانت البداية هى الطلب من جهاز أمن الدولة تخصيص نسبة معينة لمراقبات مرغوب فيها من الرئاسة، سواء كانت داخلة فى قائمة أمن الدولة أو لم تكن. وكانت القوائم مستفيضة، لأن الطالبين كثر، وكان الجزء الأكبر من طلبات المراقبة فى القوائم الخاصة من مكتب «إرث الرئاسة«، وكثيرا ما وصلت تسجيلاتها إلى لجنة السياسات فى الحزب الوطنى، وكثيرا ما تسرَّب بعضها ــ ملونا أو مشوها ــ إلى بعض الصحف والمجلات.



ثم وقع تطور أهم، وذلك أن «أحدهم» عاد من لندن ذات مرة ومعه جهاز جديد للتنصت على التليفونات، موجود فى محال متخصصة لبيع «أجهزة التأمين»، لكن شراءها يقتضى «شهادة من جهة رسمية تأذن باستعماله»، وذلك شرط بيعه وتسليمه.



وفى القاهرة جرت تجربة «الجهاز«، واستطاع «الراغبون» أن يدخلوا على أى خط يريدون التسمع عليه فى أى وقت، ثم ما لبث أمر هذا الجهاز أن أصبح «موضة» عند مستوى معين من أصحاب السلطة، وكذلك وطبقا لتقدير خبير نافذ فى وزارة الداخلية، شغل بعض أهم مناصبها فى ذلك الزمن، فقد وقع:



ــ أن الحصة التى كانت تُخصص من مراقبات أمن الدولة للطلبات الخاصة وصلت فى وقت من الأوقات إلى 7% من حجم المراقبات.



ــ أن عدد أجهزة الرقابة على التليفونات الموضوعة تحت تصرف أفراد بعينهم، ومما جرى شراؤه من لندن، وصل ــ حسب علمه ــ إلى 11 جهازا محمولا، والمدهش أن بعضه كان يُستخدم لأغراض شخصية، أو بهدف التسلية، والنميمة الاجتماعية.



ولم يكن هناك حد ولا رادع لأية «معلومات» عامة أو خاصة قد تكون لها فائدة فى أمن أو تأمين أحد دون حساب التكاليف!!



حتى «شرم الشيخ» نزل وأقام فيها أكثر من جهاز تسمُّع خاص!!









مدينة شرم الشيخ



●●●



ولم يتصور أحد أو يخطر بباله ــ مثلا ــ أن يحسب تكاليف وجود رئيس الدولة فى «شرم الشيخ»، وحوله موظفى ديوانه، وحرسه، ومكاتب للاتصال مع الدولة، وزوارا قادمين وذاهبين، ومسئولين لديهم ما يعرضونه أو يسألون فيه، وسفر الجميع إلى شرم الشيخ «مهمة» لها تكاليفها من مواصلات وإقامة وبدل سفر، ذلك غير مصروفات تتحمل بها جهات أخرى فى الدولة، وكانت تقديرات الخبراء تحسب أعباء إقامة الرئيس فى «شرم الشيخ» بما مقداره مليون جنيه بالزيادة يوميا عن المصروفات العادية للرئاسة!! ــ (كما أن تكاليف كل يوم سفر للرئيس خارج البلاد كانت تصل وتزيد أحيانا عن مليون دولار يوميا!!).



وعندما سُئل الرئيس «مبارك» يوما عن سبب إقامته شبه الدائمة فى «شرم الشيخ»، كان رده (وقد تكرر نشره على لسانه) «أن وجوده فى شرم الشيخ يشجع السياحة إليها، وذلك مفيد للاقتصاد المصرى!!».



لكن الحقيقة كانت «أمنية» متصلة بالبند الأول من خطة التأمين التى وضع تصميمها الأصلى «هنرى كيسنجر».



●●●



وكان البند الثانى فى خطة الأمن والتأمين ربط «أمن النظام» بمؤسسات الأمن والتأمين الإقليمية للولايات المتحدة الأمريكية، والتى تضم شبكة القيادة المركزية الأمريكية فى الشرق الأوسط ووكالات المخابرات السياسية C.I.A، ووكالة الأمن الوطنى التابعة لوزارة الدفاع الأمريكى N.S.A.



وربما كان الأنسب هنا ألا أقول فى تفاصيل هذه القضية الشائكة شيئا من عندى، وإنما أنقل عن كتاب «بوب وودوارد» الصحفى الأمريكى الأشهر فى مجال الاستقصاء، والمعروف بدقة مصادره أنها على أرفع مستوى بين صُنَّاع القرار الأمريكى، فقد تعرَّض «وودوارد» فى كتابه لمسألة أمن وتأمين النظام من البداية، أى منذ اتفاق «كيسنجر» مع الرئيس «أنور السادات»، ففى صفحة 312 ــ 313 من كتابه The Veil (أى البرقع أو الحجاب) ــ ذكر «بوب وودوارد» تفاصيل كثيرة تثير الانزعاج، ولذلك أكتفى فى الحديث عنها بمجرد لمحات تغنى عن التفاصيل، ففى نصوص ما قاله «بوب وودوارد» مثلا:



«لقد أوضحت عملية الدعم الأمنى والمخابراتى للرئيس الراحل «أنور السادات» ميزات وعيوب هذه النوعية من العلاقات السرية. لقد وصل «السادات» إلى الحكم عام 1970، وبعدها بعامين أطاح بالروس خارج مصر، وبعد سنتين أعدت الـC.I.A واحدا من أقوى برامجها للحماية الشخصية والمساعدة الاستخباراتية. فى المقام الأول أرادت الولايات المتحدة أولا أن يبقى «السادات» على قيد الحياة، وثانيا أرادت تحصيل أكبر ما يمكن للمعلومات عن «السادات»، وعن سياسات ومناورات القصر، وكان هناك طوفان من تلك المعلومات وبعضه غير ذى قيمة، ولكن كانت هناك حالة انتعاش فى الـC.I.A بالحصول على مصادر موثوقة، وعمل جداول لنزوات وطموحات وسياسات العشرات من الوزراء ونواب الوزراء.



لم يكن هناك تقييم كافٍ لما تحصل عليه المخابرات، فقد غلب الكم على الكيف، بتدفق هذا الكم الغزير من المعلومات، وتحول العمل السرى للمخابرات إلى إدمان، وفى أوقات معينة بدا أن الأمر يستحيل تقييمه ويصعب تصنيفه، وكلما زادت المعلومات التى تعرفها الـC.I.A كلما قل ما يمكن الاستفادة به منها، لقد استخدم قادة مثل «السادات» هذه العمليات المخابراتية باعتبارها مرتكزا ومتكأ، يؤمِّن لهم بابا خلفيا لحكومة الولايات المتحدة، وهى طريقة للالتفاف حول القنوات الدبلوماسية المعتادة، وطلب معلومات خاصة من الـ C.I.A وخدمات مختلفة، أو حتى اعتمادات مالية.



●●●



وأما بالنسبة لزمن «مبارك«، فإن «بوب وودوارد» أفاض فى التفاصيل بالتحديد ابتداء من صفحة 168 من نفس الكتاب ــ وأكتفى منه ــ لأسباب عديدة ــ بمجرد إشارة يقول فيها «وودوارد»:



«فى يوم 6 أكتوبر تلقى «كايسى» Casey («ويليام كايسى» رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية) ــ تقريرا عاجلا بأن الرئيس المصرى السادات تعرَّض لإطلاق النار أثناء مشاهدته العرض العسكرى، وعلى مدى ثلاث ساعات كررت التقارير الصادرة من محطة وكالة المخابرات المركزية فى القاهرة الخط الرسمى للحكومة المصرية بأن إصابة «السادات» ليست خطيرة، على الرغم من أن التليفزيون الأمريكى كان يبث تقارير تقول إن الرئيس المصرى قد مات.



وبعد قُرابة ثلاث ساعات من التقرير الأول ليوم 6 أكتوبر أكدت محطة القاهرة أن «السادات» قد قُتِل، وأنه قد توفى على الفور بعد إصابته بعدة طلقات.



شعر «كايسى» Casey بالخزى، فى حين أمضى «ريجان» Reagan النهار فى المكتب البيضاوى يتلقى تطمينات بأن تقارير التليفزيون خاطئة. كان «كايسى» و«إينمان» Inman قلقين من أن يتقدم الرئيس الجديد «حسنى مبارك» باحتجاج عنيف وربما انفعالى، لأن الـC.I.A التى قامت بتدريب الحرس الشخصى لـ«السادات» قد فشلت فى تحذيرهم، إلا أن أيا من هذا لم يحدث، ولا حتى شكوى رقيقة.



لقد اتضح أن منفذى الاغتيال كانوا جزءا من مجموعة إسلامية أصولية فى مصر، لقد أولت الـC.I.A اهتماما كبيرا بالتنصت واختراق حكومة «السادات»، وتحذير «السادات» من الأخطار الخارجية إلى درجة أنها تجاهلت القوى الداخلية فى مصر، لقد بدا الأمر قريبا لدرجة الخطر من كونه إعادة لكارثة إيران، وانتاب «كايسى» الغضب الشديد، لقد احتاجت الـC.I.A قنوات مستقلة أوسع وأكثر للمعلومات فى مصر، وأراد «كايسى» المزيد، سواء من المصادر البشرية أو ما يتم جمعه إلكترونيا، وعلى أعلى مستوى فى الحكومة الجديدة، وكانت أوامر «كايسى»: «أخرج بعض الناس فى الشارع اللعين للتحقق عما إذا كان أحد سيطلق الرصاص على (مبارك)»!!



●●●



كان البند الثالث فى خطة الأمن والتأمين اجتماعيا واقتصاديا، وكذلك فكريا وثقافيا.



والحقيقة أن الظروف كانت تفتح الأبواب واسعة لهذا البند، ذلك أنه على الطريق إلى أكتوبر ــ وكذلك بعد المعركة ــ بدا واضحا أن هناك مستجدات وضرورات لابد على نحو ما من التوافق معها، وكانت هذه المستجدات علمية واقتصادية واجتماعية هبت رياحها على مصر، وتوافقت معها فوائض ثروات من قفزة أسعار البترول أشاعت جوا من التوقعات تفاعلت بين المستجدات والتطلعات، ونشأ بالتالى مناخ مستعد ومهيأ لكل شىء وأى شىء، ولأن الظروف تستدعى الرجال، فقد كانت تلك هى اللحظة التى ظهر فيها رجال مثل المهندس «عثمان أحمد عثمان» ــ بالقُرب من الرئيس «السادات»، مبشرين بالمنطق «العملى» و«الواقعى» دون «أحلام أو خيالات»!



●●●



وليس مصادفة أن تلك الأوضاع تأكيدا ــ ولو على المدى القصير ــ لتصورات «هنرى كيسنجر» وخطته فى بند الأمن والتأمين الاجتماعى والفكرى والثقافى، وأتذكر أننى سمعت بنفسى كلام «هنرى كيسنجر» فى هذه النقطة بالذات، وكان مجمل حديثه وقد أطال النظر ــ هو وغيره من القائمين على مراكز القرار الأمريكى ــ فيما يقوله الرئيس «السادات» «أن الظروف المستجدة على استراتيجية مصر ــ بالفعل ــ تفتح المجال لظهور طبقة أو جماعات اجتماعية تؤيد السياسات الجديدة وتسندها، ورأى الجميع أن تلك عملية ممكنة ومقبولة، لأن مصر تواجه حالة فراغ طبقى، فقد قام «ناصر» («جمال عبد الناصر») بتصفية الملكيات الكبيرة للأرض، وبتأميم كثير من شركات التجارة والخارجية والبنوك، وبطرد القائمين على شركات التجارة الخارجية والبنوك والتوكيلات التجارية، وكلهم من الأجانب ــ وترتب على ذلك أن الطبقة العُليا فى المجتمع المصرى فقدت قاعدتها، وفى نفس الوقت فإن الطبقات الوسطى والفقيرة التى قصد إليها «جمال عبد الناصر» بإجراءاته، لم تتمكن بعد من صنع قاعدتها، رغم وجود قطاع عام واسع فيه جماعات من أصحاب الكفاءة، لكن رباطهم بعملهم وظيفى (بيروقراطى) لا يصنع طبقة سياسية، لأن الطبقات تصنعها الملكية».



وبناء عليه ــ فى تقدير «كيسنجر» وآخرين فى واشنطن ــ فإن المجتمع المصرى يواجه الآن «مشكلة فراغ يمكن ملؤه بطبقة جديدة تدخل إلى البنيان الاجتماعى المصرى».



●●●



كان دور القطاع الخاص قد برز وازداد بروزا لأسباب بعضها صحيح، وبعضها مُبالغ فيه، وبعضها مصطنع.



● كان الصحيح هو أن العالم راح يتجه أكثر إلى إفساح المجال للقطاع الخاص، بهدف توسيع مجال التنمية، بمعنى أن القطاع الخاص يقدر بحيوية كامنة، وبحوافز المبادرة الفردية على زيادة طاقة الإنتاج، بل ومضاعفتها، ويخلق منافسة صحية بين قطاع عام قد تعوقه البيروقراطية، وقطاع خاص قد يملك مرونة إيقاع يساعد على دورة نشيطة لرأس المال.



● وأما المُبالغ فيه فهو نسيان أن القطاع الخاص بالقيمة الحقيقية له يحتاج إلى وقت لنضوج رأسمالية واعية بالتزامها الاجتماعى، دون عدوان بالفساد تتجاوز به حدود المشروع إلى ما بعده، لأن نجاح العملية الرأسمالية له شروط:



ــ أن تدخل الرأسمالية إلى السوق بمشروعات موصولة بخريطة الاقتصاد الوطنى واحتياجاتها.



ــ أن تدخل الرأسمالية ومعها رأسمالها، بحيث يكون اعتمادها على النظام البنكى فى حدود معقولة مما هو متعارف عليه عالميا!



ــ وأن تكون قادرة على تحمل مخاطر الربح، باعتبار أن هذه المخاطر هى مشروعية الربح.



● وأما المصطنع فأوله الاستيلاء على القطاع العام، وبالتخصيص وحداته الرابحة.



ــ وأن تفعل ذلك بالاعتماد على قطاع البنوك العامة وتسهيلاته دون مخاطرة بأموالها.



ــ وأن تلجأ إلى الدولة لحمايتها من مخاطر كان لابد أن تكون فى حسابها.



وفى الواقع فإن تلك الشروط ــ باستثناءات معدودة ــ جرى تجاهلها، خصوصا مع أول موجة تقدمت تحت مُسمَّى القطاع الخاص بعد حرب أكتوبر.



●●●



وعلى أرض الواقع فإنه عندما بدأ حديث «الخصخصة» أوائل سنة 1974 ــ ثارت قطاعات كبيرة من الرأى العام تبدى قلقها مما حسبته غارات على مدَّخراتها، وكذلك اكتشف الطالبون وقتها أن الاقتراب من الشركات الآن صعب، وأولى الصعوبات أن النقابات العمالية أثبتت أنها قادرة على حركة مؤثرة، ساعد عليها أن حرب أكتوبر وتضحياتها مازالت فى الأذهان ــ وحدث تراجع جزئى للغارات المتعجلة.



وتوقفت عمليات الخصخصة مؤقتا ــ لكن الاهتمام تركَّز على التوكيلات الأجنبية، فهى جانب مهم من النشاط المالى يقع بعيدا عن المصانع والمنشآت الكبرى المرئية رأى العين، ثم هى الجزء الرابح أكيدا من القطاع العام، فهذه التوكيلات تهيمن على معظم ما تستورده مصر، وهو فى حدود 12 مليار دولار سنويا ذلك الوقت، ونسبة الربح فيه ما بين 10 و14 فى المائة سنويا، أى أن هامش الربح يقارب 2 مليار دولار سنويا، وكانت هذه التوكيلات بالكامل ملكا للأجانب قبل معركة السويس سنة 1956 قد وقع تمصيرها، وفى ذلك الوقت اختار «جمال عبدالناصر» أن يكون استردادها «وطنيا» عن طريق «التأميم» وليس «التمصير»، وتفكيره ذلك الوقت أن «التمصير» ينقل هذا القطاع من ملكية الأجانب إلى ملكية القادرين على الشراء من المصريين ــ ومعنى ذلك فى نهاية المطاف أن يزداد الأغنياء غنى، دون أن يحصل الفقراء على نصيب، والآن وبعد أقل من عشرين سنة (من سنة 1956 ــ 1974) كانت العجلة تدور دورة شبه كاملة، والتوكيلات تطرح للتوزيع على من يقع عليهم الاختيار، وممن يطمئن النظام إلى قُربهم من سياساته الجديدة، خصوصا فى السلام مع إسرائيل، والعلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية.



●●●



وفى هذا الوقت أوائل 75 وقع توزيع ما يقارب ألفى توكيلا، وبجرة قلم أصبح فى مصر ألفين من أصحاب الملايين الجُدد، وكانت تلك عملية هندسة طبقية أحدثت خللا مفاجئا فى توازن الدخول، لا تبرره الأوضاع الاجتماعية فى مصر، لكنه فى المحصلة أعطى للسياسات الجديدة سندا اجتماعيا قادرا على التأثير وسط الساحة السياسية.



●●●



وكان ذلك إجراء مؤقتا حتى جاءت الخطوة التالية فى عصر «مبارك»، وبدأ التصرف فى القطاع العام، وبخصخصة أنجح وأكبر الشركات وأكثرها ملاءة وربحية، ثم تدفق الطوفان بتسييل أراضى الدولة، ثم تطويق قطاعات مهمة بمصالح مالية ذات طبائع عنكبوتية، تنقض على مواقع محددة مثل البترول والغاز، وخدمات الطيران، ومراكز الإعلام (1).



وفى هذا المناخ نشأت علاقة غرام بين السلطة والمصالح التى تفتَّحت شهيتها أكثر ــ على أبعد مما كانت تحلم به.



والشاهد أن العمل الحثيث فى خدمة مشروع التوريث كان نوعا من الأمل فى تحويل العلاقة بين المصالح والسلطة، من مجرد عهد «غرام» إلى عقد زواج، يؤكد الرغبة بين الطرفين فى عيش مشترك له كل مقومات وضمانات التقنين لحياة متواصلة فى بيت واحد.



وفى كل العصور فإن العيش المشترك لا تضمنه غير مصالح متكافئة ومتبادلة، ومسئولية واقعة على كل طرف من الطرفين.



وحتى تلك اللحظة فإن السلطة كانت هى الطرف الذى يمنح ويعطى، وكانت المصالح هى التى تتلقى وتأخذ، والآن فإن المصالح كان عليها أن تثبت قدرتها وتؤكد فائدتها.



وهكذا راحت المصالح تتحين الفرص، ولعلها خشيت إذا بقيت العلاقة دون نوع من تبادل العطايا والهدايا، كما جرى فى مسألة التوكيلات الأجنبية، فإنها قد تصبح رهينة لنزوات هذه السلطة، وأما إذا تجاسرت وتشجعت فإنها تستطيع أن تجعل من نفسها نظيرا شرعيا أو على الأقل موازيا لقوة السلطة!



●●●



وفجأة لاحت فرصة لهدايا وعطايا تقدمها المصالح إلى السلطة، ولسوء الحظ فإن كثيرين لم يتنبهوا إلى ما قيل بالهمس وما جرى فى الخفاء.



وهنا فإن قضية «طابا» تستحق الوقوف بعناية وتنبُّه أمامها.



كانت إسرائيل طوال المحادثات التى أجراها «هنرى كيسنجر» حول فك الاشتباك، قد أرست مبدأ يمكن اعتباره ــ «فخا سياسيا» لم يكن هناك مبرر للوقوع فى حفرته، وذلك هو مبدأ الفصل بين «السيادة» وبين «الأمن».



وتفسيره ــ كما جرى اعتماده ــ يعنى أن مصر تستطيع أن تعود إلى ممارسة حقوقها فى السيادة على «سيناء»، لكن هناك ترتيبات للأمن ــ أمن إسرائيل بالطبع ــ يتحتم إجراؤها على الأرض دون إخلال (كما يقولون) «بحق السيادة لمصر»!



وكانت فكرة وضع قوات دولية للرقابة فى «سيناء» غير تابعة للأمم المتحدة، وإنما أمريكية فى تكوينها، وفى قيادتها ــ نوعا من هذا الفصل بين «السيادة» وبين «الأمن»، وجرى التوسع فى هذا المبدأ، فلم تعد مقتضيات الأمن تفرض مجرد الفصل بين القوات، وإنما وصل الحال إلى قوة دولية (أمريكية فى الحقيقة والواقع)، لها داوريات تفتيش، ونقط تسمع وترصد وتتدخل وتطلب، وبالتوازى مع ذلك جرى تقسيم «سيناء» إلى مناطق، تتفاوت فيها درجات وجود قوات مصرية وسلاح مصرى على الأرض المصرية، ثم يقع ترتيب درجات التواجد العسكرى المصرى بالنقصان كلما زاد القُرب من خط الحدود الدولية، فإذا ما بلغته إذا القوة المصرية المسموح بها هى 750 فردا من حرس الحدود، وليس معهم من السلاح غير ما تمسك به أيديهم، وذلك على اتساع منطقة تكاد مساحتها أن توازى نصف مساحة إسرائيل كلها!



●●●



وكان الخندق الأخير فى مسألة الانسحاب الإسرائيلى من «سيناء» هو موقع «طابا»، وعندما رفضت إسرائيل أن تنسحب، فإن الحكومة المصرية ــ وطبقا لمشروطية «كامب داڤيد» ــ لجأت إلى التحكيم الدولى، وخاض عدد من الدبلوماسيين والمؤرخين والخبراء معركة طويلة وشاقة حتى جاء التحكيم لصالح مصر.



لكن إسرائيل ظلت متمسكة بالرفض، ثم أمكن حل الأزمة والوصول فيها إلى حل وسط بأسلوب بدا غامضا، حتى تكفلت مذكرات «جورج شولتز» (وزير الخارجية الأمريكية وقتها وفى رئاسة «رونالد ريجان») ــ بكشف اللغز الذى احتار فيه الكثيرون، فقد قدم «شولتز» فى هذا الصدد خبرا صريحا حاول إخفاؤه فى هامش على صفحة 477 من مذكراته، وكان نصه:



أن إسرائيل كانت ترفض تسليم «طابا» إلى مصر مهما كانت الأسباب، وهدفها إقرار مبدأ أن قرار مجلس الأمن 242 لا يفرض انسحابها من كل الأراضى، لكن المستشار القانونى لوزارة الخارجية الأمريكية «إبراهام صوفير» توصل إلى حل يعطى مصر «حق السيادة»، ويعطى إسرائيل «حق الانتفاع»!!



وكذلك جاء الحل فخا آخر منصوبا وبنفس دعوى الفصل بين «السيادة» وبين «الأمن»، وبمقتضاه ظهرت مجموعة من رجال الأعمال المصريين ورجال الأعمال الإسرائيليين ينشئون شركة سياحة دولية تدير الفندق الكبير فى «طابا» (وهو يشغل كل شاطئها)، والاكتتاب فى رأس المال مفتوح للمساهمين على الناحيتين بحرية السوق، ثم جرى إسناد إدارة الفندق إلى شركة «هيلتون» العالمية تديره لمدة خمسة عشر عاما، وبدورها فإن «هيلتون» العالمية شكَّلت مجلس إدارة مشترك يضم مصريين وإسرائيليين، على أن يكون هناك مدير مصرى ومدير إسرائيلى، وعلى أن تكون العملة المتداولة فيه لتسوية الحسابات، هى: الجنيه المصرى والشيكل الإسرائيلى.



أى أن فندق «طابا» ــ وهو معظم مساحة «طابا» ــ أصبح إدارة مصرية إسرائيلية، والعلم المصرى يرفرف على الفندق إعلانا للسيادة، والشراكة الإسرائيلية فى داخله ضمان للأمن المنفصل عن السيادة.



والمدهش أن السياسيين والدبلوماسيين الذين عملوا على صدور قرار التحكيم الدولى لصالح مصر، لم تكن لدى أيهم فكرة عما وقع من ترتيبات على الأرض، لأن المسألة انتقلت من وزارة إلى وزارة، خرجت من وزارة الخارجية كقضية وانتقلت إلى وزارة السياحة، كشركة وفندق وشاطئ، ولم يتوقف أحد عند التفاصيل، وكان الشيطان موجودا فى التفاصيل على حد التعبير المأثور فى دراسة النصوص!



●●●



ولاحت فرصة أخرى ــ ومرة ثانية ــ دار الكلام همسا ووقعت الحركة خفاء! ــ وإذا المصالح تقدم خدمة أخرى مفيدة للقرار السياسى المصرى.



فقد وقعت فى إطار نفس التوقيت ــ أواخر الثمانينيات ــ حادثة «سليمان خاطر»، وهو مجند مصرى، كان يؤدى الخدمة ضمن وحدة عسكرية مصرية فى «سيناء».



وقصة «سليمان خاطر» معروفة فى حد ذاتها، ملخصها أن هذا المجند المصرى وجد أمامه مجموعة من السياح الإسرائيليين يدخلون وفقا لترتيبات معاهدة السلام دون جوازات أو تأشيرات وإنما بمجرد بطاقة الهوية الشخصية (الفصل بين السيادة والأمن أيضا)، ويبدو أن الشاب وهو يراهم يقتربون من موقعه، صاح يحذرهم، لكنهم واصلوا الاقتراب، وفَقَدَ الشاب المجنَّد أعصابه، وإذا هو يطلق النار، يقتل واحدا ويصيب ستة من الإسرائيليين!



وبرغم محاكمة «سليمان خاطر»، والحكم بالسجن المشدد عليه (تم العثور عليه بعد شهور ــ ميتا فى زنزانة سجنه) ــ فإن الحكومة الإسرائيلية صممت على أن تدفع مصر تعويضات مقدارها مليون ونصف مليون دولار، بحساب: مليون دولار لأسرة القتيل، ومائة ألف دولار لكل جريح، رغم أن جروح بعضهم خدوش! ــ وكان ذلك مُحرِجًا للحكومة المصرية أمام رأى عام مصرى وعربى يعرف بالعلم العام أن إسرائيل قتلت مواطنين مصريين حتى بعد معاهدة السلام، دون أن يكلفها أو يطالبها أحد فى مصر بطلب تعويضات!



والآن كانت إسرائيل هى التى تصر.



والحكومة المصرية تشعر بالحرج.



وفجأة هدأ الموضوع، ولم يعد يتكلم فيه أحد، وتبين أن عددا من رجال الأعمال المصريين الجُدد خشوا على معاهدة السلام أن تتأثر، وعلى الطرف المصرى أن يتحرج، وأرادوا الاستجابة للمطلب الإسرائيلى دون أن يشعر أحد، وجمعوا من بينهم مبلغ التعويضات التى طلبتها إسرائيل، وتم دفعه بهدوء، وانتهى الإشكال دون ضجة، وبغير مضاعفات.



●●●



وكانت العلاقة بين المصالح والقرار السياسى تزداد حميمة، وتحتاج إلى تحصينها على نحو ما باعتراف، حتى يتحول «الغرام» وتوابعه إلى زواج يسدل ستار الشرعية على «وليد التوريث»، ولذلك لم يكن غريبا أن تجىء انتخابات آخر مجلس شعب وقع انتخابه قبل ثورة 25 يناير 2011، وفيه عدد غير مسبوق من رجال الأعمال، لا تكفى لطمأنتهم وعود وعهود ولا سلطة تطوع من أجلهم القانون، لكنهم يريدون أن يكتبوا النصوص الآن وفى المستقبل.



ولو أن أحدا راجع تشكيل البعثات والوفود المتحركة بنشاط على الطريق إلى «واشنطن»، لظهر أمامه الدور المتزايد للجماعات الجديدة الصاعدة فى مصر، وهى تلتصق بالسلطة، وتبذل أقصى الجهود للترويج لها من خارج الإطار.



ولم تكتفِ البعثات والوفود بما تستطيع توصيله إلى من التقوهم فى أروقة الكونجرس أو دور الصحف، بل وصل بعضهم إلى توظيف خدمات مكاتب علاقات عامة، وجماعات ضغط تتحرك بظن التأثير على مراكز القرار الأمريكى، وإقناعه بأن النظام القائم على السلطة فى مصر لابد من مساندته على الأمد الطويل، ومساندته فى المستقبل كما فى الحاضر، لأنه ضرورة أمريكية قبل أن يكون ضرورة مصرية، باعتبار أن الحاضر يحكمه الأب، والمستقبل يحتاج إلى الابن!



●●●



وكذلك تسربت الطبقة الجديدة فى مصر إلى آفاق أوسع فى الداخل والخارج، خصوصا فى مجالات الإعلام ــ والعلاقات العامة ــ والتأثير قريبا وبعيدا على المناخ الثقافى فى مصر، وهكذا وقع عملية تجريف مصر، وكان أسوأ ما فيه ما جرى للتعليم، بعدما جرى للإعلام والثقافة.



كانت مصر دائما تقوم بدورين فى العالم العربى: دور تنويرى ودور توحيدى، وكانت الصلة بين الدورين وثيقة وطبيعية، وفى الواقع أن مشروع النظام العربى كان فى الأساس ثقافيا.



فقد كانت حركة التنوير (بالتعليم والثقافة والإعلام)، والتى بدأت فى مصر (ولبنان) ــ هى التى تحرِّك عوامل التقارب والتواصل بين شعوب الأمة العربية كلها.



وكانت حركة التوحيد نتيجة منطقية لهذا التواصل والتقارب، وبخروج مصر بصلح منفرد مع إسرائيل ــ توقفت عملية التقارب والتواصل.



●●●



وفى أجواء ما سُمى بالانفتاح وفى التمهيد له، وبهذه العلاقة غير المشروعة بين السلطة والثروة ــ فإن أفضل العناصر المستعدة والمؤهلة للحِراك الاجتماعى والفكرى أحست أن الآفاق أمامها محصورة أو مُحاصَرة، وفجأة فُتح الباب للتعاقد الفردى للمعلمين وأساتذة الجامعات المصرية للعمل خارجها، وفى أجواء الحَصر والحِصار هرع كثيرون إلى حيث وجدوا الفرصة، وكانت العقود جاهزة وسخية، وفى عشر سنوات لا أكثر من سنة 1975 وحتى سنة 1985 ــ كانت الإحصاءات الرسمية تؤكد أن الجامعات المصرية فقدت 55% من طاقتها العلمية، كما أن التدريس فى المدارس الثانوية فقد 42% من طاقته التعليمية.



●●●



ولعل ما حدث لنهر النيل أثناء مروره فى كل مدينة ــ كشف حجم العدوان حتى على قداسة الحياة.



كانت الرغبة جامحة مع التحولات والتغيرات السياسية، فى إرضاء جميع الطوائف والجماعات حتى تتلهى وتنصرف، وفى ظرف خمس سنوات ــ بعد حرب أكتوبر ــ كانت ملايين الأطنان من الأسمنت قد ألقيت فى مجرى النيل لإنشاء ملاعب ونوادٍ نهرية لمختلف الهيئات والتجمعات المهنية ــ إرضاء وإلهاء لفئات متعددة ما لبث معظمها أن اكتشف أنها على ضفافه، لكن خصوبته تسير فى اتجاه آخر، وحدث للنيل ما لم يحدث لأى نهر فى مقامه، حتى كاد النهر العظيم يختنق على طول مجراه فى مصر ــ كلما مر بعاصمة أو مدينة.



وفى آخر زيارة قام بها الرئيس «فرانسوا ميتران» لمصر كان سؤاله الوحيد: «لماذا شوَّهتم وجه النيل بهذه الصورة المعادية للحضارة وللحياة؟!».



وكان قد خرج من بيت السفير الفرنسى على النيل فى الجيزة يتمشى على شاطئ النهر العظيم، ويتأمل ما يرى بشعور من الأسى!





(1) (من الإنصاف القول بإن بعض مراكز الإعلام الخاص التى استجدت فى تلك الظروف، قامت بدور شديد الأهمية فى السنوات الأخيرة بتأثير نجوم ظهروا فيها على الصفحات وعلى الشاشات). وغيرها مما كان الوصول إليه ضروريا لخدمة المصالح الطارئة، وتوفير الأمن والتأمين لها ــ هى الأخرى!



فى الحلقة القادمة:

450 مليون يورو تخرج مع حسين سالم من مصر إلى أبوظبى .. لغز حسين سالم ولقاء معه على الطريق إلى جنيف.. وماذا جرى؟!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عماد الصغير
راكب درجه فاخره
راكب درجه فاخره


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 765
نقاط : 1232
تاريخ التسجيل : 26/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مبارك وزمانه من المنصة الى الميدان للقراءة المباشرة   الأربعاء فبراير 15, 2012 3:18 pm

عندما بدأ ترشيح «مبارك» لمدة رئاسة ثالثة لم يكن فى مقدورى غير أن أقف بعيدا لا تأييد ولا معارضة، وللحقيقة فإنه لم يكن الآن فى حاجة إلى سند من أى طرف، فقد عزز مواقعه، أو كذلك بدا داخليا وخارجيا ـ أو بالعكس.



وأكثر من ذلك فقد تمكَّن من تفريغ محيط النخبة فى مصر، فلم تتعد تتسع لغيره، أو لمن يشاء ويختار، إذا جاءت ضرورات للاختيار، حتى بالنسبة لمنصب نائب رئيس الجمهورية.



ولم يكن «مبارك» على أى حال مستعدا لقبول «رجل» يجلس خلفه أو يجلس بجانبه فى انتظار موعد التغيير أو مفاجأة المقادير، وكان عذره للناس «أنه لا يريد أن يفرض عليهم بديلا، إذا عُيِّن بقرار منه نائبا له»، وكان فى ذلك القول منطق، وفى ظاهره حق، ولم يخطر ببال أحد أن ظاهر الحق قد يخفى وراءه خاطرا ما زال بعيدا فى ضباب المجهول!!



لكن الرجل ـ وهو يؤبد لحكمه برئاسة ثالثة ـ وإلى آخر «نبض يخفق، ونَفَسْ يتردد» على حد ما قال، لا يزال كما كان فى أول يوم سؤالا بلا جواب!!



من هو الرجل بالضبط؟! ـ وماذا يعلم الناس عنه أكثر من اختيار «السادات» له؟! ـ ما الذى علَّمته له السلطة خلال قرابة العشرين سنة قضاها على قمة سلطة لم يكن يريدها، ولم يكن مستعدا لها (كما قال وكرر)؟!!



وما هى بالضبط عناصر ثقافته، وماذا أضاف الحكم إليها، أو ماذا حذف منها أو صحح؟!!



●●●



ولعل أسباب القلق زادت وظهرت إلى العلن عندما لاح شبح السيد «حسين سالم» قريبا من «مبارك»، وفى الواقع فإن اسم «حسين سالم» تقاطع مع اسم الرئيس «مبارك»، وإن لم يكن التماسا ظاهرا فى البداية، والواقع أن العلاقة بين الاثنين تبدت منذ وصول «مبارك» إلى مقعد الرئاسة عقب اغتيال الرئيس «السادات»، وبالذات فى معرض قضية نظرت بالفعل أمام محاكم «فلوريدا»، وهى تخص شركة (ايستكو) لنقل المعدات العسكرية الأمريكية الممنوحة لمصر، بمقتضى المساعدات الملحقة باتفاقية السلام مع إسرائيل، فقد كان اسم «مبارك» بصفته الرسمية مسجلا فى مستندات القضية كواحد من مؤسسى الشركة، وراح الصحفى الأمريكى الذائع الصيت فى ذلك الوقت «چاك أندرسون» يكتب عنها ويشير إلى «مبارك» بالاسم فى عموده اليومى الذى تنشره مئات الصحف الأمريكية.



لكن الضجة التى ثارت من حول القضية هدأت حدتها ونامت وقائعها، إلا من حكم صدر غيابيا يمنع «حسين سالم» من دخول أمريكا.



لكن شبح «حسين سالم» بقرب «مبارك» بدأ يخرج من الظل إلى ضوء الشمس مع تحول منتجع «شرم الشيخ» إلى شبه عاصمة سياسية ـ ثانية ـ لمصر، وكان «حسين سالم» بمثابة العمدة لهذه العاصمة الثانية («شرم الشيخ»)!!



●●●



وبمحض مصادفات ذات يوم سنة 1988 وجدت السيد «حسين سالم» أمامى، فقد صعدت إلى طائرة سويسرية من مطار القاهرة قاصدا «جنيف»، وبعد أن أقلعت الطائرة واستوت فى الجو، وإذا رجل طويل القامة أسمر الملامح يقف بجوار مقعدى، ويقدم نفسه لى على أنه: «حسين سالم».



وسألته تلقائيا عما إذا كان هو «ال»: حرف The، الذى يستعمل فى وصف شخصية بالذات تحمل اسما بالذات شاعت حوله مواصفات تخصه، وصفات تشير إليه تحديدا.



ورد الرجل بحيرة ظاهرة: «لا أعرف من هو «The» الذى تقصده، ولكنى أظنه أنا».



وأوضح أنه كان يجلس فى مقاعد الوسط فى الطائرة السويسرية، ورآنى أدخل الطائرة وأجلس على الجناح الأيمن لها فى الصف التالى، وراودته فكرة أن يتحدث معى، ثم استأذن إذا كانت قرينتى الجالسة إلى جوارى تسمح بأن تنتقل إلى مقعده بجوار زوجته، لأنه يريد أن يتحدث معى بعض الوقت، وكذلك جرى، وعندما جلس إلى جوارى كانت أول ملاحظة قلتها له: «هذه السيدة ـ زوجتك ـ شابة جدا عليك»، وفهم الملاحظة ورد عليها: «إن هذه زوجته الثانية، وأضاف: هى «ليست أم الأولاد»، لدىَّ فى الحقيقة زوجتان: واحدة للبيت والعائلة، وهى أم الأولاد، وثانية للسفر والسياحة».



وعلَّقت: «أن هذا ترتيب عبقرى، لا يقدر عليه إلا ذوى العزم من الرجال، خصوصا إذا كانوا أصدقاء «بالالتصاق» مع رئيس الدولة».



ورد: «هذا بالضبط ما أريد أن أتحدث فيه معك، وقد أحسست أن الفرصة جاءتنى من السماء، عندما وجدتك على نفس الطائرة، وأمامنا أربع ساعات كاملة إذا سمحت لى «الهانم»، (يقصد قرينتى)، وبادلت ـ مؤقتا ـ مقعدها بمقعدى.



ورجوته ألا يقلق، لأن «هدايت» تعوَّدت على كثرة ما تأخذنى الأحداث منها ـ والمصادفات أيضا.



وجلس إلى جانبى، وأشار إلى السيدة التى وصفها بأنها زوجة السياحة والسفر وقال:



«إنها شابة وجميلة، ولديها فكرة عن الدنيا، ووجودها معى عندما لا أكون فى مصر أو إسبانيا يجعل حياتى شيئا آخر».



وأضاف: «فى مصر عيونهم مفتوحة على كل حركة، وفى إسبانيا (حيث تقيم زوجته أم الأولاد فكل واحد من الناس فى حاله)، ولكن العالم أوسع من مصر ومن إسبانيا!!».



وقلت له «إن تقسيمه للاختصاصات ـ جغرافيا ـ على هذا النحو مثير، وربما كان يعبر عن أسلوب رجل عمل فى المخابرات له حياتان: واحدة يراها بعض الناس، وأخرى يراها غيرهم».



ومرة أخرى فهم «حسين سالم» الإشارة وقال:



ـ إننى قرأت لك كل ما كتبت، ومعنى ذلك أننى أعرفك، وأما «سيادتك» فلا تعرف عنى إلا ما سمعته من غيرى، ومعظمه «تشويه مقصود»!!



وسألته:



ـ لماذا تتصور أنه «تشويه» وأنه «مقصود»؟!! ـ أنا شخصيا سمعت الكثير عما هو «مهم» وما هو «مثير»، وبعضه أيضا «خطير»!!







حسين سالم ومبارك




●●●



وسألنى عن معنى «مثير»، وقلت «إننى سمعت مثلا أنك المسئول عن توريد ملابس «مبارك»، وأنك ترتب لها مع محل «بريونى»، وقاطعنى يقول: «إن هذا بالضبط هو التشويه المقصود»!!



واستطرد: الحكاية لها أصل «عادى»، لكن التشويه المقصود خرج بها عن كل الحدود!».



وراح يشرح:



«أصل الحكاية أن الرئيس «مبارك» ـ ولعلمك فأنا أحبه كثيرا، وهو صديق من زمن طويل ـ كان يزور الإمارات العربية المتحدة لاجتماع مع رئيسها الشيخ «زايد»، وقاطع نفسه ليقول: «لابد أنهم قالوا لك إننى أعرف الإمارات جيدا، وعملت هناك لسنوات طويلة ممثلا لشركة النصر للتجارة، وهى كما تعلم إحدى شركات المخابرات» ـ ثم عاد إلى سياق حديثه:



كان الرئيس «مبارك» على موعد مع الشيخ «زايد»، ووصل الشيخ «زايد» إلى قاعة الاجتماع بعد الرئيس بدقيقتين، واعتذر للرئيس عن التأخير «بأنه كان مع جماعة «بريونى» (محل أزياء الرجال الإيطالى الشهير)، يجرون قياسا جديدا له، لأن قياسه الموجود عندهم لم يعد ملائما بعد أن فقد الشيخ «زايد» بعض وزنه)، وراح الشيخ «زايد» يستعجل خبراء «بريونى» (كما قال للرئيس)، لكنهم «كما تعرف فخامة الرئيس حريصون على شغلهم، يحسبون المقاسات بالمللى»، وأبدى «مبارك» إعجابه بذوق «بريونى» Brioni، وسأل عن إمكانية أن يعرضوا عليه ما لديهم ذات يوم، ورد الشيخ «زايد» بكرمه المعهود «ولماذا لا يفعلون ذلك، وأنت هنا فى «أبو ظبى»؟!! ـ والأمر لن يستغرق أكثر من ربع ساعة أول مرة، وسوف يصنعون «على مقاسك نموذجا بالحجم الدقيق، ثم يفصِّلون عليه، ولا تراهم مرة ثانية إلا عندما يجيئون إليك لتجربة نهائية بعد أن يفرغوا من صنعه، وفى كل الأحيان سوف تجده مطابقا ومضبوطا إلا إذا تغيَّر وزنك كثيرا، وفى كل موسم فإنهم سوف يرسلون إليك من عينات أقمشتهم أحسنها، وتختار من العينات ما يعجبك، وفى ظرف أيام يكون معلقا فى خزانة ملابسك، ثم هم أيضا مع كل «طقم» يرسلون إليك ما يناسبه من القمصان وربطات العنق».







مبارك مع الشيخ زايد



وأعجب الرئيس «مبارك» بالفكرة، وتم ترتيب موعد يذهب إليه خبراء «بريونى»، حيث ينزل فى «أبوظبى» ـ فأخذوا مقاساته، واختار من عينات القماش عدة ألوان.



وقاطعته: كم قطعة اختار؟! ـ واحتار قليلا ثم أجاب: ثلاثين قطعة إذا كانت ذاكرتى سليمة ـ لا تنس أنه رئيس دولة، ثم إن المعروض عليه كان كثيرا، وهم يلحِّون عليه بتقديم أقمشة وألوان جميلة!!



هذه هى الحكاية ـ هذا هو أصل الحكاية ـ أصل الحكاية هدية من الشيخ «زايد» ـ وهذا ما أعرفه، بأمانة لا أعرف إذا كان الرئيس قد كرر الطلب من «بريونى»، وإذا كان فعل، فلم يكن ذلك عن طريقى!!



واستدرك «حسين سالم» «أنه تحدَّث معى بصدق ولم يخف شيئا، لأنه ـ ببساطة ـ لا يريد أن يلف ويدور على «رجل مثلى»!!



وشكرت له «حسن ظنه»!!



●●●



وقلت: «إننى أريد أن أسمعه فيما يقول، وأما التصديق فمرهون بالتفكير على مهل لاستيعاب الروايات والمقارنة بينها، وأنا لا أريد أن أخدعه بالتظاهر».



استطردت قائلا: «إننى سوف أترك هذه الحكاية «المثيرة» إلى غيرها».



ونظر إلىَّ باهتمام وقال: «إنه مستعد لأى سؤال»، وقلت: قيل لى من عدة مصادر أنك كنت المسئول عن اختيار هدايا أمراء الخليج إلى قرينة الرئيس.



ورد بسرعة بدون أن أكمل ما أريد، قائلا: «هذه أيضا لها أصل، ولكن عملية التشويه لحقت بأصل الوقائع».



واستطرد يسألنى: أنت تعرف قرينة الرئيس؟!!



وقلت: «إننى لم أتعرف عليها شخصيا، لكنى لا أنكر أننى فى وقت من الأوقات كنت أعلق أملا عليها، فقد كان تصورى وأنا أعرف أنها درست العلوم الاجتماعية فى الجامعة الأمريكية، واهتمت كثيرا بحى «بولاق»، وأجرت فيه أبحاثا ـ قد تكون عنصر توازن يكمل ثقافة زوجها، فهى تعرفت بالتدقيق على الواقع الاجتماعى فى البلد وتستطيع تذكيره به إذا كان نساه!!».





ومرة أخرى لم ينتظر «حسين سالم»:



قال وهو يقصد الكلام عن قرينة الرئيس: «إن «سوزى» ـ هكذا ـ سيدة ممتازة ولها ذوق رفيع، وهى على صداقة بأسر عدد من الحكام فى الخليج، وهى تزورهم وهم يزورونها، وبالطبع فإنهم كرماء فى هداياهم، وهى أيضا ترد لهم الهدايا»، واستدرك: «لكنها لا تستطيع أن تجارى».



على أن المشكلة التى ظهرت أنهم يختارون لها الهدايا قبل مجيئهم أو قبل ذهابها هى، وفى كثير من الأحيان تجىء الهدايا مكررة، وتتلقى قرينة الرئيس ـ نفس الشىء ـ نفس الطقم مرتين وثلاثة وأحيانا أربعة، وبالطبع فإن التنويع مطلوب، وكذلك «طلبوا» أن أرى الهدايا حتى لا تتكرر الأطقم، فعلت هذا بعض الوقت، لكن التكرار وقع برغم الاحتياط، ثم تقرر أن ترسل عينات الهدايا المقترحة إلى مصر قبل أى لقاء، وهناك يجرى الاختيار منها، بنظر من يعرف ما لديه، ويفضل جديدا غيره».



وعاد يسألنى: أين الخطأ هنا؟ ـ الناس هناك يحبون التعبير عن مشاعرهم بالهدايا، وهداياهم غالية، والهدايا لا يصح أن تتكرر، وإلا ماذا يفعل بها الذين يتلقونها، هل يلبسون نفس «الرسم» كل مرة، أو يبحثون عن طريقة تضمن التجديد؟ ـ هل تتخيل أن يجىء من نفس الطقم نسخا مكررة، وماذا يفعلون بها، وإذا باعوا المكرر واحتفظوا بنسخة واحدة من الرسم، ألا يثير ذلك انتقادات وحكايات وشائعات؟!!



●●●



وقلت له: دعنا من كل ما هو «مثير» فيما سمعت عنك، دعنا نتكلم عما هو «خطير» ـ أقصد موضوع السلاح!!



ومد بصره عبر نافذة الطائرة، وقال: هذه قمم جبال الألب أمامنا، والطائرة أوشكت على الهبوط فى «جنيف»، ولكن لا تظن أننى أتهرب من سؤالك ـ فأنا على استعداد للكلام فيه.



وأكمل يسألنى:



ـ ماذا لو التقينا على الغداء غدا، لنكمل الحديث؟!!



وقلت: إننى مدعو على الغداء غدا مع السفير المصرى فى «جنيف» (الدكتور «نبيل العربى»).



وقال: أعرف أنه «عديلك»، وقلت إن ذلك صحيح، وعلى أى حال فقد أستطيع إقناعه بتأجيل غدائه، وإذا رضى فسوف أقبل دعوتك.



واستأذن أن ينتقل إلى مقعده بجوار «زوجة السفر والسياحة» قبل هبوط الطائرة.



وعندما نزلنا إلى مطار «جنيف» كان السفير الدكتور «نبيل العربى» وقرينته فى استقبالنا، وقال لى «نبيل العربى»: إنه دُهش عندما وجدنى أخرج من الطائرة مع «حسين سالم»، واستأذنته وقرينته فى تأجيل غدائى معهما إلى اليوم التالى، ووافق الاثنان، وكلاهما يستطيع أن يفهم اهتماماتى ويقدرها.



والتفت إلىَّ «حسين سالم»، وقلت له إننى سوف أقبل دعوته غدا، وقال هو: إذن غدا فى فندق «الريزرڤ» La Reserve، وحاول «حسين سالم» مد الدعوة إلى «نبيل العربى»، لكن ذلك السفير اليقظ والمقتدر ـ اعتذر قائلا: «إنه يتصور أن بيننا حديثا، من الأفضل إتمامه على انفراد» ـ وقد كان!!



●●●



وكان واضحا لى من أول نظرة على المائدة التى وُضعت فى ركن بعيد من حديقة فندق «الريزيرف» ـ أن «حسين سالم» اتخذ من الترتيبات ما يجعل غداءه «مناسبة خاصة» ـ فقد كانت المائدة مُعدَّة بعناية ملحوظة، كما أن رئيس الخدمة فى الفندق كان واقفا بجوارها يُشرف على تهيئتها بنفسه، وإلى جوارها كانت مائدة يتوسطها حامل من الفضة عليه زجاجة نبيذ مفتوحة، لاحظت أنها «شاتولاتور 1949»، وأبديت دهشتى، فهذه زجاجة نبيذ لا يقل ثمنها عن عشرة آلاف دولار، وعلَّقت عابرا على نوع زجاجة النبيذ، ثم أضفت: «أنها خسارة لأنى لا أشرب»، وللإنصاف فقد رد قائلا: «ولا أنا» ـ وقلت: إذن لماذا فتحتها، وقال: «إن رئيس الخدمة (المتر دوتيل) رأى أن يفتحها مبكرا، لأن النبيذ المعتق يحتاج أن يتنفس الهواء»، وكان رئيس الخدمة قد نقل جزءا منها إلى إناء من الكريستال بقربه شمعة مشتعلة تشيع من حولها دفئا قبل صبها فى كئوس الشاربين. وقال «حسين سالم»: «لقد فتحها وانتهى الأمر» ـ ورجوته إبعادها عن المائدة، لأن وجودها بالقرب منا مستفز دون داعٍ، وأشار إلى رئيس الخدمة، وطلب إليه أن «يتصرفوا» فى النبيذ، وبدا الرجل مرتبكا، لكن «حسين سالم» طمأنه بصوت خفيض بما معناه (كما أظن) أنه سوف يدفعها ضمن الحساب، حتى وإن لم نستهلكها، وكان الرجل أكثر ارتباكا، لكن ارتباكه هذه المرة كان بالسعادة وليس بالقلق!!



ولم أشأ إضاعة الوقت، فقلت:



ـ على أى حال زجاجة نبيذ من هذا النوع ـ تغرى على الفور بموضوع تجارة السلاح!!



وقال على الفور: أنا لا أحب تجارة السلاح ـ ولم أدخل فيها، تجارة السلاح خطرة على من يقترب منها ـ وعلى من يتاجر فيها، أو حتى يكتب عنها، أضاف فيما أحسست به شبه تحذير:



ـ أرجوك ألا تكتب أبدا عن موضوع تجارة السلاح ـ لأنه مجال خطر، ومن يعملون فيه «قلبهم ميت»، لا يتورعون عن شىء!!



وقلت:



«إن كل مهنة لها مخاطرها، الصحافة بالطبيعة خطرة، والبحث عن الحقيقة فى أى مجال يعرض الباحث باستمرار لأصحاب المصالح، والمصالح فى السلاح مروعة، والاقتراب منها مروع أيضا».



ثم أضفت لطمأنته:



ـ «وأنا فى هذا اللقاء لست صحفيا، ثم إن اهتمامى هو بالسياسة أكثر منه بالسلاح!!».



وقال: «إنه أولا ولعلمى الخاص يريد أن يوضح أنه لم يدخل فى تجارة السلاح، وإنما دخل فى نقل السلاح، وهناك فرق كبير بين النقل، وهو عملية شحن بضائع، حتى وإن كانت سلاحا ـ وبين تجارة السلاح فى حد ذاته باعتباره هذه البضاعة!».



وقلت له: «إننى أريد فهم القضية أكثر مما يهمنى نشرها».



أضفت: «لكى أكون صريحا معك، فإننى بعد لقائنا فى الطائرة، اتصلت بمكتبى وطلبت أن يرسلوا إلىَّ صورا من بعض الأوراق التى حددتها لهم، وجاءتنى هذه الأوراق وراجعتها، وهى الآن معى فى السيارة التى جئت بها إلى هنا».



وسألنى إذا كان يستطيع أن يراها، لأنها سوف تساعد على تحديد ما أريد أن نتحدث فيه!!



واتصلت بسائق سيارتى أطلب إليه أن يجىء بمظروف تركته فيها، وكان «حسين سالم» يتابع حركة المظروف، ينتقل من يد السائق إلى يدى، ثم يتابع حركة يدى، وأنا أستخرج مجموعة أوراق ناولتها له.



●●●



كانت الأوراق التى سلمتها له مجموعة وثائق:



1ـ حكم استئناف الدائرة الرابعة فى القضية بتاريخ 4 نوفمبر 1983، والقضاة فيها ثلاثة هم: «رسل» و«فيلبس» و«مور ناجان»، وهم مكلفون بالنظر فى دعوى رفعتها الحكومة الأمريكية على مجموعة من الشركات يمثلها المستر «ادوين بول ويلسون»، وضمن منطوق الحكم ذكر لشركة «ايتسكو» Eatsco، وهى شركة يملك «حسين سالم» 51% من أسهمها، كما يرأس مجلس إدارتها خمسة رجال يحملون أسماء نافذة فى مصر، وكلهم فى صميم القرار السياسى، والشركة طبقا لعريضة الاتهام تولَّت عمليات نقل أسلحة أمريكية إلى الشرق الأوسط، وفى الإشارة ما يوحى بالشبهات فى عملية بين هذه المجموعة وبين شركات السلاح، ثم صلة صحيفة الدعوى وقد تردد فيها ذِكر وكالة المخابرات المركزية، وأخيرا معلومات عن تلاعب فى الفواتير.



2ـ نص حكم قضائى آخر صادر ضد شركة «ايتسكو» بالتحديد، والشركة متهمة بالاسم، ومقدم الدعوى وزارة الدفاع الأمريكية التى حصلت فيها على حكم، بعد أن أثبتت أن الشركة «غالطت» الحكومة الأمريكية فى مبالغ بملايين الدولارات، أضافتها بالتزوير إلى فواتير نقل السلاح.



وقد صدر الحكم غيابيا على «حسين سالم» ـ إلا أنه سارع إلى مغادرة الولايات المتحدة قبل إعلانه.



وأصدر مكتب النائب العام الأمريكى أمرا بالقبض على «حسين» إذا وصل إلى أراضيها.



3ـ مجموعة مقالات للصحفى الأمريكى الشهير «چاك أندرسون»، نشرتها جريدة الواشنطن بوست، عن قضايا تجارة السلاح.



ـ أولها بعنوان «عقود السلاح ـ الفضيحة تطبق على الرؤساء فى مصر!!».



واسم «مبارك» موجود فى المقال فى معرض تقرير وصل إلى الرئيس «السادات» عن تردد اسم اللواء «منير ثابت» (مدير مكتب المشتريات العسكرية فى واشنطن) مع اسم «حسين سالم» فى سياق أرباح وعمولات تتصل بـ«نقل الأسلحة»، ويشير «چاك أندرسون» فى مقاله صراحة إلى برقية من وزارة الخارجية الأمريكية بتاريخ 2 يوليو 1979 تخطر الخارجية: «بأن الرئيس «السادات» كلف «حسنى مبارك» بالتحقيق فى التقرير».



لكن السفارة الأمريكية فى القاهرة ردت فى اليوم التالى ببرقية تقول فيها: «إن مصادرها أكدت لها أن نائب الرئيس سوف يغطى على التحقيق، لأن «منير ثابت» هو شقيق زوجته، وأن «مبارك» ساعد على ترقيته من منصب مساعد الملحق العسكرى فى واشنطن، إلى منصب مدير مكتب المبيعات العسكرية الأمريكية لمصر.



وتطرق المقال إلى ذكر «حسين سالم» وشركة «ايتسكو».



ـ وكان المقال الثانى لـ«چاك أندرسون» أيضا تحت عنوان «فلسطينيون يسيطرون على مبيعات السلاح إلى مصر»، وكانت الإشارة إلى رجل أعمال من أصل فلسطينى، يعيش فى الإمارات، وتربطه شراكة مع «حسين سالم»، وفى المقال أن «مبارك» ـ الذى أصبح رئيسا لمصر ـ وكذلك أنت (موجها الحديث مباشرة إلى «حسين سالم») ـ شركاء فى صفقات سلاح تتم فى الغرف الخلفية، وأن وكالة المخابرات الأمريكية على علم بالتفاصيل، بل إنها تدخلت فى بعض اللحظات ـ للتسهيل والتشهيل!!



4ـ وكانت الوثيقة الأخيرة تقريرا عن سفينة شحن اسمها «بوميه» تناوبت على تأجيرها شركات إسرائيلية، وكذلك أجَّرتها شركة «ايتسكو»، وتلى ذلك تفاصيل فيها ذكر لأسماء مسئولين مصريين شاركوا فى عمليات تجارة الأسلحة، من «نيكاراجوا» إلى «أفغانستان» إلى «إيران»، وفى مقابل عمولات طائلة، وكانت الإشارات إلى «حسين سالم» متكررة، كما أن الإشارات إلى شركة «ايتسكو» وإلى علاقاته بمسئولين مصريين كبار، ظاهرة فى حركة نشيطة واصلة من «واشنطن» إلى «مدريد» إلى «القاهرة» إلى بلاد أخرى بعيدة.



وفرغ «حسين سالم» من تقليب الأوراق، ثم كان أول تعليق له:



«الأمريكان أولاد الـ(...) هدفهم بالدرجة الأولى ابتزاز السياسة المصرية، وتصوير الأمور بما يوهم الناس بأن لديهم وسائل للسيطرة Control على مسئولين مصريين.



ثم بدأ يدخل فى تفاصيل كثيرة عن صفقات سرية لبيع السلاح، وكان تركيزه بالدرجة الأولى أن معظم هذه الصفقات لصالح المجاهدين فى أفغانستان.



●●●



وفوجئت به يوجه إلىَّ سؤالا: عما إذا كنت ضد تسليح المجاهدين فى أفغانستان؟!!



وقلت إننى لا أريد أن أتشعب بالحديث إلى موضوعات نستطيع أن «نغرق» فيها حتى الصباح!!



وقال:



«إنه يعرف أننى مهتم بالسياسة، ثم إننى لا أعرف «مبارك» بما فيه الكفاية، وهو يريدنى أن لا أظلم الرجل، فليس عيبا أن الرجل اقترب بوظائفه فى لحظة من اللحظات من موضوع السلاح.



وربما خطر له شىء، لقد كان على وشك انتهاء خدمته فى سلاح الطيران، ولم يكن يعرف أن الرئيس «السادات» سوف يختاره نائبا له، ومن الطبيعى أن يفكر الرجل فى مستقبله ومستقبل أولاده، وأن يبحث فى الخيارات المتاحة له، لأنه سيخرج وهو بالكاد فى الخمسين من عمره.



وأنا لا أقطع بشىء، ولكن لاحظ أن الرجل كان قريبا من موضوع السلاح للدول العربىة، وأقول لك إنه ربما ـ ربما خطر له الاشتراك مع بعض زملائه فى شىء ـ أنا أقول ربما ولا أقطع بشىء ـ هذا ما أستطيع أن أقوله ـ وأكثر منه لن أقول شيئا»!.



وكان واضحا أنه بلغ نقطة لا يستطيع أن يتزحزح بعدها.



●●●



وانتقلت بالحديث إلى بيع الغاز لإسرائيل، ولم تكن الاتفاقيات الكبرى قد عُقدت بعد، ولا خط الأنابيب قد امتد مساره عبر سيناء، وقال «حسين سالم»:



«نعم عقدت صفقات غاز لإسرائيل، الغاز يظهر فى مصر بغزارة، ونستطيع أن نصدره».



وسألته عن الأسعار، واستغربت رده:



«عقدت صفقات مع إسرائيل لها دواعيها السياسية وهى أكبر منى، وأما الغاز لإسبانيا، فلأنى مدين للإسبان، فقد أعطونى الجنسية الإسبانية، ورحبوا بى وبعائلتى هناك، وأكرمونا فى الحقيقة، وكان لابد أن أرد لهم الجميل!!».







عمر سليمان ومنير ثابت



●●●



وكان آخر مشهد ظهر فيه «حسين سالم» على الساحة المصرية هو ركوبه لطائرته الخاصة من مطار «شرم الشيخ» بعد أيام من قيام ثورة 25 يناير، ومعه مجموعة صناديق تحتوى على 450 مليون يورو نقدا وجديدة، ولا تزال بنفس التغليف الذى صُرفت به من البنك المركزى الأوروبى، وحطت طائرة «حسين سالم» فى مطار «أبوظبى»، وفى مطار «أبوظبى» لاحظ مأمور المطار هذه الصناديق، وأدرك على الفور أنها أوراق نقد، وأخطروا بالأمر سلطات مسئولة فى «أبوظبى»، وصدر قرار بالاتصال بالقاهرة لسؤالها فى الموضوع، وكان «مبارك» شبه معتزل فى «شرم الشيخ»، لكنه لم يكن قد «تخلَّى» عن السلطة بعد ـ وجرى الاتصال بنائبه الجديد السيد «عمر سليمان»، وأشار النائب بالإفراج عن الرجل، وعدم إثارة ضجة فى الوقت الحاضر حول الموضوع، لأن الظرف حرج، وسأل بعض المسئولين فى الإمارات شخصيات مصرية عما يمكن التصرف به حيال الموضوع، وكان بينهم نائب رئيس الوزراء المصرى السابق، ووزير الصناعة والتجارة فى مصر السيد «رشيد محمد رشيد»، وكانت نصيحة «رشيد» وغيره ـ إيداع المبلغ مؤقتا فى البنك المركزى للإمارات، والاتصال مع السلطات المصرية للبحث عن الأصل فى هذا الموضوع، وكيفية التصرف حياله.



وقد سألت المهندس «رشيد محمد رشيد» ـ فيما بعد ـ عندما قابلته فى عاصمة أوروبية عن صحة الرواية، واستأذن الرجل «أن أبقيه بعيدا عن هذا الموضوع»، لأن لديه من المشاكل ما يكفيه، وإن استفاض فى الحديث عن غيره من الموضوعات، وأهمها روايته عن الأيام الأخيرة لنظام «مبارك» فى مصر، وللأمانة فإنى لم أستأذن الرجل فى نشر ما أشرت إليه الآن مما ورد فيه اسمه، فحين قابلته لم يكن فى تقديرى أننى سوف أكتب هذه الصفحات، وكذلك لم أستأذنه!!



وعلى أى حال فقد انقضت الآن أيام وأسابيع وشهور، وظهرت أخبار كثيرة فى صحف مصرية وخارج مصر عنها، لكن الغموض ما زال يكتنف مصير صناديق الربعمائة وخمسين مليون يورو، ومن هو صاحبها الحقيقى؟! ـ وماذا جرى لها؟! ـ وأسئلة أخرى بغير نهاية!!







في الحلقة الثالثه عشر:

مسألة أشرف مروان .. أين هي الحقيقة فيها؟ .. آخر لقاء مع أشرف مروان في لندن .. وماذا قال؟!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عماد الصغير
راكب درجه فاخره
راكب درجه فاخره


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 765
نقاط : 1232
تاريخ التسجيل : 26/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مبارك وزمانه من المنصة الى الميدان للقراءة المباشرة   الخميس فبراير 16, 2012 12:32 pm

كانت العلاقة بين الرئيس «حسنى مبارك» والدكتور «أشرف مروان» ــ وثيقة فيما بدا لى، وكان ما لفت نظرى مبكرا إلى أن هذه العلاقة بين الاثنين أبعد من حدودها الطبيعية ــ مشهد فى مكتبى فى شهر مارس سنة 1974، وكان «حسنى مبارك» قائدا للطيران، و«أشرف مروان» مديرا لمكتب الرئيس للمعلومات، وكان «أشرف مروان» يزورنى مثل آخرين غيره حاولوا ــ تصفية الأجواء، وإعادة العلاقات بين الرئيس «السادات» وبينى، (وكان الخلاف بيننا قد احتدم وابتعدت عن «الأهرام» بعد أن عارضت سياساته «بصراحة» فى مجموعة مقالات نُشرت فى «الأهرام» ثم نشرتها فيما بعد فى كتاب مستقل بعنوان «عند مفترق الطرق».



وأثناء وجوده فى مكتبى ــ ذلك اليوم من مارس سنة 1974 ــ قال لى «أشرف مروان» ضمن ما قال «إنه سوف يذهب ــ غدا ــ إلى ليبيا لمقابلة «القذافى»، وشرح لى داعيه للرحلة، ولم أتحمس لما سمعت، فقد كان ملخصه أن الرئيس «السادات» يرغب أن «يقوم «الأخ العقيد» بشراء طائرة للرئاسة المصرية، لأنه يعتقد أن الوقت قد حان (بعد حرب أكتوبر) لتكون للرئاسة المصرية طائرة تليق بها كما هو الحال مع آخرين من رؤساء الدول العربية» (بالذات ممالك ومشيخات النفط).



وكان اعتماد «أشرف» فى هذه المهمة على علاقة نشأت بينه وبين السيد «عبدالسلام جلود» (رئيس وزراء ليبيا)، وكذلك رأى أن يكون «جلود» مدخله إلى إقناع «القذافى» بتمويل شراء طائرة رئاسية مصرية.



●●●



وفى مكتبى ــ ذلك الوقت من سنة 1974 ــ و«أشرف مروان» يحكى عن مهمته فى ليبيا وجدته ينهض فجأة كمن تذكَّر أمرا، ويتصل بقائد الطيران الفريق «حسنى مبارك»، ويخاطبه باسمه الأول: «حسنى».. (هكذا بلا ألقاب) جهز طائرة من عندك للسفر غدا إلى «طرابلس»، وأريدك بنفسك على الطائرة».



ثم عاد إلى استئناف حديثه معى.



وبدت لى تلك الألفة بين الرجلين لافتة!!



●●●



(والذى حدث فى شأن موضوع الطائرة الرئاسية أن علاقة «القذافى» بالرئيس «السادات» تدهورت فجأة ــ كالعادة ــ لأسباب يطول شرحها، ورفض «القذافى» أن تقوم ليبيا بشراء طائرة رئاسية لـ«السادات»، وعرف السيد «كمال أدهم» (مدير المخابرات السعودية) من «أشرف مروان» بالرفض الليبى، وقرر الملك «فيصل» (و«كمال أدهم» هو شقيق زوجته الملكة «عفت») ــ أن يكون هو صاحب هدية الطائرة الرئاسية، وقد كان.







عبد السلام جلود



●●●



وعندما وصل الرئيس «مبارك» إلى رئاسة الجمهورية، وبعد انقضاء مدة الرئاسة الأولى والثانية، كانت الطائرة الرئاسية (هدية السعودية) قد تخلَّفت عما استجد على الطائرات الملكية والرئاسية من مظاهر الأبهة والترف، خصوصا بعد ذلك الفيض المنهمر من ثروات النفط!! ــ وجرت مفاتحة «القذافى» مرة أخرى، وكانت العلاقات قد تحسنت، والظن أن هذا التحسن فى العلاقات يكفى لإقناع «القذافى» أن تشترى «ليبيا» طائرة جديدة للرئاسة المصرية، وكذلك كان!!



وحدث أن «الديكور» الداخلى للطائرة الجديدة وهو من رسم المصمم الفرنسى الشهير «بيير كاردان»، لم تجئ ألوانه متوافقة مع ذوق من يعنيهم الأمر فى القاهرة، وبالفعل تم تغيير الديكور الداخلى للطائرة بألوان مختلفة تَلقى القبول!!).



●●●



وفى تلك السنوات ــ على طول السبعينيات ــ توثقت العلاقة بين الرجلين ــ «حسنى مبارك» و«أشرف مروان» ــ وزادت قربا عندما أصبح «أشرف مروان» ضمن المسئولين عن مشتريات السلاح بعد اعتماد سياسة تنويع مصادره، ويلاحظ حتى من قبل ذلك أن الرجلين معا كانا قريبين بحكم الاختصاص من صفقة «الميراچ» الليبية مع فرنسا (1970 ــ 1974)، فقد كان «مبارك» باعتباره قائدا للطيران هو الرجل المسئول عما يجىء لمصر من تلك الصفقة، ثم إن عقد الصفقة قام به أساسا ضباط من سلاحه، قصدوا إلى باريس بجوازات سفر ليبية، (لكن الفرنسيين كانوا يعرفون الحقيقة)، وفى نفس الوقت فإن «أشرف مروان» وبمسئوليته فى ذلك الوقت عن العلاقات مع ليبيا ــ لم يكن بعيدا عن التفاصيل.



●●●



ويستوقف النظر فى تلك الفترة أن دخول «أشرف مروان» فى قضايا التسليح، كان ظاهرا على مستوى القمة، فقد حضر اجتماعا رسميا للرئيس «السادات» مع وزير الخارجية الأمريكية «هنرى كيسنجر»، وكان الاجتماع فى بيت الرئيس «السادات» فى الجيزة يوم 10 أكتوبر 1974.



وتروى وثيقة رسمية من الوثائق السرية لوزارة الخارجية عنوانها «مذكرة عن مناقشة» ــ أن الاجتماع حضره من الجانب المصرى مع الرئيس «السادات» كل من «إسماعيل فهمى» (وزير الخارجية) ــ و«محمود عبدالغفار» (وكيل الوزارة) ــ والدكتور «أشرف مروان» (الذى وصفته الوثيقة الأمريكية بـ«مساعد الرئيس للاتصالات الخارجية»).



ومن الجانب الأمريكى الدكتور «هنرى كيسنجر»، و«چوزيف سيسكو»، والسفير «هيرمان إيلتس» (سفير الولايات المتحدة فى القاهرة)، و«بيتر رودمان» (من هيئة الأمن القومى الأمريكى).



وتحت عنوان فرعى يقول: «الأسلحة السعودية إلى مصر» يتضح (من المناقشة) أن السعودية عقدت صفقة أسلحة أمريكية لمصر بقيمة 70 مليون دولار، وأن هناك وفدا سعوديا يتعاون حول الصفقة موجود فى واشنطن.



وفى الصفحة الثالثة من محضر المناقشة، تقول المذكرة:



«حوار جانبى يدور باللغة العربية بين الرئيس «السادات» و«أشرف مروان».



ثم تستأنف المناقشة مسارها على النحو التالى:



«السادات»: نحن نتحدث مع السعوديين عن صفقة السلاح (التى يمولونها)، وأنت قلت لى إننا سوف نتحدث مع الملك فى هذا الموضوع، وأعتقد أن الصفقة يمكن توقيعها قبل شهر ديسمبر، ونحن على استعداد للتوقيع أيضا فى حدود سبعة ملايين دولار هذه السنة.



«كيسنجر»: إننا نجد صعوبة كبيرة مع السعوديين، ولا نستطيع أن ندفعهم إلى عمل شىء، وقد أزعجوا سفيرنا البروتستانتى المتدين، لأن كل ما يطلبونه هو «البنات» و«المال» Girls and money، ولم يسألوا أنفسهم بعد ماذا عليهم هم أن يفعلوا؟!، وهم يغطون على كل شىء، وسوف أثير هذا الموضوع مع الملك.



وهنا تدخَّل الدكتور «أشرف مروان» فى المناقشة قائلا:



«مروان»: إن الملك سوف يحيل الموضوع إلى «سلطان» (يقصد الأمير «سلطان» وزير الدفاع)، و«سلطان» ليس سعيدا بمسألة الذخيرة التى يُقال لهم الآن إن تسليمها سوف يكون بعد أربعة عشر شهرا.



«كيسنجر» (موجها الحديث إلى «چوزيف سيسكو»): «چو».. اهتم بهذا الموضوع.



«مروان»: ألا يمكن قصر موضوع السلاح على شركات، دون تدخل للحكومة، (أى يجرى التفاوض بين السعوديين وبين الشركات الأمريكية مباشرة بدون تدخُّل رسمى.





«سيسكو»: تلك مسألة صعبة لأن الأمر يحتاج إلى تصريح من الحكومة الأمريكية ببيع السلاح.



«مروان»: لكن نحن لا نريد أن يكون لوزارة الخارجية دور فى موضوعات السلاح.



«كيسنجر»: عليكم أن تعرفوا أن وزارة الدفاع يتعين عليها فى مسألة السلاح أن تتعامل على أساس أسعار مقررة ثابتة!!







الأمير سلطان بن عبد العزيز



●●●



وبعد اختيار «مبارك» لمنصب نائب الرئيس سنة 1975، كانت أول مهمة كُلِّف بها أن يقوم بزيارة رسمية لـ «باريس» فى يونية من تلك السنة 1975، (أى بعد شهر واحد من توليه منصبه)، والهدف منها الاتفاق على شراء وتصنيع صواريخ فرنسية فى مصر، وكان «أشرف مروان» مصاحبا لـ «مبارك» فى تلك الزيارة (ولم يكن قد تولَّى بعد مسئولية هيئة التصنيع الحربى، ولكن دوره فى قضايا التسليح كان يزداد ظهورا).



(والتفاصيل حول هذه الصفقة منشورة فى المجلة المعتمدة لشئون الطيران فى العالم Aviation Weekly عدد 14 يوليو 1975).



●●●



وكرَّت السنين إلى أوائل الألفية الجديدة!!



ومع حلول سنة 2000 و«أشرف مروان» مقيم فى لندن، بدأت الأخبار تتسرب من إسرائيل تلمِّح إلى أنه كان «عميل إسرائيل» الذى أخطر «الموساد» بتوقيت نشوب الحرب فى أكتوبر سنة 1973، وبين المعلومات أن الهجوم سوف يكون على الجبهتين ــ المصرية والسورية فى نفس الوقت، وظلت التسريبات من إسرائيل تظهر وتختفى، لكنها ليست غائبة عن الاهتمام العام لعدة سنوات.







حافظ الأسد الرئيس السوري الراحل



ثم حدث فى ذكرى 6 أكتوبر (سنة 2005)، وهى مناسبة يقوم فيها رئيس الدولة عادة ــ «السادات» أو «مبارك» بعده ــ بزيارة ضريح «جمال عبدالناصر»، وفوجئ الرئيس «مبارك» على ما يبدو بأن «أشرف مروان» يتصدر مستقبليه على باب الضريح، وعند خروجه كان «أشرف مروان» الأقرب إليه بين مودعيه، ولاحظ بعض المحيطين بهما أن الرجلين تبادلا همسات لم تستغرق غير ثوان، وانصرف «مبارك»، لكن بعض من كانوا بالقُرب منهما فى البهو من «الضريح» إلى سيارة «مبارك» ــ التقطوا ــ أو كذلك تصوَّروا ــ من الهمس ما سمح لهم أن يفهموا أن «مبارك» يلوم «أشرف» أنه تعمَّد اليوم أن يظهر ملتصقا به طول وقت الزيارة، ثم إن «مبارك» ينصحه بالسفر فورا، لأن «الناس كلامها كثير»!!



وبالفعل فإن «أشرف مروان» عاد إلى «لندن» مع أول طائرة صباح اليوم التالى.







حرب أكتوبر 1973



●●●



كانت التسريبات التى خرجت من لجنة الأمن والدفاع فى «الكنيست»، ومن مجالس عسكرية سرية خاصة تشكلت للتحقيق فيها ــ شديدة الحساسية والخطورة، وهى باختصار أثر من آثار الصدمة التى واجهتها إسرائيل فى الأيام العشرة الأولى من حرب أكتوبر 1973 ــ فقد حدث وقتها أن إسرائيل شكَّلت لجنة تحقيق خاصة رأسها القاضى «أجرانات» لكى تبحث أسباب ما وقع وتحدد المسئولية عنه، وكانت النقطة المركزية فى التحقيق هى: هل فوجئت إسرائيل أو لم تفاجأ؟! ــ وهل عرفت أو أنها لم تعرف؟! ــ وإذا كانت قد عرفت من مصدر سرى، وقد عرفت فعلا، فلماذا تأخرت فى الاستعداد ساعات حاسمة؟! ــ ولماذا؟! ــ ومن يتحمل الوِزْر؟!!



وكانت لجنة التحقيق الخاصة (وهى مُشكَّلة بقرار من رئيسة الوزراء «جولدا مائير»، وبطلب وضغط من الرأى العام) ــ قد توصلت إلى نتائج أعلنت ملخصا مقتضبا جرى إعلانه مع إجراءات عقابية طالت عددا من المسئولين، وبين ما اتخذ من إجراءات، توجيه لوم إلى وزير الدفاع «موشى دايان»، وإزاحة رئيس أركان الجيش الإسرائيلى الچنرال «داڤيد بن أليعازار» من منصبه، وإحالة الچنرال «إيلى زائيرا» (مدير المخابرات العسكرية) إلى التقاعد.



●●●



ومع أن تحقيقات القضية وتفاصيلها بقيت فى حيز الأسرار المكتومة، إلا أنه ــ وكالعادة ــ فى إسرائيل وفى بلدان كثيرة غيرها ــ فإن لجنة «أجرانات» لم تستطع تكميم كل الأفواه، ولا حبس كل الأوراق، ولا وقف كل التداعيات، والسبب الرئيسى أن الخلاف ظل محتدما بين اثنين من الچنرالات الإسرائيليين الكبار أثناء حرب أكتوبر 1973.



ــ الچنرال «زڤى زامير» (رئيس الموساد ــ أى المخابرات العامة الإسرائيلية).



ــ والچنرال «إيلى زائيرا» (رئيس آمان ــ أى المخابرات العسكرية الإسرائيلية).



ومؤدى الخلاف بين الاثنين أن رئيس الموساد «زائير» يصر على أنه أبلغ عن خطط ومواقيت وصلت إليه من مصدر مصرى موثوق عن هجوم مصرى ــ سورى، لكن رئيس المخابرات العسكرية ــ الچنرال «زائيرا» ــ فى المقابل يصر على التشكيك فى مصدر المعلومات الذى أبلغ الموساد (لم ينف وجود المصدر المصرى ولم ينف دوره فى الإبلاغ مسبقا، ولكنه قدَّر أن يكون عميلا مدسوسا على إسرائيل، أو عميلا مزدوجا، وشاهده الرئيسى أن ذلك المصدر المصرى أبلغ إسرائيل بالساعة الخطأ فى موعد الهجوم، أى أن إبلاغه عن موعد الهجوم فى السادسة مساءً، بينما وقع الهجوم فعلا فى الثانية بعد ظهر السبت 6 أكتوبر).



وكذلك تعطَّل قرار إعلان التعبئة العامة فى إسرائيل، ووقع تقصير فى الاستعداد، وكانت كلمة «التقصير» بالتحديد هى عنوان تقرير لجنة «أجرانات».



وتحول الخلاف بين الرجلين إلى خلاف بين الجهازين: «الموساد» و»آمان»، وشكَّل ذلك نوعا من الشرخ داخل أجهزة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لم يعد فى الإمكان تجاهله، وكذلك جاء تشكيل اللجنة الأمنية العليا بين الرجلين: «زامير» و«زائيرا»، وتوفق بين الجهازين: «الموساد» و«آمان» برئاسة النائب العام «مناحم مازوز»، ومعه عدد من قيادات الجيش ومن خبراء الأمن، وإطلعت اللجنة على جميع الوثائق، بما فيها محاضر تحقيقات لجنة «أجرانات»، واستمعت إلى كل الشهادات، وبالطبع فإن الاسم الحقيقى للعميل المصرى الذى حصل «الموساد» بواسطته على سر الحرب وموعدها جرى تداوله.



ثم توصلت اللجنة إلى قرارات لم تُعلن، لكنه ــ كالعادة مرة أخرى ــ بدأت عمليات التسريب، وضمن ما تسرب أوصاف لهذا العميل المصرى ــ توصل بها أحد الباحثين إلى اسمه، وكذلك ظهر اسم الدكتور «أشرف مروان» بلا لبس أو غموض، وأخذت القضية منحىً جديدا لأن إذاعة الاسم أحدثت رجة وضجة داخل إسرائيل ــ أولا!!



وكانت الضجة تتركز على المسئولية عن كشف السر، لأن فيها إضرار «بصديق لإسرائيل»، وفيها عملية «فضح» سوف تجعل آخرين يترددون، طالما أن ما يفعلونه فى السر يمكن أن يظهر فى العلن!! ــ وكان مدير الموساد الچنرال «زامير» فى حالة هستيرية، يخشى أن كشف المستور سوف يلحق ضررا كبيرا بقدرة إسرائيل على تجنيد عملاء لهم قيمة!!



وفى الوقت نفسه، فإن الچنرال «زائيرا» كان يرد باعتقاده أن العميل الذى أبلغ إسرائيل كان عميلا مزدوجا ــ لمصر أيضا، ولذلك فقد كان فى حِلْ من الإشارة إلى اسمه!!



ووصل الصراع فى حدته وعنفه إلى درجة أصبح معها مسألة حياة أو موت!!



ومنذ اللحظة الأولى فإن القضية ــ لأسباب عديدة ــ أثارت اهتمامى!



●●●



ووقتها ــ ومنذ بدأت التحقيقات ــ كان الدكتور «عزمى بشارة» السياسى الفلسطينى المعروف، وهو من أقطاب «عرب الداخل»، لا يزال عضوا فى الكنيست، وأرسلت إليه عن طريق صديق فلسطينى مشترك أسأله إذا كان فى مقدوره أن يبعث إليَّ بما يمكن أن يتوصل إليه من ملفات «الكنيست» فيما يخص الموضوع.



وتفضَّل الرجل واستجاب.



ومع أن معظم ما كان يدور حول القضية، كان يجرى فى لجنة الأمن والدفاع فى «الكنيست» (وهذه لا يشترك فيها الأعضاء العرب) ــ إلا أن وجود الدكتور «عزمى» عضوا فى المجلس، كان يعطيه بلاشك إمكانية وصول تتعدى إمكانيات غيره من «عرب الداخل».



●●●



والحقيقة أن الدكتور «عزمى بشارة» وصديقين غيره من عرب الداخل (لا يجوز البوح باسمهما، لأنهما ما زالا فى الداخل) ــ استجابا إلى ما طلبت وأكثر، وأضاف الجميع لما أرسلوا من الأوراق الأصلية، وهى باللغة العبرية، ترجمات لها بالعربية أو بالإنجليزية.



ولم أكن بأمانة مستعدا لتصديق ما قرأت.



لكنى ــ وبأمانة أيضا ــ لم أكن قادرا على تجاهله!!



فالقضية لم تعد تلميحات أو تسريبات تظهر فى صحف، أو تنشر فى كتب، وإنما القضية أكبر، وإلحاح الوقائع والتفاصيل فيها لا يمكن مقابلته بالصمت فى مصر، وما دار حولها فى إسرائيل ليس تكهنات صحف ولا شائعات تتناقلها الروايات، وإنما فى القضية اثنان من أشهر چنرالات إسرائيل، وهناك قضاة من المحكمة العليا، وهناك نائب عام إسرائيلى، وهناك جلسات سرية للجنة الأمن والدفاع فى «الكنيست»، وهناك ملفات ووثائق، وبعض ما وصل إلىَ من ذلك كله أثار لدىَّ كثيرا جدا من القلق!!



فلقد لمحت من بين الوثائق والملفات ــ مثلا ــ صور لمحاضر اجتماعات بين «أنور السادات» ونظيره السوڤييتى «ليونيد بريچنيڤ» أثناء زيارته السرية لموسكو فى مارس سنة 1971، ومع أنى لم أحضر تلك المحادثات، فإن الرئيس «السادات» بعث إليَّ كالعادة وقتها بالمحاضر الرسمية لها كما كتبها السفير «مراد غالب».



والآن أمامى ضمن الملفات السرية من داخل «الكنيست» صورة هذا المحضر ــ نسخة من الأصل ــ ثم إن هناك صورا!! لعشرات الوثائق، وكلها صور من الأصل وليس مجرد معلومات تستند إليه (كأن رئاسة المخابرات الإسرائيلية تقرأ «على راحتها» أوراق الرئاسة المصرية)!!



ولم أكن فى بعض اللحظات قادرا على تصديق ما أراه أمامى.



●●●



وفى تلك الفترة سألنى أحد أصدقاء «مبارك» المقربين، (وهو بالمصادفة قريب منى بالسكن) ــ عن رأيى فى هذه القصة والضجة المُثارة حولها، وقلت له رأيى وأضفت أنه يستطيع إذا وجد رأيى مناسبا أن ينقله إلى الرئيس، وهو فى حِلْ من ذكر اسمى.



وكان ملخص رأيى «أن كرامة البلد وسمعة «أشرف مروان» نفسه تتطلب تحقيقا رسميا مصريا فى الموضوع، بواسطة هيئة رفيعة المستوى، تضم عناصر قضائية ــ وبرلمانية ــ على أن تمثل فيها المخابرات العسكرية والمخابرات العامة فى مصر)، وظنى أنه بدون ذلك لا تستقيم الأمور».



وقلت لصديق «مبارك» أيضا أن الموضوع شائك وهو كذلك معقد، لأن من أبلغ إسرائيل ــ بصرف النظر عن شخصيته ــ بموعد الهجوم على أنه الساعة السادسة مساءً لم يقصد تضليلها، لأن هذا الموعد كان هو ساعة الصفر المقررة فعلا فى الخطة حتى يوم الثلاثاء 2 أكتوبر، ثم وقع خلاف بين الفريق «أحمد إسماعيل» (وزير الدفاع المصرى)، وبين اللواء «يوسف شكور» (قائد الجيش السورى).



وموضوع الخلاف أن القيادة المصرية كانت تفضل بدء العمليات فى الساعة السادسة مساء مع آخر ضوء، لكى تستفيد من مجىء الليل يحمى عمليات المهندسين فى بناء الجسور.



وأما القيادة السورية فقد كانت تفضل الساعة السادسة صباحا مع أول ضوء، لكى تستعين بأشعة الشمس فى مواجهة الدبابات الإسرائيلية على هضبة «الجولان».



وقد استحكم الخلاف بين القيادتين المصرية والسورية، وسافر الفريق «أحمد إسماعيل» إلى «دمشق» سرا صباح يوم الثلاثاء 2 أكتوبر لتسوية مباشرة مع القيادة السورية، ولم يتوصل الطرفان إلى حل، وتدخَّل الرئيس «حافظ الأسد» وتوصَّل مع القائدين «أحمد إسماعيل» و«يوسف شكور» إلى حل وسط، وهو اختيار الساعة الثانية بعد الظهر موعدا للهجوم.



والحل الوسط على هذا النحو يعطى القيادة المصرية ست ساعات عمل قبل الظلام الذى تريده لحماية بناء الجسور، كما أنه يعطى القيادة السورية ست ساعات من ضوء الشمس تنجز فيه اندفاعها الرئيسى على الهضبة، والشمس وراءها وفى مواجهة مدرعات الجيش الإسرائيلى.



والمسألة الحساسة أن الدكتور «أشرف مروان» سافر من مصر إلى «ليبيا» عن طريق أوروبا يوم 2 أكتوبر، لكى يخطر «القذافى» بأن المعركة حلت، وساعة الصفر المقررة لها والموعد المعتمد لبدء العمليات هو السادسة مساء، أى أن الدكتور «أشرف مروان» لم يكن فى مصر عندما تغيرت ساعة الصفر من السادسة مساءً إلى الثانية بعد الظهر.



وهذه مسألة قد تثير التباسات لابد من جلائها، وإلا وقعت الإساءة إلى «أشرف مروان»، وهذا ظلم له ــ إلا إذا ثبت شىء آخر!!



●●●



وبعد أن لقى «أشرف مروان» ذلك المصير المأساوى الذى انتهت به حياته بالسقوط من شرفة شقته فى الدور الرابع على الأرض فى ساحة «كارلتون تيراس» ــ وبرغم أية أحزان شخصية وإنسانية ــ فقد كان يقينى أن المشكلة لا يمكن ــ ولا يصح ــ أن تنتهى إلا بتحقيق شامل، لكن الذى حدث أن الرئيس «مبارك» فى جو مزدحم بالتقارير الواردة من إسرائيل وبالأخبار والشائعات ــ أصدر من جانبه إعلانا قرر فيه براءة «أشرف مروان»!!



وفى لقاء آخر مع «صديق مبارك»، قلت له «إننى شخصيا شديد الانزعاج من اتهام «أشرف مروان»، وشديد الحزن للمأساة التى انتهت بها حياته، لكن المسألة برمتها، ولكرامة البلد، ولسمعة الرجل، ولطمأنينة أسرته، تقتضى تصرفا مختلفا، أوله تحقيق كامل فى القضية»، وربما تماديت حين قلت له «إن الرئيس «مبارك» قلد بابوات روما على عهد البابا «أوربان الثانى» وأصدر صك براءة، ومع تقديرى لشهادة الرئيس ولشهادات كل بابوات الڤاتيكان ــ فإن رئيس مصر لا يملك هذا الحق، وسوف تُعتبر القضية معلقة فى السياسة وفى التاريخ، ولا يضع نهاية لها إلا تحقيق شامل ودقيق!!».



وكان حرصى شديدا على براءة «أشرف مروان»، مع تأكيدى بأن نتائج التحقيق وحدها هى صك البراءة الضرورى الذى يزيحها إلى النسيان!!



وقلت أيضا: «إن «مبارك» يتصرف بما لا يملك عندما يستعمل سلطته للفصل فى القضية»، وإذا كان فى استطاعته من موقع الرئاسة أن يغلق الباب هذه اللحظة بقوة السلطة، فإن التاريخ له أبواب كثيرة إلى قرار الحقيقة أيا كان موقعه، مع الرجل أو عليه، رغم أننى واحد من الذين يدعون الله لأكثر من سبب أن تكون الحقيقة لصالح «أشرف مروان»!!



فالرجل إنسان ودود إلى آخر الحدود، ثم هو إدارى تنفيذى أثبت كفاءة مشهودة أثناء إدارته لمكتب الرئيس «السادات» للمعلومات، ثم هو رجل أؤتمن على خزانة أسرار مكتظة بما فيها، ولقد قام فى حياته بأدوار حساسة متعددة: مديرا لمكتب الرئيس للمعلومات، ورئيسا للهيئة العربية للتصنيع العسكرى، وهو أيضا رجل يملك شبكة علاقات إنسانية وسياسية وعسكرية ومالية شديدة الاتساع، وكل ذلك يفرض أن تكون السجلات واضحة احتراما للمعنى العام، وإنصافا للمعنى الإنسانى الخاص.



●●●



تظل فى مسألة «أشرف مروان» واقعة أكتبها بحق التاريخ وحده، وهى واقعة جرت فى لندن فى شهر سبتمبر 2006.



فى الصباح الباكر من أحد الأيام فى ذلك الشهر، وكنت فى العاصمة البريطانية، اتصل بى الصديق والمفكر العربى الدكتور «كلوفيس مقصود» يقول لى «إن السفير اللبنانى فى لندن «جهاد مرتضى» دعاه اليوم على الغداء، واللقاء مع عدد من الدبلوماسيين العرب، وقد عرف السفير «مرتضى» منه (الدكتور «كلوفيس مقصود») أننى فى لندن، وهو يرجو أن يدعونى إلى الغداء إذا لم يكن لديَّ ارتباط آخر، وأضاف «كلوفيس مقصود» أنه يتمنى لو قبلت دعوة السفير اللبنانى ــ ويومها كان لدىََّ على الغداء موعدا أستطيع أن أتصرف فيه، وهكذا نزلت على ما طلب «كلوفيس»، واتصل بى بعد دقائق السفير «جهاد مرتضى»، يوجِّه لى الدعوة رسميا.



وعندما دخلت إلى بيت السفير اللبنانى فى حدائق «كينسجتون»، كان السفير «جهاد مرتضى» ومعه ضيفه الدكتور «كلوفيس مقصود» فى انتظارى، ودخلنا مباشرة إلى قاعة الطعام، وهناك وجدت ستة من السفراء العرب بينهم السفير المصرى فى لندن وهو السفير «جهاد ماضى»، ووسط جمع السفراء العرب وجدت «أشرف مروان» واقفا وفاتحا يديه مرحبا، وقلت همسا: «أشرف».. لدينا كلام كثير!!».



وكان الغداء «دبلوماسيا عربيا» فى كل تفاصيله، واستغرق أكثر قليلا من ساعة، ثم استأذنت من الجميع: «بأننى سأترك لهم الدكتور «كلوفيس مقصود» يتحدث معهم فيما يريدون، وقام معى السفير اللبنانى يودعنى إلى باب سفارته، ولمحت «أشرف مروان» يسير وراءنا، وعلى باب السفارة اللبنانية فى لندن وقفنا، وقد جاءت سيارتى ولحقتها سيارته، وسألنى «أشرف» إذا كان يستطيع أن يجىء معى، وقلت له بصراحة:



«أنه لا أنا ولا هو يستطيع أن يتصرف كما لو أنه لم يحدث شىء، فقد حدث شىء، وشىء كبير لا أستطيع أن أتجاهله معك، ولا تستطيع أن تتجاهله معى».



وقال مبتسما: أعرف.



وسألته والسفير اللبنانى «جهاد مرتضى» لا يزال واقفا معنا يتابع حوارنا:



- إلى أين نذهب؟! ــ بصراحة فأنا لا أريد اليوم أن أذهب إلى بيتك، ولا إلى فندق «الكلاريدچ» ــ وإذن..

وقاطعنى يقترح أن نذهب إلى فندق «الدورشستر».



وطلبت من سائق سيارتى أن يذهب إلى فندق «الدورشستر».



ولدقيقة ساد فى السيارة صمت، قطعه بأن قال:



«لم نلتق منذ سنة ونصف، مرات عرفت أنك فى لندن وترددت فى الاتصال بك، وحين غالبت ترددى مرة سألت وإذا بك سافرت، لكن هذه المرة عندما عرفت من «جهاد» أنك قبلت دعوته على الغداء، طلبت منه أن يدعونى!!».



وقلت: «أنت لم تأت إلى القاهرة طوال هذه السنة والنصف، ولا أعرف إذا كنت ممنوعا من المجىء لها بطلب من الرئيس «مبارك» الذى نصحك بالسفر منها أثناء لقاءك معه فى ضريح الرئيس «عبدالناصر»!!



وفوجئت بردة فعل «أشرف مروان» وبانفعاله فى الرد، فقد قال:



ــ هم لم يطلب منى أن أسافر كما يشيعون فى القاهرة، وهو لا يستطيع أن يمنعنى.



وحين سألت:



ــ ولماذا لا يستطيع؟! ــ ألا يملك سلطة...



ولم ينتظر أن أكمل كلامى، بل قال بحدة:



ــ هو لا يملك أى سلطة، وهو لا يستطيع، وبدورى قاطعته قائلا:



ــ «أشرف».. أليس هذا كلاما كبيرا؟!!



وكان رده هو موضع المفاجأة الحقيقية:



ــ هو لا يستطيع.. أقولها لك، أننى أستطيع تدميره.



والتفت إليه أدقق فى ملامح وجهه، وكرر العبارة بالإنجليزية تلك المرة قائلا: I can destroy him، زاد قائلا: أستطيع تدميره وتدمير غيره معه ـــ وذكر اسم اللواء عمر سليمان.



قالها ــ وكررها ــ وهو يمد سبابته إلى الأمام فى تأكيد إضافى!!



وقلت: إننى أفضل أن نكمل حديثنا فى «الدورشستر».



وعندما دخلنا إلى الفندق، قصدنا مائدة على الطرف، ولم نكد نجلس حتى سألته مباشرة: إنه لا داعى ليضيع وقته، فهو يعرف ما أريد أن أسأل فيه، وأنتظر الإجابة عنه!!



وسألنى «أشرف»:



ــ هل تصدق أننى «جاسوس»؟!!



وقلت:



ــ إن هذا سؤال فى غير محله، على الأقل ما نحن بصدده ليس مسألة تقييم شخصى، وإنما مسألة وقائع مذكورة فى وثائق، وكلها يحتاج إلى كلام لا يحتمل اللبس، وليس مسموحا لأحد بتداخل المشاعر فى تكييف القضايا.



وأنا أريد أن أسمعك بقلب مفتوح، وعقل مفتوح أيضا، ومقدما فإنى أريد أن أصدق ما سوف تقوله لى.



ــ ما الذى تريد أن تسألنى فيه بالضبط؟!



وقلت: «إننى أريده أن يعرف أن ما نُشر فى الصحف الإسرائيلية لا يهمنى كثيرا، وإنما تركيزى كله على ما هو فى الوثائق الإسرائيلية، وما جرى تداوله فى التحقيقات، سواء فى لجان «الكنيست»، أو لجان التحقيق الخاصة، وبالذات تلك اللجنة التى رأسها «مناحم مازوز» النائب العام الإسرائيلى، فذلك محقق مدقق، قرأت الكثير عن كفاءته، وقد كان معه جمع من أبرز رجال القانون فى إسرائيل.



وباختصار فإن مجمل المعلومات التى لا أشك فيها، ومن كل ما اطلعت عليه تؤكد أمامى عدة حقائق:



1ــ أنه كان لإسرائيل فى مصر «شخص» على مستوى يسمح له بأن يعرف.



2ــ أن هذا «الشخص» لم يقدم لها المعلومات فحسب، وإنما قدَّم لها صورا من أسرار البلد فى لحظة شديدة الحرج من تاريخه.



3ــ أن هذا «الشخص» أخطرها مسبقا ضمن ما أخطرها به ــ بموعد قيام حرب أكتوبر، وساعة الصفر المقررة لعملياتها.



4ــ أن هذا «الشخص» قدَّم نفسه لإسرائيل فى لندن سنة 1972، وقد رتب له بعض من يعرفهم ويتصل بهم زيارة إلى عيادة الدكتور «إيمانويل هربرت»، وهى نفس العيادة ونفس الطبيب الذى قام بدور صلة الوصل بين الملك «حسين» (ملك الأردن) الراحل، وبين الإسرائيليين، وفى عيادة هذا الرجل وبمساعدة من سلطات إنجليزية نافذة، تمت لقاءات وجرت لقاءات ووقعت تفاهمات.



وإذن فإن هذا الطبيب وهذه العيادة لهما تاريخ سرى راسخ.



5ــ أن هذا «الشخص» عندما ذهب أول مرة إلى عيادة الدكتور «هربرت»، ورغم اتصالات مسبقة طلب موعده لطلب استشارة، وقد وصل معه ملف دخل به إلى سكرتيرة «هربرت»، وحمله معه حين دخل إلى حجرة الكشف الخاصة، وقدمه إلى الطبيب الذى فتحه ووجد بالفعل ورقة طبية على السطح، لكن الورقة التالية فى الملف كانت محضر اجتماع سرى بين الرئيس «السادات» وبين القادة السوڤييت، وهو اجتماع مارس 1976، والذى اختلف فيه الطرفان حول طائرة الردع التى كان «السادات» يطلبها من السوڤييت وهم يترددون.



وحين توقف الدكتور «هربرت» أمام هذه الورقة، وقال لزائره «هذه الورقة وُضعت خطأ فى الملف، وهى لا تتصل به».



فإن هذا «الشخص» قال للطبيب: إن الورقة لم توضع خطأ، وإنما هى صميم الموضوع!!



وكانت تلك هى البداية، وبعدها جاء مدير الموساد الچنرال «زامير» بنفسه إلى لندن، و...



وقاطعنى «أشرف مروان»: إذا كنت أقول إنه هو هذا «الشخص».



وقلت: إننى لم أقل، ولكنهم فى إسرائيل قالوا، ولو كنت صدقتهم لما كان هناك داع أن ألقاك، وأن أجىء معك إلى هنا، وأن أسألك ــ ثم أن أنتظر لأسمع منك جوابا؟!!



ومد «أشرف مروان» يده إلى الجيب الداخلى لـ: چاكتته، وأخرج منها ورقة ناولها لى، وكانت قُصاصة من جريدة «الأهرام»، نشرت نص ما قاله الرئيس «السادات» فى تكريم «أشرف مروان» عندما ترك منصبه فى رئاسة الجمهورية، والتحق بالهيئة العامة للصناعات العسكرية، (وهى هيئة أنشأتها مصر والسعودية والإمارات العربية لتصنيع السلاح)، ونظرت فى القصاصة ثم طويتها وناولتها لأشرف، وسألنى: «ألا تكفيك شهادة «أنور السادات» حين يقول إننى قدمت خدمات كبيرة لمصر؟!!».



وقلت لأشرف صراحة: «أن ما قرأته منسوبا لـ «أنور السادات» لا يجيب عن سؤالى»، وأضفت «أنه قبلى يعرف قيمة أى كلام مرسل مما يُقال فى المناسبات، وعلى أى حال فإنه إذا رأى أن يكتفى به فهذا حقه، وأما بالنسبة لى فإنه ببساطة لا يكفى»، وأضفت: «إن ما نحن بصدده لا يمكن الرد عليه إلا بما هو واضح ومحدد ــ وقابل للإقناع!».



وبدا عليه الحرج وسألنى:



ــ هل تتصور أن صهر «جمال عبدالناصر» جاسوس؟! ــ وأنت كنت أقرب الأصدقاء إليه وتعرفه؟!!



وقلت بصراحة: «دعنى أكون واضحا معك، لا شهادة حُسن سير وسلوك من «أنور السادات»، ولا صلة مصاهرة مع «جمال عبدالناصر» تعطيان عصمة لأحد.. نحن أمام مشكلة حقيقية تقتضى وضوحا مقنعا حقيقيا».



وفجأة وقع ما لم أكن أنتظره، فقد أقبل «خالد عبدالناصر» ومعه ثلاثة من أصدقائه اللبنانيين، وهو يقول لأشرف ضاحكا:



«كلفناك كثيرا يا دكتور.. دعوتنا على الغداء ولم تظهر، وانتظرناك وطلبنا على حسابك كل ما أردنا».



وبدأ أشرف يشرح لى: الحقيقة أننى كنت دعوتهم على الغداء هنا، وعندما عرفت أنك سوف تكون فى السفارة اللبنانية آثرت أن أطلب من السفير «جهاد مرتضى» (السفير اللبناني) أن يدعونى معك لألقاك، وحاولت الاتصال بـ«خالد» أعتذر له، ولم أستطع العثور عليه، واتصلت بمطعم «الدوشستر» أبلغهم أن «خالد» وأصدقاءه ضيوفى، وعليهم أن يضموا حسابهم إلى حسابى!!



وقلت، والشبان الأربعة وأولهم «خالد عبدالناصر» يجلسون معنا: «إذن فقد كنت تعرف حين اقترحت أن تجىء إلى «الدوشستر» أن هناك من ينتظرك فيه».



وقال: «إن ذلك لم يكن ترتيبا مقصودا أو مدبرا، لكنه على أى حال يهمه استكمال حديثنا على مهل، ويقترح أن يمر علىَّ صباح غد فى الساعة العاشرة صباحا، ثم نذهب معا للمشى فى حديقة «هايد بارك»، ونتحدث بالتفاصيل فيما أريده، وفى جو مفتوح نضمن أن لا أحد يتسمَّع علينا فيه».



●●●



وصباح اليوم التالى وقبل الساعة العاشرة صباحا بخمس دقائق خرجت من باب فندق «الكلاريدچ» إلى الرصيف شارع «بروك»، أنتظر «أشرف مروان» لكى نذهب معا إلى حديقة «هايد بارك»، وهى قريبة منى عبر شارع «سوث أودلى»، وفى العاشرة بالضبط وصلت سيارة «أشرف»، ونزل سائقها يقدم نفسه على أنه «أحمد» السائق الخاص للدكتور «أشرف مروان»، ولديه رسالة شفوية:



«إن الدكتور أصيب صباح اليوم بنزيف اضطره للذهاب إلى المستشفى، على أنه سوف يتصل به مساء اليوم فى الساعة الخامسة لكى نحدد موعدا آخر».



ولم يتصل بى «أشرف مروان».



ولم أتصل به.



حتى سمعت بالنهاية المأساوية والحزينة التى انتهت بها حياته!!



●●●



وفى كل الأحوال فقد أصبح الآن مؤكدا أن إسرائيل كان لها فى مصر جاسوس على مستوى عال، وأن هذا الجاسوس أبلغها بما كان محظورا إبلاغها به، حتى ولو كان الإبلاغ عن يوم الهجوم، (وحتى لو اختلفت الساعة).



وهذا الجاسوس ــ أيا كان ــ لم يكن عميلا مزدوجا، فليست هناك ورقة واحدة فى رئاسة الجمهورية ولا فى المخابرات العامة تحتوى إشارة عن نشاطه، وهذه نقطة حرجة.



وكان وجود مثل هذا الجاسوس ظاهرا حتى فى أول رسالة بعثت بها رئيسة وزراء إسرائيل «جولدا مائير» إلى الرئيس الأمريكى «ريتشارد نيكسون» وذلك قبل أن تنشب العمليات بعشر ساعات على الأقل، ولذلك فإنه من الحيوى أن يعرف كل مصرى من هو؟! ــ ولماذا؟! ــ وكيف؟!!





فى الحلقة القادمة:



● رجل تقدم الصفوف فجأة إلى قمة السلطة.. ماذا نعرف عنه؟



● كانت علاقة الرئيس حسنى مبارك وجيهان السادات ظاهرة تستحق الدراسة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عماد الصغير
راكب درجه فاخره
راكب درجه فاخره


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 765
نقاط : 1232
تاريخ التسجيل : 26/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مبارك وزمانه من المنصة الى الميدان للقراءة المباشرة   الخميس فبراير 16, 2012 12:34 pm

كان تعبير الرجل الذى لا يعرفه هؤلاء الذين يظنون أنهم يعرفون عنه كل شىء ــ حاضرا معى أحد أيام نوفمبر سنة 1998، وكنت فيه على موعد فى مؤسسة «هاربر كولينز» على مدخل الطريق 4 الخارج من لندن، متجها إلى «وندسور» و«أوكسفورد». وكان موعدى هناك لاجتماع يبحث قائمة خاصة بالكتب التى تنشرها المؤسسة مع بداية الألفية، وهى قائمة أعدتها مجموعة عمل من مديرى النشر فى الأقسام المختلفة لـ«هاربر كولينز».





وعلى غير ترتيب مسبق جاءت ــ «چوانا» ــ سكرتيرة المدير العام للمؤسسة ورئيس مجلس إدارتها «إيدى بل»، تدعونى إلى لقائه، ومشيت معها نحو مكتبه، وهو قريب من قاعة الاجتماعات التى كنا فيها، وتطل مثلها على الشرفة الدائرية لصحن المبنى، المغطاة بالنباتات المتسلقة تكسو كل جدرانها من الدور السادس إلى الدور الأرضى.







مبارك وأوباما



●●●



وعندما دخلت مكتب «إيدى» كان أمامه ملف سميك مربوط بشريط محيط به يمسك أوراقه رزمة واحدة لا تنفرط.



وقال «إيدى بل» وهو يشير إلى الملف:



«لدينا مشكلة تصورنا أنك قد تستطيع مساعدتنا فى حلها، لأنها خاصة بالرئيس «مبارك»!».



وراح «إيدى» يشرح المشكلة.



«أحد الصحفيين الأمريكيين (ذكر اسمه)، عمل مراسلا لجريدته فى القاهرة عدة سنين، واقترح علينا أخيرا أن يكتب كتابا عن «مبارك»، وقبلنا اقتراحه، ووقعنا معه عقدا، ودفعنا له مقدم أتعاب، وعاد (المراسل) إلى القاهرة، فقضى ثمانية أشهر يجمع المعلومات، ويقابل المصادر، ويتقصى الروايات، ثم كتب نصا أوليا عرضه على هيئة التحرير، لكن الهيئة لم تر فى الكتاب مادة كافية تصلح للنشر عن شخصية مهمة فى العالم العربى، وبدا ما سمعته مما لا دخل لى به، لكن «إيدى بل» أضاف:



وفى هيئة التحرير طلبوا من (المراسل) أن يراجع ما كتب، وأن يُعيد كتابة نصه، (وقرروا أن يضيفوا إلى المبلغ الذى صُرف له) ليبحث أكثر ويتوسع بزيادة مواد تجعل الكتاب أكثر جاذبية لقارئ دولى (إنجليزى ــ أمريكى ــ بالدرجة الأولى)، وحاول (المراسل) وقدم نصا جديدا، ولكن ما فيه للمرة الثانية لم يزد كثيرا عما كتبه فى المرة الأولى، وكان فى مقدورنا صرف النظر عن الموضوع كله، ولكن المشكلة أننا استثمرنا أموالا فيه، ثم إننا سبق وكتبنا إلى السفارة المصرية هنا، وإلى السفارة البريطانية فى القاهرة نطلب منهما المساعدة على تسهيل مهمته، وبالفعل رتبوا له مقابلة «مبارك» وأفرادا من أسرته، وآخرين من حاشيته، وعدد من الذين عرفوه، وتعاملوا معه فى مراحل حياته المختلفة، ومعظم ذلك مسجل على أشرطة، كما أن هناك ــ إلى جانب النص المكتوب ــ مئات الصفحات من المذكرات والوثائق التى اعتمد عليها، لكن ذلك كله لم يساعد على مخطوطة كافية لكتاب مقروء (Readable)».



أضاف «إيدى بل»: «أنه حاول الاطلاع على المكتوب بنفسه، ولم يستطع أن يواصل القراءة فيه بعيدا».



أضاف: «وقد توصلنا إلى اقتراح نريد طرحه عليك، وهو أن نضع تحت تصرفك هذا النص، وكذلك تسجيلات مقابلات صاحبها ومذكراته، ثم تقوم أنت بأى جهد تراه لتجديد الكتاب، وفى هذه الحالة سوف نطلب منك إشارة رقيقة فى المقدمة إلى مَنْ قام بالعمل التحضيرى لمشروع الكتاب، وأظن أنك تقبل ذلك!».



ولم أكن فى حاجة إلى إطالة التفكير، وإنما قلت صراحة لـ«إيدى بل»: «إن لدى على الفور أسبابا كثيرة للاعتذار!!».



● أولها: أننى لم أكتب من قبل «قصة حياة» لأحد، ولم أفعل ذلك حتى مع «عبدالناصر»، وإنما كان كتابى عنه The Cairo Documents مركزا على صداقاته الدولية، وعلى عصر العمالقة الذى عاش فيه، ثم إننى لم أفعل ذلك مع «السادات»، وإنما كان كتابى عنه مركزا على خريف سنة 1981 ــ «خريف الغضب» Autumn of Fury، وتحديدا مشهد مأساة اغتياله.



أى أن كل كتبى باللغة العربية أو الإنجليزية كانت عن مراحل أو وقائع، وليست عن أشخاص.



● والسبب الثانى أن السير الشخصية (Biography) تحتاج إلى تجرد وحياد، وذلك قد يتوافر لمؤرخ، لكنه يصعب إنسانيا أن يتوافر لصحفى، وصحفى له موقف، وهذا ثانى أسبابى للاعتذار.



● هناك سبب ثالث نفسى أكثر منه عملى، وهو أن القبول بمثل هذه المهمة قد يقتضى منى طلب مقابلة «مبارك»، أو بعض المحيطين به، وهو ما لا أريده لأسباب تخصنى، بينها حرصى على الاحتفاظ بمسافة من السياسة المصرية الجارية!!



●●●



وللحق فإن «إيدى بل» لم يواصل إلحاحه وإنما أبدى تفهما، لكنه لم يستطع صرف النظر عن مشروع الكتاب بأسره، وقد سألنى فى محاولة أخيرة «إذا كان لدىَّ مانع من قراءة المواد الجاهزة، وإبداء رأى فى إمكانية استكمالها، إذا وجدت بعد قراءة النص أن لدىَّ ما أقترحه!!».



ولم أستشعر لدىَّ «مقاومة» لهذا الاقتراح، بل لعلى ببعض «خصائص» المهنة كنت مهيأ له، وطلب «إيدى» من سكرتيرته أن توضع قاعة الاجتماعات الملاصقة لمكتبه تحت تصرفى اليوم وغدا، بما يوفر لى فرصة القراءة الهادئة، وأن تجىء إلىَّ بالنص المكتوب، والصندوق الذى يحوى ما يتصل بها من الأوراق مثل محاضر وشرائط ومذكرات جمعها (المراسل) الذى كتب كتابه مرتين!!



وما بين الحادية عشرة صباحا إلى الرابعة بعد الظهر جلست فى قاعة الاجتماعات، منكبا على القراءة، وعلى الاستماع إلى مقاطع من التسجيلات.



وخرجت إلى مكتب «چوانا» أعيد إليها ما عندى، ولكنها قالت «إن رئيسها لايزال فى مكتبه، وقد يهمه أن يرانى ليسمع منى، ودخلت إليه، ولم يترك «إيدى» لى فرصة، بل سألنى إذا كنت وجدت حلا، وهززت رأسى نفيا، وقلت: «إن الرجل (أقصد المراسل) بذل جهدا خارقا، لكنه أعطى نفسه مهمة مستحيلة!!».



وسألنى «إيدى» عما أعنيه، وقلت: «إن الصورة هنا على الورق مماثلة تماما للصورة كما تظهر هناك على الأرض، وليس فى مقدور الرجل ــ إنصافا له ــ غير أن يعرض ما رأى، إلا إذا طلبت منه ما هو خارج طاقته!!



وسألنى «إيدى بل»: «هل يمكن أن يكون ما هو مكتوب هو كل ما هناك «على الأرض»؟!» ــ وقلت تأكيدا وإنصافا للرجل: «على الأرض ــ هو كل ما هناك!!».



●●●



وفيما بعد فكرت طويلا فى المسألة، وكان مؤدى ما توصلت إليه أن النص الذى قرأته ليس كل القصة، ولكنه ما يبدو للرائين منها، لأن بطل القصة (أى «مبارك») سواء ــ للأحسن أو للأسوأ ــ لم ينس أثرا حيث ذهب، ولم يترك بصمة حيث تصرف، ولم يوقع على ورقة إلا إذا كانت مرسوما بقانون سوف يُعلن للناس، ولم يسمح بتسجيل محضر لأهم اجتماعاته، بل أجراها جميعا على انفراد، وفى الغالب الأعم فإن تصرفاته الرئاسية كانت شفوية يصعب الحصول عليها، وتجميعها، ومضاهاتها، ودراستها!!



وهنا يصدق التعبير بأن من يتصورون أنهم يعرفون كل شىء عنه ــ بظاهر ما رأوا كله ــ هم فى الواقع لا يعرفون شيئا عنه!!



●●●



● وخلال سنوات طويلة سمعت ــ دون قصد ــ آراء كثيرين ممن عرفوه.



ــ بعض من عرفوا أسرته فى «كفر المصيلحة»، وليس فيهم من يعرف عنه شخصيا شيئا محددا، وقد سمعت كثيرا عنه (كما أسلفت) من شقيقه «سامى مبارك»، لكنه كله مما أرد نفسى عن استعمال شئ منه، فهو خصوصية أسرة، ثم إنه يحوى بعضا من عقدة قتل الأخ Fratricide وهو ما لا شأن لى فيه!!



ــ وبعض زملائه فى الكلية الحربية، وفى كلية الطيران، يجيبون إذا سُئلوا بأنه «لم يعط سره لأحد « على حد تعبير أحدهم، وهم يعرفون أنه يحب سماع الحكايات وروايتها، ويحب إطلاق النكات وتكرارها، لكنه وراء ذلك كتوم!!



ــ بعض هؤلاء أضافوا أنه رجل يثابر أكثر منه رجل يفكر، وهو مستعد بالنشاط العضلى يعوض ما يفوت عليه بالنشاط العقلى، وهو جاهز لذلك طول الوقت.



ــ وبعض هؤلاء يقولون إنه شديد الطاعة لرؤسائه، يكرس جهده دائما لإرضائهم مهما كانت المهام التى يطلبونها منه، وأثناء الدراسة فى كلية الطيران لم يخرج فى الإجازات، وإنما كان على استعداد باستمرار للبقاء فى الكلية نوبتجيا، بينما غيره ينتظر الإجازات ويتشوق لها.



ــ وبعض زملائه يروى أنه عندما تخرَّج والتحق بأحد المطارات كان يحاول التأثير بأن يلحق طابور الصباح كل يوم قفزا من النافذة إلى ساحة التدريب أمام الناس، ليُظهر سرعة حركته.



ــ وبعض زملائه يقول إنه نال الحظوة لدى من عمل معهم من قادة الطيران، ثم دار من حولهم عندما وجد منفذا إلى وزراء الدفاع، خصوصا الفريق «محمد فوزى»، والفريق «محمد أحمد صادق»، وهو يحقق نفاذه إذا اطمأن إلى أن قادته المُباشرين لا يعلمون، أو يعلمون ولا يقولون شيئا، لأن مرؤوسهم وطَّد صلته بالمستويات الأعلى!!



ــ وبعض زملائه فى قاعدة «بلبيس» يحكون كثيرا عن أنه كان معهم وهم يشترون اللحم من سوق «بلبيس» لبيته ولأسرة قرينته، لأن أسعارها أوفر، مع حرصه على أن يأخذ ورقة بالسعر ليستوفى حقه «بلطافة» (على حد تعبير القائل) دون أن يطلب بنفسه (وذلك لا عيب فيه).



ــ وزميل آخر يحكى كيف كان غرامه شديدا بالأرغفة الصغيرة المحشوة بـ«الفول المدمس» أو بـ«الطعمية»، وهو فى السيارة من القاعدة إلى البيت أيام الإجازات يأكل معظمها.



ــ وبعيدا عن زملائه القُدامى كلهم أو بعضهم، فإن من جاءوا فى حياة «مبارك» بعدهم لا يعرفون ما هو أكثر، ففى ذكريات أحد معاونيه الذين خالطوه عن قُرب فى بعض مراحل عمره «أن انبهاره الأكبر كان بالغِنى وبالأغنياء، والثروة والأثرياء، وعندما يعرف أن أحد زملائه ينتمى إلى أسرة غنية، فإن سؤاله باستمرار كان طلب ترجمة الأوصاف إلى أرقام بسؤال «يعنى يطلع عنده كام؟!».



ــ وهو شغوف بكل ما يستطيع أن يسمع من تفاصيل عن حياة الآخرين، وتلك من خَصاله، منذ كان ضابطا صغيرا حتى أصبح رئيسا.



ثم يضيف هذا المتحدث صيغة للتعامل مع «مبارك»: «يا هنا» ذلك الذى يحتاج «مبارك» إليه، و«يا ويل» من يحتاج هو إلى «مبارك»!!



ــ وهو رجل لا ينسى مهما طال الزمن إساءة ــ أو ما يعتبره إساءة من أحد، ولا يذكر مهما قصر الزمن فضلا ــ أو ما يعتبره فضلا من أحد!!



ــ وأخيرا هناك أحد الأدباء البارزين الذين اهتموا بحضور مؤتمراته وواظبوا عليها، وحاولوا تقييمه من وجهة نظر ثقافية: «أنه ــ ذلك الأديب ــ حضر عشرات المؤتمرات لـ«مبارك»، ولم يشعر على طول ما سمع أن «مبارك» قرأ كتابا، أو تذوَّق فنا، أو استشهد ببيت شعر، أو أشار إلى قول مأثور شعرا أو نثرا!!».



●●●



وربما كان أطرف ما سمعت فيما يمكن اعتباره «المأثورات» هو ما رواه لى «خالد عبدالناصر» بعد لقاء مع «مبارك» بعد عودة «خالد» من غيبة طويلة خارج مصر بسبب اتهامه فى قضية شباب مصر الأحرار، والتى قيل عنها إنها دبرت اعتداءات على رعايا إسرائيل عند مجيئهم إلى مصر بعد اتفاقية السلام.



وكان «مبارك» ــ للإنصاف أيضا ــ قد اتخذ فى هذه القضية موقفا كريما يُحسب له، وفى أثر ما شاع عن هذا الاتهام، فإنه ترك «خالد عبدالناصر» يسافر من مصر سنوات، وعندما عجز «خالد» عن تحمُّل الغيبة عاد ــ ورأى «مبارك» أن يلتقيه لقاء أب بابنه.



وكانت رواية «خالد عبدالناصر» عن نصيحة «مبارك» له ــ وقد رواها «خالد» عنه بجد، ولم أستطع أن آخذها كذلك.



كانت نصيحة «مبارك» قُرب نهاية اللقاء قوله:



ــ اسمع يا ابنى: تبسبس آه ــ تهلس آه ــ لكن تسيِّس لأ!!



وترجمة القول:



«تبسبس» (من بيزنس Business) ــ و«تهلس» (مفهومة دون ترجمة) ــ وتسيِّس (من السياسة)!!



وبالتالى فالحكمة المقصودة هى أن كل المجالات حلال، وأما مجال السياسة فهو الحرام شخصيا!!





خالد عبد الناصر



●●●



كانت الصفة الأخرى التى ركز عليها هؤلاء الذين يعرفون «مبارك» عن قُرب هو أنه لا يحب أن يسمع كلمة طيبة عن غيره هو، وقد لمحت هذه الخاصية من خلال موقف رواه لى رئيس الوزراء اللبنانى السابق «رفيق الحريرى»، فقد تصادف أن «رفيق الحريرى» فى أول زيارة رسمية له إلى مصر بعد توليه منصب رئيس الوزراء، نزل فى فندق «شيراتون» الجزيرة، وهو شبه ملاصق لمكتبى، واتصل بى «رفيق الحريرى» فى الساعة الثامنة صباحا يقول لى إنه استيقظ مبكرا ويسأل إذا كان يستطيع أن يجىء إلىَّ الآن، ورحبت، وجاء «رفيق الحريرى»، وأول ما بدأ به قوله أنه التقى «مبارك» بالأمس، وأن «الرئيس» وضعه فى موقف شديد الحرج، فقد حضر وزير الخارجية المصرى وقتها ــ السيد «عمرو موسى» ــ الدقائق الأخيرة من اللقاء، وبعد انتهائه مشى «مبارك» من حيث كان يجلس مع ضيفه إلى باب قاعة الاجتماع ووراءهما السيد «عمرو موسى».



وقال «رفيق الحريرى»: «إننى أوقعت «عمرو موسى»، وأوقعت نفسى فى حرج شديد»، وراح يحكى أنه أراد مجاملة الرئيس المصرى بمدح وزير خارجيته، فقال له: «سيادة الرئيس اسمح لى أن أهنئك على نشاط وزير خارجيتك».



وتوقَّف «مبارك» فى مكانه، وقد بدا عدم ارتياحه قائلا لرفيق الحريرى، و«عمرو موسى» يسمع: «إيه.. وزير الخارجية لا يرسم سياسة .. رئيس الدولة يرسمها»!!



ولم يكتف بذلك بل التفت إلى «عمرو موسى» قائلا له:



«عمرو.. اشرح للأخ «رفيق» أن وزراء الخارجية لا يرسمون السياسة، ولكن ينفذونها فقط!».



وكان تعليق «رفيق الحريرى» أنه كان فى «نص هدومه» من شدة ما أحس بالحرج لنفسه ولوزير الخارجية المصرى، وقد ظن أنه يمدحه!!





عمرو موسي



●●●



ثم أتيح لى أن أسمع قصة مشابهة إلى حد ما، وهى تتعلق بى مباشرة، فقد حدث أن الرئيس «مبارك» قام بزيارة رسمية لليابان، واحتفلت به أكبر دور النشر هناك وهى «يوميورى شيمبون»، فأقامت له حفل غداء، دعت إليه جمعا من الشخصيات، وجلس الضيف المصرى بجانب رئيس مجلس إدارة مؤسسة «يوميورى» وهى عملاق فى عالم النشر، وصحيفتها اليومية «يوميورى شيمبون» توزع فى اليوم 6 ملايين نسخة ــ وقال المضيف لضيفه وهو يظن أنه يجامله:



«أنت تعرف يا سيادة الرئيس أن أحد كتابكم يشارك ثلاثة غيره من «كبار الكُتَّاب» فى مقال شهرى يُنشر فى «يوميورى شيمبون»، وهم يتناوبون عليه كل شهر، كل واحد منهم يكتبه أسبوعا، لأننا نقصد أن نجعل القارئ اليابانى متصلا بالعالم الخارجى، (وتفضل الرجل فذكر أسماء الكُتَّاب الأربعة من العالم وبينهم اسمى)!!



ورد الرئيس «مبارك» قائلا:



ــ «ولكن (تفضَّل هو الآخر بذكر اسمى) ليس معنا ــ هو ممن يعارضوننى».



ودُهش رئيس مجلس إدارة «يوميورى شيمبون»، وأغلق باب المناقشة فى الموضوع على الطريقة اليابانية، قائلا مشيرا لضيفه ــ إلى آنية من البللور وسط المائدة: هل تعجبك زهور الكريزانتم يا سيدى الرئيس ــ هذا موسمها فى اليابان!!



●●●



وكانت علاقة الرئيس «حسنى مبارك» مع السيدة «چيهان السادات» ظاهرة تستحق الدراسة، ومع أن هذه السيدة الذكية شديدة الحرص فى حديثها عن تلك العلاقة، فقد كانت بعض العبارات والروايات تفلت منها أحيانا.



وعلى مائدة العشاء فى بيت قرينة الوزير السابق الراحل («أمين شاكر») كان مقعدى على المائدة بجوار السيدة «چيهان السادات» وأمامنا الدكتور «مصطفى خليل»، والحديث هامس، والسيدة «چيهان» تبدى ضيقها من بعض ما تتعرض له، قائلة:



«إنه («مبارك») لم يغفر لها ما بلغه من ملاحظاتها على أدائه أثناء عمله نائبا للرئيس». والتفتت إلىَّ السيدة «چيهان» قائلة: «أنت كنت أنتقد «أنور» وسياساته، وسوف تعرف أنها «نار «أنور السادات» ولا جنة «حسنى مبارك»!!، ثم يغلب الضيق عندها على الحذر، وتقول:



«لا أعرف لماذا تمسَّك به «أنور» إلى النهاية» ــ ثم تواصل كلامها بما مؤداه «أنها أثارت مع زوجها أكثر من مرة موضوع صلاحية «حسنى مبارك» لأن يكون نائبا للرئيس، ولكن أنور السادات» كان يقاطعها كل مرة قائلا لها على حد روايتها (چى.. (كذلك كان نداؤه عليها باسمها تدليلا) هل تريدين أن تكون علاقتك سيئة برئيس الدولة القادم؟!».



وتوقفت طويلا أمام هذه العبارة الأخيرة، لأن القطع فى الأمر بهذه الصيغة له ــ أغلب الظن ــ سبب!!





جيهان السادات



●●●



وكان الدكتور «مصطفى خليل» جالسا أمامنا يتابع، وقد التقط بدوره خيط الحديث من السيدة «چيهان» ــ وراح يحكى أنه لا يذكر اجتماعا حضره مع «حسنى مبارك» (عندما كان نائبا لرئيس الحزب الوطنى، وعضوا فى لجنته العُليا) ــ ثم جرى بحث أمر من الأمور على نحو جدى من البداية إلى النهاية، صحيح أنه فى كل مرة كان هناك جدول أعمال، لكن ما كان يحدث بالفعل هو أن الاجتماعات ما تلبث أن تزدحم بالحكايات والروايات، ثم ينتهى الاجتماع.



ويستطرد «مصطفى خليل»:



«وأفتح الجرائد صباح اليوم التالى، وأجد تصريحا «طويلا عريضا» لـ «صفوت الشريف»، يستفيض ويستطرد فى الكلام عن موضوعات يُفترض أننا بحثناها ودرسناها، وقررنا فى شأنها أثناء اجتماعنا، بينما نحن فى الحقيقة لم نتطرق لها على الإطلاق.



ويضيف «مصطفى خليل»: «أنه لم يقابل «مبارك» سواء بصفته نائب رئيس الحزب الوطنى، أو بوصفه مسئولا فى النظام، إلا وقد سبق اللقاء تحذير من الحاشية بأن «سيادة الرئيس لديه من المشاكل ما فيه الكفاية، فإذا كان لديك ما يمكن أن يضايقه فـ «حاسب على الراجل»، وإذا كان عندك ما يشرح صدره، فقل ما تشاء!!».



●●●



لكن ذلك كله لا يكفى لتفسير «مبارك»، ولا لتقييم شخصيته، فهذه الأوصاف بكل ما تقدمه من دلالات وإيماءات لا تكفى، فهذا رجل مشى فى عمله الوظيفى من أصغر رتبة إلى أعلى رتبة، ومشى على خط متواصل دون عقبات أو عثرات تعترض طريقه أو تعطِّله.



ــ ثم هو رجل تساقط خصومه ومنافسوه أمامه واحدا بعد الآخر، وبقى هو بعد الجميع، وتلك استمرارية تحتاج إلى تفسير أكثر اتساعا وعمقا من كل ما هو شائع وذائع من الحكايات والروايات.



ــ ثم إن هذا رجل تقدم من الصفوف فجأة إلى قمة السلطة، وقد يقبله الناس لظروف، لكن «الظروف» ــ فى العادة ــ لا تطول إلى ثلاثين سنة!!



ــ بقيت ظاهرة لا يمكن إغفالها، وهو أنه رغم خلعه عن السلطة ــ فإن «مبارك» لم يترك دائرة الضوء، بل ظل قضية مُثارة، جارية على الألسن فى كل حديث عام، واردة فى حساب التطورات المأساوية التى عاشتها وتعيشها مصر، ولو من باب مسئوليته عنها دون حساب حقيقى حتى الآن!!



وتلك كلها ليست أمورا سهلة، تؤخذ بظواهرها.



وإنما لابد أن يكون وراءها شىء لم تلمحه الأوصاف، ولم تحسبه التقديرات.



والمشكلة أن هذا «الشىء» ــ على فرض وجوده ــ لا تظهر له علامات ولا بشارات!!



فى الحلقة القادمة:



الأمريكيون بين أول من سحبوا استثماراتهم على «مبارك» .. خطاب شخصى للرئيس مبارك كان من أصعب ما كتبت على كثرة ما كتبت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عماد الصغير
راكب درجه فاخره
راكب درجه فاخره


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 765
نقاط : 1232
تاريخ التسجيل : 26/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مبارك وزمانه من المنصة الى الميدان للقراءة المباشرة   الخميس فبراير 16, 2012 12:36 pm

كان آخر اتصال مباشر بين الرئيس «مبارك» وبينى بعد ظهر 2 ديسمبر 2003، وكنت فى بيتى الريفى فى «برقاش» عندما قيل لى إن الرئيس «مبارك» على التليفون يريد أن يتحدث معى، وعلى نحو ما فإن تلك لم تكن مفاجأة ــ لأنه سبقها ما مهَّد لها!



سبقها أن الأستاذ «إبراهيم المعلم» (رئيس مجلس إدارة دار الشروق) اتصل بى من «فرانكفورت»، حيث كان يحضر المعرض السنوى للكتاب، يقول: «إنه يظن أن اتصالا تليفونيا مهما قد يجرى معى الآن!».



وتساءلت، وكان التفصيل لديه أن وزير الثقافة الأستاذ «فاروق حسنى» اتصل به فى «فرانكفورت» يطلب منه رقم تليفون بيتى فى «برقاش»، «لأنهم يريدون» أن يتصلوا بى.



وزادت دهشتى لأن تليفونات «برقاش» معروفة فى مكاتب الرئاسة، فإذا كان هناك من يطلبها الآن، إذن فإن الاتصال يجرى من خارج القنوات الطبيعية.



●●●



والغريب أننى استبعدت أن يكون الرئيس «مبارك» نفسه هو الذى يريد التحدث إلىَّ، فقد كنت أعرف أن ضيقه بما أكتب وأقول قد بلغ مداه، ضايقته بشدة رسالة بعثت بها إلى الجمعية العامة لنقابة الصحفيين، وهى تبحث مشروع قانون جرى التفكير فيه ومطلبه تقييد حرية الصحافة، وطلبت النقابة حضورى، وآثرت أن أكتفى برسالة إلى الاجتماع موجهة إلى مجلس نقابة الصحفيين، تلاها نيابة عنى السكرتير العام للنقابة فى ذلك الوقت الأستاذ «يحيى قلاش»، وكان النص يحتوى على ما يمكن اعتباره مواجهة مباشرة:



1ــ إن هذا القانون استفزنى كما استفزكم، واستفز الرأى العام وحملة الأقلام وكل القوى السياسية والنقابية والثقافية فى هذا البلد.



2ــ إن الأسلوب الذى اتبع فى تصميم هذا القانون وإعداده وإقراره هو فى رأيى أسوأ من كل ما احتوته مواده من نصوص، ذلك أن روح القانون لا تقبل منطق الخلسة والانقضاض، وإنما تقبل منطق إطالة النظر والحوار، والقانون بالدرجة الأولى روح، وإذا نُزعت الروح من أى حياة فما هو باقٍ بعدها لا يصلح لغير التراب!



إن روح القانون فى رأيى أهم من كل نصوصه، حتى إن استقام قصد النصوص وحَسُنَت مراميها.



وأشهد آسفا أن وقائع إعداد القانون كانت أقرب إلى أجواء ارتكاب جريمة منها إلى أجواء تشريع أحكام.



3ــ إن هذا القانون فى ظنى يعكس أزمة سلطة شاخت فى مواقعها، وهى تشعر أن الحوادث تتجاوزها، ثم إنه لا تستطيع فى نفس الوقت أن ترى ضرورات التغيير، وهنا لا يكون الحل بمعاودة المراجعة والتقييم، ولكن بتشديد القيود وتحصين الحدود، وكأن حركة التفكير والحوار والتغيير تستحق أن توضع فى قفص.



●●●



لقد أحزننى تصريح منسوب للرئيس «حسنى مبارك» منشور فى كل الصحف أمس ــ الخميس ــ نُسب فيه إليه قوله بأنه «إذا التزم الصحفيون بميثاق الشرف فإن القانون الجديد ينام من نفسه»، ثم نُسب إليه أيضا قوله «إنه يرحب بالرأى شرط أن يكون صادقا».



ومع كل الاحترام لمقام رئاسة الدولة فإن القوانين لا تعرف النوم، وإنما تعرف السهر، وهى لا توضع لتنام بكرم أو بسحر المغناطيس، وإنما قيمة القوانين أن تعلو حركتها الذاتية فوق إرادات الأفراد.



●●●



وأصبح تعبير «سلطة شاخت» فى مواقعها على كل لسان، بل أصبح شعار كل المعارضين لسياسة «مبارك»، وظل كذلك حتى لحقته قضية التوريث، ثم جاءت محاضرة لى فى الجامعة الأمريكية فى القاهرة نوفمبر 2002، تحدَّثت فيها عن احتمالات التوريث، ونبَّهت إلى مخاطره، وثارت عواصف الغضب فى الرئاسة، وفى الحزب، وفى دوائر السلطة والحكم، وكان داعى الغضب فجائيا: من ناحية لأن السر تفجر فى العلن، ومن ناحية أخرى لأن تفجير السر وقع على غير انتظار، كما أن من يعنيهم الأمر كانوا مشغولين عما يجرى فى القاهرة باحتفالات افتتاح مكتبة الإسكندرية، وكانت احتفالات أسطورية ذكَّرت كثيرين بمهرجان افتتاح قناة السويس أيام الخديو «إسماعيل» وقصص الإمبراطورة الفرنسية «يوچينى» (التى كانت ضيفة ذلك المهرجان ولخيمته الكبرى بقرابتها «فرديناند دليسيبس» مهندس مشروع حفر قناة السويس).





احتفالات افتتاح مكتبة الإسكندرية





وكانت محاضرة الجامعة الأمريكية قد أذيعت على قناة «دريم» ثلاث مرات فى يومين، ثم تنبَّه المحتفلون إلى آثارها، فإذا عاصفة الغضب تطيح بكل من كان له دخل فى إذاعتها وتكرار إذاعتها ــ وتركز الغضب على كل رجل وسيدة كان لهما دور فى تكرار إذاعة المحاضرة، وهما المهندس «أسامة الشيخ» (مدير قناة «دريم» وقتها)، والدكتورة «هالة سرحان» (منسقة برامجها).



ونجا صاحب القناة الدكتور «أحمد بهجت» بشبه معجزة، وقال لى بنفسه بعدها: «إن إذاعة هذه المحاضرة كانت على وشك أن تكلفه 2 مليار جنيه، لولا أن قدَّر الله ولطف، واستطاع شرح موقفه لمن يعنيهم الأمر».



إلى جانب ذلك، فإن الصحافة الرسمية كرَّست صفحاتها لحملات ضارية لكلام من نوع تأقلمت على متابعته من باب الرصد السياسى، وبمنطق أن كل قول يدل على قائله بأكثر مما يشير إلى سامعه!



وفى مثل هذا المناخ فقد استبعدت احتمال أن يتصل بى الرئيس «مبارك»، لأن حديث التوريث سوف يفرض نفسه على أى اتصال!



ولكن الرجل بالفعل ــ خيَّب ظنى»!



فهو لم يتحدث عن التوريث بكلمة، وإنما انصب كل ما قال على موضوع آخر لم أتوقعه!



●●●



جاءنى صوت الرئيس «مبارك»، وبدون مقدمات قائلا:



ــ «يا راجل ماذا تفعل بصحتك؟!».



كنت قد وضعت ورقا وقلما على المكتب، أحاول أن يكون لدى سجل حرفى وضرورى لمكالمة تصورتها سياسية، وتوقف القلم فى يدى، أكرر سؤال الرئيس ولكن موجها إليه:



ــ سيادة الرئيس ــ ماذا فعلت بصحتى؟!



قال:



ــ «أنت لا تعطى نفسك فرصة العلاج الضرورى ماذا تفعل عندك؟ لابد أن تسافر فورا إلى أمريكا وتستكمل علاجك هناك، لأن صحتك ليست مهمة لك فقط، ولكن للبلد، فأنت أديت خدمات كبرى للشعب، ودورك فى الحياة العامة يشهد لك».



ودُهشت حقيقة فقد كنت أعرف ما فيه الكفاية عن رأى «مبارك» فى مواقفى، وفيما أكتب أو أقول تعبيرا عنها، ولم يكن فى استطاعتى ــ وبظاهر الأمر أمامى ــ دون حاجة إلى استعادة مخزون الذاكرة أو استقراء النوايا غير شكر الرئيس على بادرته، وكان ردى: «إننى متأثر باهتمامه، شاكر لفضل سؤاله»، ثم شرحت:



«إن أحوالى الصحية والحمدلله الآن طيبة، وهو يعرف أننى أجريت عملية جراحية منذ أربع سنوات، وذكَّرته بأنه وقتها تفضَّل وسأل عنى ثلاث مرات فى مستشفى «كليفلاند» فى الولايات المتحدة، وبعد العملية فإننى عُدت إلى «كليفلاند» عدة مرات، وقصدت إلى «أوماها» مرة للفحص والمتابعة، والآن فإن ابنى الأكبر وهو أستاذ فى كلية الطب يتابع أحوالى، وهو على اتصال منتظم بأطبائى فى أمريكا، وصحتى ــ والفضل لصاحب الفضل ــ مستقرة، لم يطرأ عليها داعٍ للقلق من جديد!



وقاطعنى الرئيس بحزم قائلا: لا، لا، هذا المرض لا يُعالج مرة واحدة، واسمع منى، واستطرد يشرح وجهة نظره:



«مرة أخرى صحتى مسألة مهمة، ولابد أن أعود إلى أمريكا وأكرر العودة»، ثم إن هناك موضوعا يريد أن يتحدث فيه معى بصراحة، «رغم أنه يعرف الكثير عما وصفه بـ«الكبرياء»، لكنه برغم ذلك مضطر أن ينبهنى إلى «أن تكاليف العلاج فى أمريكا «نار» مهما كانت مقدرة صاحبه»، ثم يصل الرئيس إلى موقع الذروة فى كلامه فيقول:



«هذه المرة تكاليف علاجك ليست على حساب الدولة، وليست على حساب الأهرام، وإنما من عندى شخصيا، وبينى وبينك مباشرة دون غيرنا».



واعترضت: «سيادة الرئيس أرجوك، الدولة لم تتحمل عنى نفقات علاجى فى أى وقت»، والأهرام «كذلك لم يتحمل مليما من نفقات علاجى ــ حتى عندما كنت لسبع عشرة سنة رئيسا لمجلس إدارته ورئيسا لتحريره ــ فقد تحمَّلت باستمرار تكاليفى بنفسى، واعتبرت ذلك حقى ــ وحق الآخرين، خصوصا إذا كنت أقدر عليه».



ورد الرئيس «أنه يعرف أن الدولة لم تتكلف بعلاجى»، ولا الأهرام، «لكن ضرورات صحتى تقتضى الآن شيئا آخر، حتى لا يعود المرض»، وكرر «أن المسائل المالية» سوف تكون معه شخصيا، ولك أن تطلب بلا حدود وبدون تحفظ، وأنا أعرف الكثير عن «عنادك»، ولكن «.. وتوقف قليلا ثم استطرد»:



«محمد بيه.. المرض مالوش كبير!!» ثم يستكمل العبارة: «السرطان ليس لعبة» وعلاجه مكلف، وفى أمريكا بالذات تكاليفه «ولعة».



و«نحن» جربنا هذه التكاليف فى حالة «سوزى» (يقصد السيدة قرينته)، وكانت هذه الإشارة إلى أقرب الناس إليه دليل حميمية آسرة.



والحقيقة أن إحساسا متناقضا بدأ يتسرب إلى فكرى:



ــ من ناحية فإن الرجل فى كلامه يعبر عن اهتمام واضح بأمرى، وهذا يستحق اعترافا بفضله.



ــ ومن ناحية أخرى فإن هذا العرض المالى بلا حدود وبدون تحفظ يتبدى لى غير مريح ــ لا فى موضوعه، ولا فى شكله، ولا فى أى اعتبار له قيمة ومعنى، مهما كان حُسن النية لدى قائله!



ورددت: بلهجة قصدتها واضحة لا تحتمل أى التباس:



«سيادة الرئيس أريد أن أضع أمامك موقفى»:



العملية الجراحية التى أجريتها قبل سنوات نجحت والحمدلله، وطوال هذه السنوات فإننى تحت رعاية طبية أثق فيها، سواء فى مصر أو فى أمريكا، ومنذ عدة شهور فقط استجد عارض عُدت فيه إلى الولايات المتحدة، وظهر والحمدلله أنه أهون مما قدَّرنا.



ولو جد، لا سمح الله، جديد، فسوف أذهب إلى حيث ينصح أطبائى، وفق ما يرون من أحوالى.

وإذا حدث ذلك فإننى والحمدلله قادر على تحمل نفقات علاجى، فالحقيقة أن ما كتبت ونشرت من كتبى بمعظم لغات العالم وفر لى ما أحتاج إليه وأكثر».



وأضفت:



«أننى شاكر لكم كل ما أبديتم من اهتمام وكرم، ولكنى أعتقد أن هناك من يحتاج إلى ذلك أكثر منى، وفى كل الأحوال فإن عرضكم يأسرنى بفضله، وأعد أنه إذا حدث ولم تستطع مواردى أن تواجه ضروراتى، فإننى سوف أعود إليكم، معتبرا ما عرضتم علىَّ نوعا من «الاحتياطى الاستراتيجى»، ألجأ له إذا احتجت، أما الآن فليس هناك ما يدعونى إلى استخدامه!



ورد الرئيس: «أنت لاتزال تعاند، وقلت لك إن المرض «مالوش كبير»، وإن تكاليفه فى أمريكا لا تُحتمل، ثم تقول لى «احتياطى استراتيجى» يعنى إيه «احتياطى استراتيجى!».



وقلت للرئيس والحديث كله يصبح محرجا: «سيادة الرئيس، هل أنا الذى أشرح لك معنى «احتياطى استراتيجى» أنت بخلفيتك العسكرية تعرف ذلك أكثر منى أو غيرى معنى احتياطى استراتيجى، وما أقصده هو أن عرضكم رصيد موجود ماثل فى خلفية تفكيرى، ووجوده فى حد ذاته يطمئننى حتى بدون استعماله، وقد أستدعيه لضرورة قصوى، لكن هذه الضرورة القصوى ليست حاضرة فى هذا الوقت!».



وقال الرئيس:



«هذا كلام يمكن أن تكتبوه فى الجرائد، لكنه «لا يودى ولا يجيب».



وانتهت مكالمتنا بطريقة حاولت كل جهدى أن تكون ودية، دون أن يضايقه اعتذارى ــ قاطعا ــ عن عرضه.



●●●



ولساعات ظل حديثه يلح على تفكيرى، وبالحق فقد كنت حائرا فى تأويل مقاصده:



ــ فهو لم يذكر بكلمة ما قلته فى محاضرة معارضة «التوريث»، ولم يشر إليها بكلمة واحدة خلال مكالمة زادت على عشرين دقيقة.



ثم إنه أبدى حرصا لا يصح لى أن أقابله بشك فى نواياه، لكنى بأمانة تصورت أن المسألة يجب وضعها فى إطارها الصحيح، بمعنى أنه من باب التجنِّى أن أشك فى النوايا، فإنه من باب السذاجة ألا يرد الشك على بالى، وأن يكون لهذا الشك متنفسا!



وعلى نحو ما فقد تصورت أن أسجل الواقعة فى خطاب شكر مكتوب، أبعث به إليه من باب الوفاء، وفى نفس الوقت لكى يكون هناك مرجع لا يترك مجالا لسوء فهم.



وجلست فكتبت له خطابا مختصرا، سجلت فيه مجمل ما دار بيننا، وكان نصه بالحرف:



القاهرة فى 3/12/2003



سيادة الرئيس..



لا أعرف كيف أعبر لكم عن عرفانى بالفضل، وتقديرى لحديثكم التليفونى المستفيض مساء الأمس (الثلاثاء 2 ديسمبر) ــ سؤالا عن صحتى واهتماما بأمرى. واعتقادى أن نصيحتكم بشأن ضرورة ذهابى لفحص شامل فى الولايات المتحدة الأمريكية نصيحة سديدة النظر، وحقيقية بحكم تقدم العلوم والتكنولوجيا. وبالفعل فإننى كنت فى الولايات المتحدة الأمريكية فى شهر مايو الأخير على موعد مع الدكتور «أرميتاج» عميد كلية الطب فى جامعة نبراسكا (أوماها)، الذى قيل لى إنه من أبرز الاختصاصيين فى العارض الصحى الذى تعرضت له أوائل الصيف، وسبَّب ضغطا على القصبة الهوائية كانت له مضاعفات حتى على صوتى. وقد وضع الدكتور «أرميتاج» خطة علاج جرى تنفيذها فى مصر، ويبدو لى أن نتائجها ناجحة بدرجة كبيرة حتى الآن، وأنوى بمشيئة الله أن أعود إلى الولايات المتحدة لمراجعة أخرى.



إننى لا أستطيع أن أشرح لكم كيف تأثرت بعرضكم الكريم فى شأن تكاليف العلاج، وكانت عفويتكم آسرة حين أشرتم إلى أنكم ــ وليس مؤسسة أو دولة ــ سوف تتحملون بها، تقديرا كما تفضلتم «لرجل له قيمته»، وداعين إلى أن أطلب بغير حساسية وبغير تحفظ وذلك كرم عظيم. وكان بين دواعى تأثرى أنكم تعرفون ــ سيادة الرئيس ــ مما أكتب وأقول إننى على خلاف مع بعض توجهات السياسة المصرية، وأن تتجلى مشاعركم على هذا النحو الذى تجلت به ــ فإن ذلك دليلا على حِس صادق، يقدر على التفرقة بين العام والخاص، وبين السياسى والإنسانى.



وقد أعجبنى قولكم إن «المرض مالوش كبير» لأن تكاليف العلاج فى أمريكا مهولة، وبالفعل فإننى جربت ذلك مرتين من قبل، لكن الصحة تبقى أغلى ما يحرص عليه الإنسان.



إننى سوف أحتفظ بعرضكم الكريم معى، وسوف أعود إليكم فى شأنه عند الحاجة، معتبرا أنه احتياطى استراتيجى (كما يُقال) يريح وجوده ويطمئن، وذلك فى حد ذاته فضل لا يُنسى، ونبل قصد يستحق كل عرفان ووفاء.



سلمتم ــ سيادة الرئيس ــ مع أخلص الشكر وأعمقه، وتقبلوا موفور الاحترام.



محمد حسنين هيكل





صورة لخطاب هيكل للرئيس مبارك



●●●



وفى الحقيقة فإن هذا النص كان من أصعب ما كتبت على كثرة ما كتبت! فلم يكن فى مقدورى إنكار الظاهر من فضل الرجل، ولا كان فى مقدورى ألا أسجل اعتذارى عن عرضه بطريقة لا تحتمل اللبس، ومن باب الاحتياط فقد اختبرت تأثير الخطاب على غيرى بأن أطلعت عليه على عكس العادة عددا من رؤساء التحرير المتصلين به وقتها، وبينهم الأستاذ «إبراهيم نافع» (رئيس مجلس إدارة «الأهرام»)، والأستاذ «إبراهيم سعدة» (رئيس مجلس إدارة «أخبار اليوم»).



ولم يصلنى من «مبارك» رد ولا اتصال، وإنما كان الذى أبلغنى نوعا من رد الفعل هو الدكتور «أسامة الباز» الذى جاء لمقابلتى يقول لى:







أسامة الباز



«إنه قرأ الخطاب، وأن النص مكتوب بعناية، لكنه («أسامة») فهم بوضوح أننى أردت تسجيل الواقعة».

وقلت لـ«أسامة»: «مرة أخرى أن ما فهمه صحيح!».



والغريب أن أحد الصحفيين من أعضاء لجنة السياسات تفضل مرة وكتب يسألنى ماذا أريد من هذه المعارضة المستمرة لسياسة الرئيس، وهو الذى كان كريما «معك»، وعرض أن يتكفل بعلاجك، وكنت أنت الذى اعتذرت، ورددت ــ على غير العادة ــ على الملأ وفى قناة الجزيرة فى سياق حديث مع مذيعها اللامع الأستاذ «محمد كريشان» «إذا كانوا يعايروننى وقد اعتذرت عن العرض، فكيف إذا كنت قبلته؟!».



●●●



وتوقفت بعدها اتصالاته بى، ولكن حوارى مع سياساته لم يتوقف، حتى وصلنا إلى سنة 2010، وكان رأيى أن نظام «مبارك» قد انتهى تاريخيا، حتى وإن بقى على قمة السلطة فى مصر سياسيا، وأن هناك انتقالا ضروريا للسلطة لابد من الترتيب له، وعرضت تصورا متكاملا يقوم فيه ما سميته «مجلس أمناء للدولة والدستور» بإدارة مرحلة الانتقال، وفى حضور القوات المسلحة ممثلة فى المشير «محمد حسين طنطاوى»، ورشحت لعضويته أسماء رجال طرحها الناس فى أحاديثهم بعفوية مرشحين صالحين للرئاسة، ومن المفارقات أن معظم من رشحتهم الآن على رأس القائمة فى سباق رئاسة الجهمورية بعد 25 يناير 2011.



واحتدمت معركة كبرى:



ذلك أنه عندما طرحت اقتراح انتقال للسلطة يديره مجلس أمناء للدولة والدستور، وأن تكون القوات المسلحة حاضرة فى مشهده، وكان سؤال الصحف الموالية لـ«مبارك»، وربما أطراف أخرى مهتمة بالشأن المصرى العام، وموضع اعتراضهم على صحة المنطق الذى استندت إليه من أساسه: وهو كيف أطالب بعملية نقل بالتوافق للسلطة بعد «مبارك» أثناء وجوده هو شخصيا على رأس السلطة، وما الذى يدفع الرجل إلى مثل هذا التوافق، وهو الذى يريد تأبيد حكمه مادام فى «قلبه نبض يخفق ونَفَس يتردد» (على حد ما قال بنفسه فى خطاب شهير وأخير له)، ثم إن الرجل يفكر فى توريث سلطته، وعناده كله فى نقطة واحدة هو كيف يحدث التوريث أثناء حياته أو بعد عمر مديد عندما يحين الأجل؟!



وكان ردى على كل من سألنى فى الموضوع:



أن كل استجابة سياسية تتوقف على حجم الضغوط الماثلة والمستمرة، ولم يكن فى مقدورى لحظتها أن أضيف: حتى إذا وصلنا إلى النزول فى الشوارع!!



كما أن المخاطر فى كل الأحوال لا يواجهها غير حالة تنبه ويقظة!







مظاهرات ثورة يناير 2011



●●●



وكان السؤال التالى والأشد إلحاحا هو سؤال الانتقال من «مبارك» إلى ابنه، وكان الظاهر والباطن كلاهما يؤمن أنها عملية شديدة الصعوبة، ومحفوفة بالمخاطر، ذلك أن هناك استثمارات مهولة إقليمية ودولية ومصرية كذلك، وكلها تريد استبقاء النظام وإن بغير الرجل! وكان الخطر ــ كل الخطر ــ من عوامل الإقليم، وعوامل الخارج، خصوصا من جانب الولايات المتحدة الأمريكية.



وحين جاء يناير سنة 2011 فقد حدث أن تذكرت ما بدأت به من استعادة لمقولة «أندريه موروا»: «أن غير المتوقع يحدث دائما، وأبعد الظنون أقربها إلى التحقيق»!



ذلك أن الذين وضعوا استثماراتهم المهولة على «مبارك» كانوا أسرع الجميع إلى التخلى عنه بعد أن تجلى إصرار كتل الجماهير وطلائع الشباب معا على أن الشعب يريد «إسقاط الرئيس». وكانت الولايات المتحدة الأمريكية بين أول من سحبوا استثماراتهم على «مبارك»، فقد كان تصميمهم على أن مصر لا يجب أن تضيع من أيديهم مرة أخرى، هو رهانهم الحقيقى.



وهنا فقد كانت تلك هى الصدمة الكبرى لـ«مبارك»، بمعنى أنه حتى وهو يرى بحر المظاهرات، ودرجة الرفض القاطع لابنه، ظل حتى آخر لحظة مقتنعا بأن كله مدبر، وأنها قلة مندسة ولكنها منظمة وموجَّهة، ورفضها له ليس لشخصه وإنما مقصده الحقيقى إسقاط الدولة، وهو مازال قادرا على الصمود، لكن ما فاجأه ولم يكن فى حسابه هو سحب الرهان الأمريكى عليه، وربما تكشف دخائل فكره محادثة تليفونية جرت بينه وبين صديقه «بنيامين أليعازار» حدثت ظهر يوم 15 فبراير 2011، وبعد تخليه عن رئاسة الجمهورية، واختياره الإقامة فى «شرم الشيخ»، وفى هذا الحديث التليفونى وقد نشرت خبره وتفاصيله صحف إسرائيلية عديدة، كما أن «بنيامين أليعازار» نفسه تحدث عنه مطولا، وراويا أن «مبارك» ظل لنصف الساعة يشكو له كصديق من تخلى الولايات المتحدة الأمريكية عنه، ونكرانها لكل ما قام به، والغريب أنه فى انفعاله يعتبر نفسه من ضحايا الجحود الأمريكى، مثله فى ذلك مثل «شاه إيران» ــ الشاه كان ضحية لـ«كارتر»، وهو ضحية لـ«أوباما»!



ثم يضيف «مبارك» طبقا لـ«أليعازار»: أنهم ــ بعض من فى الولايات المتحدة ــ سوف يندمون يوما على تنكرهم له، ومن المحزن أن «مبارك» لم يخطر له أن يندم هو نفسه، ومن المحزن أكثر أن الرجل الذى رآه العالم يدخل ممددا على سرير طبى فى زنزانة محكمة جنايات مصرية ــ بدا غافلا دون إحساس بالكبرياء، لا كبرياء الإنسان، ولا كبرياء التاريخ!



●●●



وفوق ذلك فقد ترك مصر وسط حقل ألغام!





فى الحلقة السادسة عشر:



(مبارك) هل كان في أعماقه شعور غامض ينفر من حديث (التوريث) ؟ .. المؤسسة العسكرية بالفعل عارضت التوريث وقد أرادت أن تجعل معارضتها معروفة لدي الرئيس !!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
عماد الصغير
راكب درجه فاخره
راكب درجه فاخره


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 765
نقاط : 1232
تاريخ التسجيل : 26/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: كتاب مبارك وزمانه من المنصة الى الميدان للقراءة المباشرة   الثلاثاء فبراير 21, 2012 2:05 pm

كانت قضية «التوريث» هى الدليل والإثبات الأظهر لمقولة أن الذين يعرفون كل شىء عن «مبارك» ــ هم فى الواقع لا يعرفون شيئا عنه!!



فلقد توصَّل كثيرون ممن يعرفون «مبارك» إلى أنه يريد توريث ابنه الأصغر، وأن ذلك مشروع يعمل جادا لتحقيقه، ولم أكن واحدا من الذين يعرفون «مبارك»، ومع ذلك فقد كان إحساسى ــ دون دليل يسنده ــ أن الرجل فى حسه الداخلى الدفين لا يريد ذلك، لا بتفكيره ولا بشعوره، بل لعله ينفر من الحديث فيه، لأنه يذكِّره بما يتمنى لو ينساه!!



وبمعنى أكثر وضوحا فهو لا يمانع أن يرث ابنه رئاسته، لكن تصرفاته تشى بأنه ليس مستعدا أن يحدث ذلك فى حياته، وهو فى مأزق حقيقى، لأنه بذلك الحال فى وضع رجل يقبل ولا يقبل، يقبل بغير أن تكون إرادته حاضرة فى القبول، ولا يقبل مادامت إرادته حاضرة!!



والقريبون منه يضغطون عليه ويواصلون الضغط، وإصرارهم أنه إذا لم يحدث التوريث فى حضوره وإرادته، فإن تحقيقه ضرب من المستحيلات فى غيابه وغياب سلطته!!



والعقدة أن الرجل ليس مستعدا فى قرارة نفسه، لكنه يجارى ويبدى من الإشارات ما يفيد معنى القبول، وهو يماطل ويراوغ ولا يقولها «نعم» صريحة أو «لا» قاطعة، لأنه يريد أن يحمى سمعه من ضغط «ناعم» مرات مثل لمس الحرير، و«ثقيل» أحيانا بوزن طن من الحديد!!



وفى تلك الأحوال راجت أحاديث عن خطط تُرسم، وسيناريوهات تُعد، ولا تنتظر إلا مناسبة مواتية أو تبدو مواتية، ثم يطرح المشروع نفسه، وتمر المناسبات ولا شىء يحدث!!



●●●



ووصل الإلحاح على الخطط والسيناريوهات إلى حد الجزم بأنه كاد أن يتحقق فعلا يوم عجز الرئيس «مبارك» عن إلقاء حديثه أمام مجلس الشعب فى شهر نوفمبر 2003، فقد قيل والرواة من الداخل أنه حين عجز الرئيس وكاد يسقط على الأرض وتأجلت الجلسة قُرابة ساعة فى انتظار مقادير خارج حساب البشر ــ خطر ببال أحد «أبرز» رجال الحاشية أنه فى حالة حدوث المكروه الذى كان يحوم حول القاعة التى نُقل إليها «مبارك» مُحاطا بأطبائه ــ أنه من المتصور أن يدخل رئيس مجلس الشعب ليعلن أن قضاء الله نفذ، وبينما المجلس مأخوذ بالمفاجأة، غارق فى الدموع والأحزان ــ يتقدم عدد من نواب الحزب الوطنى باقتراح مبايعة الابن وفاء للأب وتكريما له واستمرارا لمنهجه، ولم يكن الشك يخالج أصحاب هذا الاقتراح فى أن التصويت عليه بالموافقة سوف يكون ساحقا.





مبارك في إحدى جلسات مجلس الشعب



والمدهش ــ وهذا الجزء من الرواية تسنده شواهد ــ أن أصحاب هذا الاقتراح تداولوه همسا، بينما كان أطباء «مبارك» يحيطون به يرسمون القلب، ويقيسون النبض، ويغرسون الإبر، وغيرهم مشغول بما بعد ذلك إذا فشلت جهودهم، وللدقة فليس فيما سمعت أن أحدا فاتح قرينة الرئيس «مبارك» فى هذا الأمر أثناء الأزمة، فقد شاء من تداولوا الفكرة «ألا يسببوا لها حرجا أثناء لحظات قلقها، كما أنهم خشوا أن يتبدى حرجها بردة فعل عفوية بالتردد»، وقد مضوا فى تصرفهم، حتى جاء أحد الأطباء يقول لهم «إن الرجل بخير، وأنه يستطيع خلال ربع ساعة من الآن أن يعود لإنهاء خطابه، حرصا وتجنبا للأقاويل، لو أنه خرج من المجلس دون أن يراه أحد من النواب الجالسين فى قاعة مجلس الشعب!».



وفاتت الفرصة لكن الحالمين بالخطط والسيناريوهات لم ينسوا، فقد بدت لهم فرصة ــ وتكرر نفس الخاطر عندما قصد الرئيس «مبارك» إلى «هايدلبرج» لعملية جراحية ظنوها غير مأمونة ــ وتكرر نفس الشىء عندما بدأ التفكير فى الرئاسة الخامسة لـ«مبارك»، واقتراح الحالمين هذه المرة أن يجىء الرئيس فى اللحظة الأخيرة ويوجِّه خطابا مؤداه «أنه لاعتبارات العمر والصحة يقدم لهم ابنه بديلا له»، لكن المحاولات كانت تصل إلى نقطة معينة، ثم يبدو فجأة أن اندفاعها يتباطأ، وأن خُطاها تتعثر حتى تتعطل تماما، وتدور العجلة كما ظلت تدور منذ سرت فكرة التوريث على استحياء مع مطلع القرن الحادى والعشرين!!





مبارك في ألمانيا بعد إجراء الجراحة له



ومع أنى آثرت قضية «التوريث» مبكرا فى محاضرة شهيرة فى الجامعة الأمريكية (مساء يوم 18 نوفمبر 2002)، وقد لمحت وسمعت ما يثير التوجس والريبة، كما لمح وسمع غيرى فيما أظن ــ إلا أن أحدا لم يكن متأكدا من الطريقة أو من الموعد الذى ينجلى فيه الشك، ويرتفع الستار!!



وظلت التكهنات حول الموضوع حائرة على الأفق باستمرار، وتكاثر السؤال بمناسبة وبغير مناسبة!!



● وفيما يعرف العارفون والأغلب أنه الأقرب إلى الصحة، فقد كان السلطان «قابوس» أول من سأل الرئيس «مبارك» عن مشروعه لابنه، وكان الابن قد عاش خمس سنوات تقريبا فى بيت يملكه أحد رجال الأعمال من حاشية السلطان فى حى «كينسنجتون» فى لندن، وبالتالى فإن «سلطان عمان» أصبح بين أوائل من عرفوا بخطط انتقال الابن من بيت «كينسنجتون» فى لندن إلى بيت الرئاسة فى القاهرة.



وكان رد «مبارك» على السلطان طبقا لهؤلاء العارفين: «أن قرينة الرئيس قلقة أن تطول إقامة ابنها فى لندن، ومن ثم تصعب عليه العودة إلى مصر، ثم إن بقاءه فى لندن ربما ينتهى بزواجه من إنجليزية أو أجنبية، وهى لا تريد ذلك، وأنها بحثت فى أوساط العائلات المصرية التى تعيش فى لندن عن عروس مناسبة لابنها، ولم تعثر على مرشحة تتوافر لها المواصفات التى تطلبها، لكنها سوف تواصل البحث هناك وهنا، آملة فى التوفيق!!



● وكان السائل الثانى هو «معمر القذافي» الذى لاحظ ظهور الابن منتظما على الساحة السياسية المصرية (ولعل الموضوع كان يهمه كسابقة مضاعفة إلى ترسيخ منطق التوريث فى النظام الجمهوري)، وكذلك جاء سؤاله مباشرا ــ وربما فجا ــ عما إذا كان هناك تفكير فى التوريث على طريقة «بشار».



لكن الرئيس «مبارك» استنكر، وفاجأ «القذافى» بقوله: «إن تجربة «بشار الأسد» غير قابلة للتكرار فى مصر، وأن مصر ليست سوريا، وأيضا فإن النظام فى مصر جمهورى، والنظام الجمهورى لا يعرف توريثا للحكم».



ثم كان بعدها أن الرئيس «مبارك» أعلن هذا الرأى على الملأ.





مبارك والقذافي



وأضاف «مبارك» لـ«القذافى»: «أنهم فى رغبتهم لاستعجال عودة الابن ــ رأوا إغراءه بشاغل جديد يستهويه، وأنهم أعطوه بعض المهام السياسية «يتسلى بها»، «فلا نصحو ذات يوم فإذا هو يفاجئنا بأنه عائد إلى لندن، ثم نسمع أنه تزوج واستقر هناك!!».



وبالفعل فإن «مبارك» (الأب) كان محقا فى مخاوفه، لأن الابن حتى عندما عاد من لندن، جاء ومعه مشروع زواج من فتاة نصف بريطانية ونصف إيرانية، وقد لحقت به الفتاة ونزلت فى بيت للضيافة شهورا، ثم استطاع «حلم الرئاسة» أن يزيح «خيالات الغرام»!!



● وكان السائل الثالث أجنبيا، هو الرئيس الفرنسى «چاك شيراك»، وجاء سؤاله أثناء لقاء بين الرجلين فى قصر «الإليزيه» فى باريس فى فبراير سنة 2004، وجاء رد «مبارك»: بأن كل الذى يتردد فى هذا الصدد شائعات ينشرها بعض الصحفيين، وهدفها الإساءة إليه (إلى الأب)، بينما كل ما حدث أنه يستعين بابنه فى إدارة مكتبه كما يفعل الرئيس «شيراك» نفسه مع ابنته.



ويومها وافقه الرئيس «شيراك» على أنه بالفعل يستعين بابنته «كلود»، واختارها فعلا مساعدة له، مختصة بالعلاقات العامة.



●●●



● ومع اللغط المتزايد حول قضية التوريث فى مصر، فإن الأسرة الحاكمة السعودية أبدت اهتماما واضحا، وكذلك فإن أحد كبار أمرائها وجَّه السؤال إلى الرئيس مباشرة، وسمع رده:



ــ أنه لا يريد التوريث لابنه، وأول الأسباب أنه لا يريد أن يورِّث ابنه «خرابة»، وكان الرد مفاجئا لسامعه!!



●●●



● لكن يبدو أن الساسة البريطانيين كانوا يعرفون أكثر، فقد جرى اتصال مع السفير البريطانى فى القاهرة سنة 2002، وهو يومها السير «چون سوير» John Sawyer، (وهو يشغل الآن منصب المدير العام للمخابرات البريطانية الخارجية)، لسؤاله «إذا كان يمكن الترتيب لعلاقات أوثق بين نجل الرئيس وبين القيادة فى حزب العمال البريطانى الجديد؟!



وكان الابن وقتها قد بدأ الخروج والظهور على الساحة السياسية ضمن ما سُمى بعملية تجديد شباب الحزب الوطنى، وانطلاقة الفكر الجديد فى أمانة السياسات، وعليه فقد كان داعى الطلب المصرى هو الاهتمام بتجربة «تونى بلير» الذى بدا لمن يعنيهم الأمر فى القاهرة، شابا نجح فى النزول بـ(الباراشوت) على رئاسة الحزب ورئاسة الوزارة، وظن هؤلاء المعنيون بالأمر فى القاهرة أن «بلير» نموذج مدهش يستحق النقل عن أعرق البلدان الديمقراطية!! ــ وعاد السفير البريطانى يحمل ردا بالموافقة والترحيب.





جمال مبارك



(ولم يكن «چون سوير» سفيرا عاديا لبريطانيا فى القاهرة، وإنما هو فى الأصل «رجل مهام خاصة»، وكان تعيينه فى سفارة القاهرة اختيارا لما هو أكثر من سفير، فقد كانت مهمته الحقيقية أثناء وجوده فى العاصمة المصرية هى التمهيد والتحضير السياسى لعملية غزو العراق سنة 2003، وبالفعل فإنه ما كاد الغزو يبدأ حتى نُقل «سوير» من «القاهرة» إلى «بغداد» ممثلا لبريطانيا على قمة سلطة الاحتلال فى «بغداد»، لكنه عجز عن إثبات وجوده، لأن المفوض الأمريكى للاحتلال «بول بريمر» لم يكن يريد شراكة بريطانية، وإنما يريدها علما أمريكيا لا ترتفع بجانبه أعلام!!).



ورحَّب الجميع فى حزب العمال وفى رئاسة الوزراء بما طلبوه فى مصر، واهتم «تونى بلير» بالذات، لأن السياسة البريطانية راودتها فى ذلك الوقت أوهام نفوذ خاص فى مصر، مع تكليف المجموعة الأوروبية لها (بريطانيا) مهمة رعاية التنظيم السياسى والتطوير الإعلامى، ضمن خطة تحرك على جبهة عريضة نحو العالم الثالث والشرق الأوسط بالتحديد، وكذلك فإن مهمة الاتصال مع لجنة السياسات فى الحزب الوطنى وأمينها («مبارك» الابن) عهد به إلى «بيتر مندلسون»، وهو المسئول الأول عن الحملات الانتخابية، وقد نجح فيها على امتداد ثلاثة انتخابات فاز بها «تونى بلير»!!



واستقبل «بيتر مندلسون» فى القاهرة بحفاوة (حتى بعد أن ترك منصبه فى وزارة التجارة فى حكومة «بلير» بسبب شُبهات حول علاقاته برجال الأعمال!!) ــ ثم أصبح «مندلسون» زائرا بانتظام للقاهرة، بدعوة من أمانة الشباب فى الحزب الوطنى، كما أن وفود أمانة السياسات لم تنقطع عن لندن، وكان بين ملاحظات «مندلسون» وقد سمعتها نقلا عنه «إن مُضيفيه المصريين مهتمين جدا بقسمين بالذات فى تنظيم حزب العمال الجديد: غرفة الدعاية، وغرفة العمليات السوداء، أى المتعلقة بالمهام القذرة (كذلك يسمونها)!!».



● ثم حدث أن الرئيس «چورچ بوش» الابن سأل الرئيس «مبارك» فى الموضوع آخر مرة زار فيها واشنطن فى عهده، ورد عليه الرئيس «مبارك» ضاحكا: «ألم يكن والدك رئيسا ثم جئت أنت هنا بعده؟!!» ــ ورد «بوش»: «إن ذلك كان بالانتخاب الحر، وأن هناك فاصلا مدته ثمانى سنوات، من إدارة «كلينتون» باعدت بين رئاسة الأب ورئاسة الابن!».





بوش الأبن والأب



ومع أن «مبارك» لم يشأ فيما يبدو أن يناقش أكثر مع «چورچ بوش»، فإن السفارة الأمريكية أيام تولاها السفير «ريتشاردونى» راحت تتابع جهود التوريث فى القاهرة، وتنقل فى برقياتها (وقد أذيع الكثير منها ضمن مجموعة «ويكيليكس»)، تكهنات متزايدة حوله، بما فى ذلك أحاديث منقولة عن أصدقاء لـ«مبارك» (الابن)، وكانت أحاديث هؤلاء الأصدقاء صريحة فى أن التوريث قادم لا محالة، ولن يوقفه شىء، ولا حتى ما يبدو من تحفظ المؤسسة العسكرية حياله!!



وتحكى برقيات «ويكيليكس» نقلا عن السفارة الأمريكية فى القاهرة أن بين هؤلاء الأصدقاء (وقد حذف القائمون على نشر الوثائق السرية أسماءهم عندما نشروها حفاظا عليهم، وإن كانت أسماؤهم قد تسربت فيما بعد) ــ أنه عندما ألح السفير «ريتشاردونى» على بعضهم بقوله «إنه سمع أن المشير «طنطاوى» شخصيا يعارض التوريث لأسباب كثيرة لدى المؤسسة العسكرية فى مصر» ــ كان ردهم وبثقة زائدة «أن «مبارك» يستطيع إعفاء «طنطاوى» من منصبه فى خمس دقائق، وقد قام أحدهم بتذكير السفير الأمريكى قائلا «إن «طنطاوى» ليس أقوى من «أبو غزالة»، وقد رأيتم بأعينكم كيف تمكَّن «مبارك» من إعادة «أبوغزالة» إلى بيته عندما أراد ذلك، ولم يستغرق منه القرار جهدا، ولا ترتبت عليه متاعب فى القوات المسلحة ــ كما يردد المتشككون من المُعادين للابن الآن!!».



●●●



على أن الأنباء راحت تتسرب من محيط الرئاسة ذاته، بأن الرئيس أفصح لمن زاد إلحاحهم عليه أنه لا يستطيع مجاراة ما يطلبون منه، وأن عليهم تخفيف الضغط لأن المؤسسة العسكرية ليست راضية عن «التوريث»، وهو يقوم بكل ما يستطيع من جهد للإقناع وللتحضير، لكن المقاومة مستعصية، والمسألة ليست بالسهولة التى يتصورها من يلحون عليه بأنه «الآن» لينفذ ما يطلبون، وإلا ضاعت فرصته.



وتسربت فى محيط الرئاسة قصص وروايات عن مشاجرات علت فيها الأصوات.



وكانت الحقيقة معقدة.



صحيح أن المؤسسة العسكرية بالفعل كانت تعارض، وقد أرادت أن تجعل معارضتها معروفة لدى الرئيس «مبارك».



إلا أن الصحيح أيضا أن «مبارك» استخدم ما بدا له من معارضة المؤسسة العسكرية وكرره وضغط عليه، لأنه وجد فيه ما يوافق شعورا غامضا فى أعماقه ينفر من حديث «التوريث»!!



وفى الحقيقة فإن تحفُّظ المؤسسة العسكرية على «التوريث» ورد ضمنا أثناء الاستفتاء على تعديلات دستورية جرى تفصيلها خصيصا على مقاس الوريث سنة 2006، وجرى إقرارها وسط معارضة متزايدة، ورفض شعبى واضح، جعل المشير «محمد حسين طنطاوى» يبدى رأيا، مؤداه «أنه وكل القادة يرجون الرئيس مراعاة قاعدة مستقرة فى السياسة المصرية تنأى بالقوات المسلحة عن أى دور يفرض عليها احتكاكا بالداخل السياسى».. (وذلك تعهُّد وقع تخطيه مرة واحدة من قبل أثناء مظاهرات الطعام 17 و18 يناير 1977، اتسع نطاقها وخرجت عن سيطرة البوليس، ويومها وكان المشير «محمد عبدالغنى الجمسى» وزيرا للدفاع، وكان شرطه لتدخل القوات المسلحة واستعادة سيطرة الدولة أن يُعلَن عن إلغاء الزيادات فى الأسعار، وبعدها وحين يزول السبب الذى أدى إلى اندلاع المظاهرات ــ تقوم القوات المسلحة بالمساعدة على إعادة الاستقرار والسلام الداخلى للوطن!!).



والآن كانت الرسالة الواضحة فيما قاله المشير «طنطاوى» أن القوات المسلحة لا تريد أن يزج بها فى مشاكل داخلية قد تنشأ من رفض شعبى لقبول «التوريث».





المشير حسين طنطاوي



●●●



لكن الغريب أن الرئيس «مبارك» لم يظهر منه ضيق بهذا التحذير، وكانت كثرة إشارته له دليل على أنه لاقى شيئا بالقبول عنده، وتلك قضية تحتاج إلى بحث نفسى يصل إلى العمق البعيد عما هو كامن ومكبوت!!



والأشد غرابة أن الرئيس «مبارك» نفسه كان بين الذين شعروا أن الهمة الزائدة فى البحث عن عروس مناسبة للابن كانت جزءا من عملية تأهيله لإرث الرئاسة، باعتبار أنه من الصعب على مجتمع محافظ مثل المجتمع المصرى أن يقبل برئيس «أعزب»!!



●●●



وكالعادة فإن كل فعل له رد فعل، كما أن كل تصرف مخالف للطبيعة له ضرائبه المضاعفة، ومن ذلك أن أصبح شائعا على نحو مقلق أن حديث «التوريث» أثر سلبا فى أجواء الأسرة الرئاسية، لأن الابن الأكبر أحس أن الأصغر نال الحظوة، وبدأت بين الأخوين جفوة تحولت إلى هوة، ورغم السواتر من كل نوع فقد رأى الناس طرفا من مظاهر تردى العلاقة بين الأخوين، فالأخ الأكبر ــ الذى يعتبر نفسه صاحب الاستحقاق الطبيعى (إذا كان هناك حق) ــ راح ينتهز الفرص ليؤكد وجوده، ولعله اختار مجال الرياضة لظهوره، وفيها ملاعب كرة القدم وهو من عشاقها (وبالتالى فهو الأقرب إلى جماهيرها وهم حزب أغلبية فى البلد).



وفى مباراة مصر والجزائر خرج الابن الأكبر على الناس بما تصوره تعبيرا عن الوطنية المستثارة ــ دون داعٍ ــ حتى وصل إلى حد الطلب علنا من السفير الجزائرى أن يرحل عن مصر، ويتحداه على شاشة التليفزيون موجِّها له الخطاب: ماذا تنتظر لترحل؟!، ويضيف ألفاظا تسىء للعلاقات بين البلدين بكل تأكيد، وزاد على ذلك أن الابن الأكبر راح يكثِّف حملاته وظهوره على الساحة العامة، بما فيها لقاءات ودية ــ غير معلنة ــ مع بعض الكُتَّاب المعروفين بمعارضتهم للأخ الأصغر وتوريث الحكم له!! ــ وكان ذلك مناخا مقلقا فى بيت الرئاسة إضافة إلى توترات أخرى!!



ووصلت العلاقات بين الأخوين إلى مشاهد مؤسفة، لابد أن وقعها كان قاسيا على الأب!!





جمال وعلاء مبارك



●●●



والمدهش أن الرئيس «مبارك» راوده الإحساس بالتوجس والارتياب، حين وصلت إليه نتائج انتخابات مجلس الشعب الأخيرة أواخر سنة 2010، فقد أحس ــ ربما ــ أن هناك محاولة لتمرير مخطط التوريث، حتى دون موافقته وحتى أثناء حياته، فقد لاحظ أن حجم الأغلبية التى حصل عليها الحزب الوطنى فى مجلس الشعب زائد عن الحد، ولعل هذه الزيادة ــ أوحت لعقله الباطن ــ أنها تمهيد لتوريث قد يُفرض عليه هو فرضا ــ وبقرار من البرلمان الجديد عندما يحين موعد اختيار مجلس الشعب لمرشح الأغلبية للرئاسة فى موعد أقصاه يوليو 2011.



ومن المفارقات أن بعض المراقبين أدهشهم أن الرئيس «مبارك» تراجع بسرعة أكثر من اللازم ــ فى تقديرهم ــ ثم استسلم دون مقاومة جدية لمطلب التنحى بعد ثورة 25 يناير 2011 ــ وكان بينهم من وجدوا لذلك تفسيرا، مؤداه أن الرئيس «مبارك» أراح نفسه وتنحى، وهو لم يتنح لنفسه فقط وإنما أزاح ابنه وسط الزحام قبل أن يخرج هو من الصورة عندما عيَّن السيد «عمر سليمان» نائبا للرئيس، وكانت الحوادث أسرع من الجميع!!



●●●



ومن المفارقات أن قضية «التوريث» كانت الشاغل الكبير لقوى خارجية مهتمة بالشأن المصرى، أولاها الولايات المتحدة الأمريكية، والشاهد أن مراكز المخابرات المدنية والعسكرية فى الولايات المتحدة وطوال أحاديث «التوريث»، خصوصا فى الأشهر الأخيرة من سنة 2010 ركزت على الموضوع، وكرَّست جهودا، وخصَّصت لجانا ومؤتمرات تبحث تصورات ما يمكن أن يجرى فى مصر بعد «مبارك»، وربما أن أهم تقرير أُعد وقتها هو تقرير مجموعة التقديرات فى كلية الحرب الأمريكية للجيش الأمريكى (S.S.I).



ومن الملاحظ أن هذا التقرير صدر بتاريخ سبتمبر 2011، ومع أن الحوادث فى مصر سبقته ــ فإن كلية الحرب الأمريكية نشرته، واعتبر ما فيه ساريا، حتى بعد استبعاد احتمالين بين السيناريوهات الخمسة التى تصورتها لما بعد «مبارك».



استبعدت أن يواصل «مبارك» نفسه السلطة (مرة سادسة كما كان اتجاهه واتجاه الحرس القديم فى الحزب الوطنى).



ــ أو أن يرث ابنه عنه رئاسة مصر (كما كان يريد الابن، ويريد معه من سموا أنفسهم بالحرس الجديد).



ثم طرح التقرير ما تبقى من تصورات، مركزا على 3 سيناريوهات تتحرك من خلال عملية صراعات بين التيار الإسلامى (الإخوان والسلفيين)، وبين القوات المسلحة، وبين عدد من الشخصيات والتنظيمات الحزبية أو المستقلة، لكن التقرير الأمريكى لم يقطع بنهاية محددة للصراع، مما يضع الولايات المتحدة وسياساتها تجاه مصر فى وضع ترقب وتحفز كل الجبهات، ذلك أن السياسة الأمريكية ومعها تقديرات القيادة العسكرية الأمريكية بالذات تعتبر مصر بلدا بالغ الأهمية بالنسبة لها، فهى القاعدة التى ترتكز عليها حركتها فى المنطقة كلها، والمقولة الإستراتيچية المتكررة بإلحاح فى جميع التقديرات ولدى كل مراكز صناعة القرار هى «أن مصر لا يجب أن تضيع من يد الولايات المتحدة الأمريكية مهما كانت الوسائل اللازمة لتحقيق ذلك، ومهما كانت درجة المرونة أو العنف فى الممارسة السياسية الأمريكية ضمانا لتحقيقه!!».



وكذلك فإن السياسة الأمريكية مضت تلاحق الحوادث، وتتعامل مع التطورات، وتتحرك بكل طاقاتها، والهدف المطلوب بإلحاح «مصر يجب ألا تضيع من يد الولايات المتحدة مرة أخرى» ــ وذلك هو الشبح المعلق على أفق المستقبل فى مصر ــ هذه اللحظة الخطرة من التاريخ!!

انتهى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
كتاب مبارك وزمانه من المنصة الى الميدان للقراءة المباشرة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات مترو :: محطه الابداع :: رصيف مكتبة مترو للكتب والقصص والمراجع ومجلات-
انتقل الى: